كم أكره القرن العشرين

كم أكره القرن العشرين

مستشعرات الإيقاع في الرواية

اسماعيل ابراهيم عبد

تمهيد

لمستويات الجذب القرائي الروائي أربع مراتب :                  ـ روايات تجتذب القارئ ،ومن ثم يتركها ولا يتذكرها بعد القراءة : لدينا من هذا النوع كم كبير،أكثر رواياته مسلية دون رسالة عميقة ،وقد تُخصص للفتيان .

 ـ روايات يقرأها الفرد ويتمنى ألا تنتهي : هذا النوع أقل من النوع الأول عدداً واكثر جودة ،يكون ممتعاً لكنه لا يحفّز على القراءة النقدية الجادة .               ـ روايات ممتعة تحفِّز على قراءتها أكثر من مرة وتحفز على الكتابة عنها : والنوع هذا أندر من النوعين السابقين وهو المادة الأكثر تداولاً بين النقاد والدارسين الاكاديميين .                ـ روايات تجتذب القراءة والكتابة وامتحان أدوات ونظريات الناقد : وهو النوع الرابع من الروايات الرصينة المبدعة ،هو الأصعب والأندر والأبدع ،فيه يُمْتَحنُ الناقدُ وأدواته ,يحدث التصارع القرائي لهذا النوع بأوضح صوره ،إذ أنه يعكس صورة الناقد الحائر في كيفية الدخول الى الرواية ،وصورة المتعة المتعددة الوجوه ،وصورة الهزؤ البليغ بكل الأدوات والنظريات النقدية .

  النوع الرابع هذا هو ما تنتمي إليه رواية (كم أكره القرن العشرين للكاتب عبد الكريم العبيدي،دار قناديل،بغداد 2017.(1)

     هذه الرواية أجدها وريثة ومؤصِّلة ومطوِّرة ـ دون تقليد ـ لخمس روايات هي( دابادا ،و،قوة الضحك في اورا ـ للراحل حسن مطلك) ،ورواية (تجميع الأسد ،للكاتب وارد بدر السالم) ،ورواية (اليشنيّون ،للكاتب جمعة اللامي). ورواية (هتلية ،للكاتب شوقي كريم حسن).

 الحق أنها روايات لا يمكن أن تستوعبها أية (نظرية أو أدوات تقليدية) للنقد ،كونها تعمد الى جعل الحدث اللغوي حدثاً روائياً عبر توصيله بمصادر حكائية تخص اللفظ والمحيط الاجتماعي الذي أوجد الحادثة اللغوية .. لذا فسأستجيب لما تقودني إليه الرواية من مظاهر التركيب والترتيب والتأثيث سرداً ومقولاً وأحداثاً . لسوف استهدف بغيتي من القراءة عبر المستشعرات الآتية:

أولاً : مبدأ التناثر المنتظم       وقد شمل هذا التناثر العناصر الروائية بمعظمها ،وعلى الأخص (الأزمان ،الأحداث ،الفواعل ،الرواة) .

  أ ـ هشائم الأزمان المتداخلة         وفيه مارس الروائي لعبة تهشيم ونشر الازمان بطريقة ضبط الفوضى الزمنية ببرمجة فكرية (منظور) يسمح بحرية الروي مع عدم التضحية بالمنطق الجمالي للغة ودلالات التعبير .

“المنظور … هو منظور الشخصية التي تمتلك الحقيقة ـ يقصد التعبيرعن الحقيقة ـ …    الممثلة للمؤلف “(2).  والمؤلف والشخصية القائمة بتوجيه التعبير والتناثر هو الضليل..

 لقد تم في 2004 تسلم الملك الضليل ـ الروائي الذي أتم تنفيذ وصية الفقيد بطل الرواية وجعلها صالحة للتداول ـ ملف وموجودات ودفاتر المذكرات من السيدة ميا وزوجها ـ (الرواية ص (10 . من ثم عقد معهما عقداً لكتابة الرواية لقاء مبلغ مجزٍ ، نفذ طلبهما واتم الكتابة عام 2005 ـ (الرواية ص (11) أما سنوات الرواية فتمتد بين 1960 مولد البطل مولو ،أو مولود . حتى وفاته في العام 2003 . كما جاء على شاهدة قبره في هولاندا ـ الرواية ص404 ،وعلى الغلاف الأول للرواية. وتلك تمثل خاتمة وبداية الرواية . من ثم تداخلت الوقائع بأزمانها حتى النهاية ،المقاربة للبداية.

