
صلاح عبدالرزاق يؤلف موسوعة
كتاب يستعيد تقاليد أسواق بغداد التراثية
بغداد – الزمان
في صباح يوم الجمعة الثالث من نيسان الجاري، وعلى قاعة العلامة حسين علي محفوظ ، قدم محافظ بغداد الأسبق صلاح عبد الرزاق عرضاً لكتابه (أسواق بغداد التراثية) ، وهو الجزء الثالث من موسوعته (السردية البغدادية التراثية) . وكان الجزءان الأولان قد صدرا في العام الماضي عن دار المحجة البيضاء في بيروت.
يضم الكتاب ثمانية فصول يتناول الفصل الأول الأسواق في الحضارات القديمة وعند العرب والمسلمين وفي القرآن الكريم ، ثم في العهد العباسي وما بقي منها في بغداد في الوقت الحاضر. كما يتناول الفصل الثاني أسواق بغداد بأقلام الرحالة الأجانب الذين زاروها وتجولوا فيها ووصفوها منذ القرن السادس عشر.
وتتناول الفصول الستة الأخرى تاريخ ووصف كل من سوق الصفافير ، سوق السراي ، سوق الشورجة ، سوق الاسترابادي ، سوق الهرج وسوق الغزل .
ويوجد ملحق صور لكل فصل ، بعضها تراثية أخذت من المخطوطات القديمة ، وأخرى خيالية ، وثالثة تاريخية حقيقية ، وأخرى معاصرة التقطتها المؤلف بعدسته ، لتكون وثيقة حية لهذه الأسواق التراثية.
جاء في المقدمة
منذ فجر الحضارات الأولى احتلت التجارة والأسواق مكانة مرموقة في المجتمعات البشرية . وكانت تمثل ذروة النشاط الاقتصادي ، فبنيت لها الأسواق والدكاكين لعرض البضائع ، وصارت هناك أسواق مختصة في منتج معين أو من مادة خام واحدة مثل أسواق اللحوم والخضروات والحبوب والمنتجات الحيوانية بأنواعها. كما كانت أسواق تعتمد على صناعة معينة كالجلود التي تُصنع منها الأحذية والدروع والأحزمة ؛ والنحاس الذي تُصنع منه الأواني النحاسية المنزلية التي تلبي احتياجات العائلة ، والزيوت التي تعتمد على استخلاصها من الشحوم وبذر النباتات ؛ والحديد الذي تصنع منع السيوف والخناجر والسكاكين والملاعق وغيرها ؛ والانسجة المتخذة من القطن والصوف والحرير والكتان ؛ وهكذا أسواق الفخاريات والزجاجيات والخشب والذهب والملابس والفرش والسجاد والعطور وغيرها.
التجارة عند عرب الجاهلية
عرف العرب التجارة من أقدم العصور ، وكان التجار العرب يقودون القوافل التجارية نحو البلدان المجاورة مثل سوريا وفلسطين ومصر والحبشة وفارس واليمن . كما ركبوا البحر للتجارة مع سواحل أفريقيا والهند والصين وغيرها من بلدان شرق آسيا.
التجارة في العهد الإسلامي
«لم يخفف الإسلام كثيراً من شغف العرب بالتجارة . فقد استمروا فيها على ما كانوا عليه في الجاهلية. واذا استثنينا فترة الفتوحات التي شغلتهم ، كانت أحداثهم التجارية في الإسلام امتداداً لأحداثهم في الجاهلية ، مع مراعاة الظروف التي تغيرت كل التغيّر . وشغل القرشيون والانصار بالجهاد ، فكان منهم ولاة وقوّاد وقضاة. وخير ما يدلنا على بقاء ولع القوم بالتجارة هي سورة الجمعة:
كان المسلمون يجهزون القوافل إلى الشام -كما في الجاهلية- فتذهب بأموالهم ومتاعهم فتباع هناك ، ثم تعود إلى الحجاز فتأتي المدينة المنورة. وكانوا يستقبلونها بالطبل والتصفيق فرحاً بها. وذكر المفسرون أن دحية بن خليفة الكلبي رجع مرة بتجارة زيت وطعام من الشام ، والنبي (ص) يخطب يوم الجمعة على منبر المسجد النبوي ، فاستقبلها الناس كعادتهم بالفرح والطبول والتصفيق . وخشي المصلون أن يسبقوا إلى