 أما الاستعادات التي تنثر الازمان كأنها زمن واحد له أفرع فقد تشبع بها جسد الرواية كلها. بمعنى أنها رواية دائرية السرد متناثرة الزمن ،مبعثرة الوقائع . مع هذا كله فهناك منطق يضبط هذا التداخل والتبعثر يتمثل في تدرج قضية (البلوشية) في العراق ـ البصرة حصراً ـ بين العام 1972 ،والعام 1989 ،إذ صارت قضية التهجير والفرز في المواطنة ،على أعنف ما يمكن.

وقائع وافعال

 ب ـ اتساق الاحداث بلا انتظامها    الاحداث التي هي وقائع وافعال يقوم بها الشخوص ،أو ينقلها الراوي فهي عبارة عن محيّنات للروي تنقل الفعل من واقعه الحقيقي الى واقعه الفني من ثم تنتقل به الى الفعل المتخيل له .هذه الأحداث يكثر فيها التغير والتشكك والمحو مما يحيل الى نوع من الاضطراب السلوكي والنفسي يهشم ويبطل صدقها الاجتماعي لكنها أفعال تحتفظ بجديتها وتخادمها مع بقية مضفورات الروي .. لنتابع ونـتأكد.

      [هذه الليلة لا تشبه أي ليلة في هبوب لهبها ،أو في سيل مفاجأتها ،ولا بد لحلولها هذا قدر من سحر عجيب ،مجذوب بالخوارق ،قد يحصل مرة كل ألف عام ](3).                                        مثلما يُرى يمكننا ان نكذب الفعل ونكذب أحداث سردها  ،بمعنى : أن للقارئ ان يغير في نتائج حوادث هذه الليلة بحسب طبيعته النفسية وظرفه الآني . يمكن للقارئ والمتابع ان يشكك بوجود مثل هذه الليلة وبوجود لهب يهب على الناس ،مثلما لنا ان نعجب بالمجذوب من الخوارق ،لو حدثت ،فضلاً عن اننا نتوقع فرادة وقائع هذه الليلة ،صادقة أم كاذبة ،كما يمكننا ان نمحوها من ذاكرتنا كونها فورة عاطفية مهولة لا غير .

هذا التشكك والاضطراب النفسي للفاعل هو نفسه ما سينتقل الى القارئ ليدخل لعبة التوسط بين الوهم والتجسيد ..

  لنتساءل : ما المنطق الذي يربط مثل هذه الوقائع ليظن بنا اننا سننتظر الف عام لأجل  حدوثها ،من ثم تصديقها ؟.

 السؤال الاكثر تشككاً هو : أ هي ليلة من ليالي الف ليلة وليلة ؟

 ان المنطق الفني الذي يلظم الوقائع في ليلة البطل ويعطيها مبررها هو أنها وقائع لكوارث من فعل البشر ،وأنها من عجائب العالم المفتون بسحر سفك الدماء والتجاوز على الغير ،وسلبه كرامته وأمنه وثرواته.

 نعم هي من ليلة ليالي العراق الالف ،من ألف عام  ،والى الآن . ليالي الموت والدمار والحروب! .

 وكونها كوارث لحروب مستمرة فقد نسي الناس مبرراتها وعاشوا اساها لا غير .

ج ـ التوزع العمدي للفواعل            الفواعل  او الفاعلون هم من يقومون بالأفعال ويتصدرون واجهات الاحداث كونهم صانعيها هؤلاء نموذجان ،فواعل مؤثرون وآخرون ثانويّون . لكن الصنفين تعرضا للتهشيم والتضييع،فمثلاً :

 ـ البطل مولو ،قد تقسم الى عدة ذوات فهو (افرار) وهو (حكيم) وهو (أصل) وهو (مولود)،وهو كاتب رقائق الصناديق والدفاتر والوصايا .

 ـ صارم ،هو الانضباط ،والقواد ،والمراسل ،والشهيد ،والبلوشي البديل السيء لتاريخ البلوشية !

 ـ سليكة : الجدة ،الحكيمة ،الحكائية ،الغائبة عن حفيدها ،الراعية ،المربية ،المنتمية لأصلها بلا تبجح ولا نكوص .

ـ ميا :هي الدكتورة ،والاخت المجفوتة ،والاخت المطاردة من قبل صارم . وهي المدللة ،الذكية ،المريضة حاملة هموم العائلة ،الهولندية ،البصراوية ،المتزوجة بكردي ،الوحيدة موضع ثقة أخيه.

كذا حال الشخوص كلهم .

تعرضوا جميعا لوطأة الحرب والاحتقار والتهميش والانتهاك . صارت اعمالهم وافعالهم مثلاً للتهشيم والفرقة والتباعد القسري ،بسبب السلطة السياسية التي تعمل على خلخلة الاواصر الاجتماعية بين افراد المجتمع بالعقوبة والاثابة ،وتقوم بممارسة طقوس التمييز العنصري بطريقة قانونية عبر قرارات (القيادة) للفترة 1972 ـ 2003 .

انهم جميعاً هشائم الفعل الحكومي المنتظم .

   د ـ التناوب الظلي للرواة في الروي يكون حضور الراوي كوسيط لا حيادي ،وان كان يتظاهر بالحيادية ،وفي رواية كم اكره القرن العشرين تصل وظيفته الى حد التدخل في توجيه الافعال وتقزيم الشخوص او تضخيمهم . لكن ما يلفت النظر في هذا ،هو التناوب المتسارع في الروي احيانا كأنما هناك رقيب يوزع المهمات ،وأن التسابق على تنفيذ الروي جزء من كفاءة  الراوي المتنافس مع آخرين على انجاز المهمة .وبالعودة الى الصفحات من ص9  إلى صفحة 41  سنجد هذه الظاهرة تأخذ التناوب الظلّي في نقل احداث السرد ،اذ ان الراوي الاول ـ الروائي ـ يجعل ريّا وميّا راوية ظل له ،ثم تتحول الجدة راوية ظلاً لميّا ،ثم يختلطان معاً ليصرا ثانية ظلاً مشتركا له ،ظلاً مختلطَ  الروي ،متسارع الزمن ،متداخل الحوادث .

  [هل انطفأت شعلة بيت البلوش؟     البيت لاذ بالعتمة حقا .

 انتهت قصص هرب “مولو” ومعها تلاشى رعب المداهمات والاستفسارات والاستدعاء شبه الشهري من قبل دائرة الامن،فعاد البيت الى عزلته…

 ـ صوت :

   ـ من ؟

– ..

 ـ ألو …

  ـ …

  ـ لست ناقصة جنونا ،سأغلق الخط

 ـ ” ريا ” … ” شب بخيلا باتين”         ـ من ،” ميا ” قولي في هذه الساعة ” سهب بخير باتين ” ،ولكن لماذا ظللت صامتة؟ …

   بدأت العجوز تصنع صغار الاوهام . وهم اثر وهم ،ثم تشرع بترويضها الواحد تلوالآخر … طالما تعهد مولو لها مرارا بدفنها بيديه بين قبري امه وابيه في مقبرة  ” الحسن البصري” هنا تكمن غصتها.

   …

  فتحت عينيها فجأة ،وحالما وقع بصرها على لغز ” الصندوق الأسود ” شهقت! استبدت نشوة صناعة الاوهام في قلب العجوز … انصرفت صدمة فقدان ” مولو ” تدريجيا .   … ربما الشهقة المباغتة أوجزت ظاهر اللغز لاغير ،… تسللت من صدر العجوز زفرة فاترة ،وغامت عيناها حالما تعرفت على ساعة ” مولو “(4)

احداث منقولة

لقد هيأ الراوي العليم نواباً عنه تناوبوا السرد بتحريض منه ،أولهم الفقيد الذي يخابر ،ثم ميّا التي ترد ولا تسمعه ،ثم تجيء ريا لتخابر .. بعدها تجيء الاحداث منقولة بما يشبه الرواية التاريخية تخص موضوعين (مخلفات الفقيد ،وزيارته لمقبرة العائلة !) وتلك المرويات تتناوب عليها ـ كفواعل خاضعة لتوجيه الراوي المهيمن ـ كل من الدكتورة ميا والجدة ،وتلك تنتهي عند الخلط المتسارع المتقارب بين الدكتورة والعجوز في لحظة تقليب محتويات الصندوق الاسود!

   ثانياً : باراسيكلوجيا الاستبصار   في واحدة من مجمل التكهنات الحية لاستجلاب المستحيلات يلجأ الروائي الى استحضار الارواح الشبحية ليقيم منها موازيات قدرية تصوغ الحاضر بهيأة الماضي المتنبئ عنه.

 لقد تألفت هذه المنظومة من حكايات الجدة  ،ومتابعات القزم ،وبالاجاني الأول النديم  الاصل ،والعرافة . وجميعهم اتفقوا على نبوءة واحده هي ان لـ (مولو) عدو بمواصفات خاصة :

 [ يطاردك عدو لك … يااااه ،كم يكرهك … لن يتركك ،سيلاحقك أينما حللت ،    وسيـ …..”. ـ الرواية ،ص[74  .                                لكن تلك ليست النبوءة الوحيدة .. لننظر في الآتي :

   تقول الجدة :

   [ هذا خاتم زوجي ،جدك ” بالاجاني ” ،أهداه لأبيك ،فيه حجر ” الفيروز” يا ” مولو ” هو حرز للوقاية من الأخطار ،يقي لابسه من الموت الشنيع”! .

  ـ الرواية ،ص38 ]  يقول القزم العجوز :

   [ دعني الآن اعزف على سحر أوتار الهارب لتتهيج ،وتعيد كل اشرطة الشعور الى  الوراء .

  ـ الرواية ،ص106 ] يقول مولو موجهات الكلام الى بالاجاني المستبصر :

   [ هل لي بكرم التفاتة ؟ نظرة متكسرة أو ناعمة ،تشير الى شح انتباهك ،انها نظرة نادرة يا ” بالاجاني” تسللت ببطء من افول هذه المدينة ،وعشعشت في تخومك . ربما لأنها لحظة ضالة وجدت لذاتها . لحظة مخفية مسكونة ،أضحت قصية عن الادراك ،منقوعة في كنف الدهشة ،وممسوسة بالرعب.

تحليل هضبات

 ـ الرواية ص158  بدأت العرافة بتحليل هضبات وخطوط واشكال راحة يدي … همست بصوت تعلوه خنة طاغية :” صدك ،حظ امك عاميك ،حياتك هلوسات ورعب وقلق وشك    سيظفر بك عدوك يوما. قد تنجو منه مرة ،مرتين ،لكنه … سيقتفي أثرك … يا لتعاستك ،ستعيش في بلاد الغربة وتموت فيها ,…

 ـ الرواية ،ص 57  لكنني أرى ان أبرع ما جيء مروياً في هذا الباب هو التراسل الاشاري عبر الباراسيكلوجيا مثلما في المقطع الآتي الذي هو حوار وايماءات صامتة بيم مريض وطبيبة :             [ ظل المريض يميل برأسه يمينا وشمالا … راح يدعك عينيه … من الواضح أنه لم يفلح بالكثير من الفرص ،رغم أنه تحرك بغرابة ،كأنه سمكة شعرت مبكرا بخطر ما ،لكنه شاهد وجهها للحظة من غير شك . ثوان مكتظة بالطنين ،رفعا فيها الاثنان رأسيهما معا ،التقت عيناهما لحظة ،برقت فيهما رغبة منفلتة غريبة ،ثم تشابكت الاشارات والحركات ،فانقبضت نفس الطبيبة فجأة ،عرقت يداها ،واحمر وجهها . شعرت بغصة ،وبتسارع في ضربات قلبها ،ورفيف جفنيها ،كأنها سمكة هي الاخرى استشعرت خطرا قادما   منه! .

   ـ الرواية ،ص17 ] ثالثاً : ثيم   ترتبط ثيم الرواية بقيم اساسية تخص البناء الدرامي للرواية ،صانعة لذاتـــــها زماناً ومكاناً تقيـــــــم عند حدوده تعبيرها الفني.

  ان دراما القيم ومكانها ” يتمرأى مبتعداً عن تخوم الواقع التجريبي”(5)                              “” الثيم في (معلقة بلوشي) حصراً تتمرأى كنموذجا تطبيقي مهم غير مبتعدة عن الواقع التجريبي على العكس من الفرض اعلاه . لقد ارسى الروائي فهمه للقيم التي كانت تتحكم بسلطة البلاد بين 1968 ـ 2003 ،على انها تلك المتعلقة بالسلوك الرسمي وغير الرسمي والمجتمعي بإزاء الاقليات العرقية ،تلك السياسات التي دفعت بالبلاد الى حرب دفع ثمنها خمسة ملايين من / (القتلى والجرحى والمفقودين والمعاقين واللاجئين والمغيبين في السجون والمقابر). لقد تبدى ذلك عبر تشخيص ومتابعة لحياة وسلوك أحد افراد اولئك المواطنين المغضوب عليهم رسمياً واجتماعياً كناتج فعلي ورد فعل لتلك السياسات . وقد أسهب بالتعبير عن أزمة البلوش وغيرهم ممن عانوا ويلات الخراب . ويمكن تجزئة هذه الويلات الى مستويات عديدة ،منها :

   أ ـ المستوى الفردي  وقد تمثل ذلك بما انجزته الرواية لما يخص مولو كونه فرد قاوم بكل حياته كل اضطهاد بفرديته المأزومة الخائفة المتمردة . كذلك حال الاختين والأب . اما الام فلاوجود لها في اجواء الرواية كونها تشير الى وفاة مبكرة مما يعني اضطراب تربية الاطفال ،ومن ثم بروز انطواؤهم وانزواؤهم كحالة ناتجة عن الفقدان الأول الذي يضمن التوازن الاسري .

ب ـ المستوى الجماعي وقد تمثل بعنف الردع لكل من يعارض سياسة الدولة ،من ثم لكل من لا يشترك بالقتال ضد ايران ،من ثم كل من لا ينتمي للحزب الحاكم . وبتحديد أدق اولئك المضطهدون هم   (الافرارية ،المعارضون الايديولوجييون ،الاقليات غير العربية ،محافظات الجنوب عموما،ســـــــــــكان المناطق الحدود) .

   ج ـ المستوى الاجتماعي  يتمثل بالطبقات الاجتماعية الفقيرة التي نالها حيف الجوع وخدمة العلم والامراض وانتهاك الاعراض واباحة الفسق بنسائهم . وهي طبقات تمثل اكثر من 90  بالمئة من السكان ،لم يسلم احد منهم من احدى السوءات الا بالصدفة . وهو الموجب الحتمي لأن يكره الكاتب القرن العشرين انحيازاً وانتصافاً لجانب المظلومين في هذا القرن جميعاً .

    د ـ المستوى الثقافي يتمثل هذا بفقدان الهوية فمن المعروف ان العراق حتى هذه اللحظة يعاني من احترازات تشكيل هوية الامة العراقية . ولكن الرواية تطرح الموضوع على أساس الشخصية التي تتماهى عمليا مع الانتقالات الحياتية لبطل الرواية مولو ..        إنه بلوشي غير عربي ،وبمكان مهمش عمداً (البصرة أو الفاو) ،كما أن اسمه (مولو) وليس مولود ،بعدها صار بلا أية هوية (بلا) ولم يستعدها في العراق مطلقاً حتى في القبر فقد دفن باسمه الانضباط (صارم).

  هذه الظروف لم تؤلف ثقافة ما للبطل انما دفعته واهله الى التضحية حد الضياع والموت ،للهوية الوطنية.                            هـ ـ مستوى الفقدان

 شمل فقدان الام ثم الاب ثم الجدة ثم الحبيبة رواء ثم المكانة الاجتماعية ثم الاسم ثم الوطن .

  رابعا : تقانات

 يمكنني تقسيمها الى منظومتين هما التقانات الكبرى والتقانات الصغرى .

  أ ـ التقانات الكبرى

    انها تقانات من تنميط أساسي يضبط ويرتب وينغم كلاً من الجمل والفقرات والدلالات ،أقصد بها الايقاعية .. لقد دأب الروائي على تأكيد فعل هذا الاتجاه في اشتغاله ،حتى لكأنني ألمس خمسة انماط منها  مقـــــصودة لذاتها ،هي :

1 ـ اللازمات : تخص التكرار المتنوع الدلالات .

  لعل اكثر الايقاعات شيوعاً في الرواية هي لازمة /

  (يطاردك عدو لك … يااااه ،كم يكرهك … لن يتركك ،سيلاحقك أينما حللت ،وسيـ ..”).

 2 ـ المتواليات تتشبه بالغنائية : مثالها :

  (لا شيء يساوي شيء لا شيء يحصل اصلاًومع ذلك  كل شيء يحصل . ـ الرواية ،ص98

  3ـ خلائطيات : تجمع اكثر من نوع ايقاعي مثالها :  [يجب ان اتقن هذا الفصل ،… ،سر انقاذي من فم الموت . التبصر عبادة يا “مولود”  ولكن كيف حصل ذلك حقا؟

   ـ ببساطة لأنه أصبح عندكَ …

  اخترقتني الجملة المبتورة كسهم … واصبت بالدوار .

ـ أصبح عندك  الآن نغمات . ـ الرواية ،ص104 .

  المقطع اعلاه جمع نغمية القول مع ايقاع التكرار للجملة الاعتراضية المفردة ،فضلا عن ايقاعية التنقيط .

 4 ـ ايقاعات تفكرية : انها ايقاعيات التصريح بالأفكار العميقة المتكررة لأغراض دلالية مختلفة عن استخدامها الاول . نورد مقطع يتكرر التفكر به كثيرا دون تطابق لفظي :

 ـ محظوظ من ولد وفي قلبه نغمات الهارب ،شجنها ،صوت الخيال المتحرر من ضنك الذات ،فيها نغمة تطرد الشر .

 يا لعذوبة لهاثها المأخوذ بالحنين … ستزيل نوبات قلقك وغربتك … انت بحاجة الى هرب روحي حر الى قلب الاشياء ،الى ” ريبو سلامو” .  ـ الرواية ،ص105

 5 ـ تنغيمات إيقاعية تخمينية : تتخصص بالافادات ،مثالها النهاية التي تكررت خمس عشرة مرة ،ونصها (“هذا هو موجز افادتي الليلة” .    ـ الرواية ،ص195  اذ أن المخمن من الافادة ليس موجزها المادي انما الاحداث التي حفّزت القول نحوها ،والاحداث والشؤون العرضية والغرضية التي ستنتج عنها.         ب ـ القانات الصغرى  تمس بفعلها كلاً من (النجوم الهوامش والنقاط والعناوين) .

  1 ـ النجوم مثلت تشكيلاً معلوماتياً مكملاً احتفى بحالتين  ،غرابة المعلومة واكماليتها للسرد. 2 ـ النقاط هي تشكيلات معوضة عن محذوفات استثمرت هذه التقطيعات بطريقة مبتكرة إذ هي مفضوحة المعنى لكن المعنى طريف ويوقع اثره الخاص بنفسية القارئ .. وهي تشيع بدرجة الهوس المنضبط بجسد فصول رواية جميعاً.

3 ـ العناوين : لقد بدأت هذه التقانة استثنائيتها من العنوان المولد على الغلاف ،ثم توالت عبر العنوانات الخاصة بـ / موجز اتفاقية هاولير ،الصندوق الاسود الاول …….. حتى نهاية العنوان (وصية مولو) و (فصل حواش) .

  وقد خُطت بخط غامق تأكيداً لخصوصيتها وخصوبة استثمارها في الروي .

       ان النظرة السطحية لها ستعنى بكونها مستدلات على موضوعات .. لكن المتتبع لها بدقة سيكتشف انها فعلاً مستدلات على موضوعات مزدوجة . الاصل فيها المتن الحكائي ،والفائض عنها نصوص متناصة مع ممارسات اجتماعية وتقنية اخرى فمثلا لـ (لصندوق الاسود) حكايات وحكايات تخص المثيولوجيا وغيرها .. كما أنه موطن اسرار الطائرات فيما لو حدث لها قدر كارثي ..

   هذا مـــــــــــــــثال لطرافة العناوين .

    للعناوين وظيفة الاستدلال ،والايجاز ،وتوسيع المعنى ،وتنويع لذات القراءة.

5 ـ تقنية الجمل المفردة .

6 ـ تقنية التطعيم بالمقولات الفلسفية .

 خامساً : انشطارات  تدرجت الانشطارات عبر السلوك النفسي والحركي للبطل من كونها تقانة الى ان تصير مضموناً خيطياً يجمع قوى الضياع في بوتقة واحدة تلك هي الهذيان الحضاري .

   تحولات مولو أقامت ذلك التشكيل عندما وضع لنفسه قوى استبصارية فخلق له كائنات موازية ،اولها القزم ،وثانيها الجد (بالاجاني) ,وثالثها الاشباح ،ورابعها القدرات الخارقة في أحياء الموتى والتخاطب معهم كما لو كانوا جالسين معه.

  ما يرد على الصفحات 86 ،97 ،101 ،104 ،105 ،138 . امثلة على ذلك!

  المصادر

  1. 1. عبد الكريم العبيدي , رواية كم أكره القرن العشرين , دار قناديل , بغداد , 2017

  2.د. شجاع العاني , البناء الفني في الرواية العربية في العراق ـ بناء المنظور , دار الشؤون الثقافية العامة , بغداد , 2012 ,35

  3.رواية كم أكره القرن العشرين : 15

  1. 4. رواية كم أكره القرن العشرين : 36 ,37
  2. 5. د. محمد الأسدي , انتاج المكان , الشؤون الثقافية العامة , بغداد , 2013ص.149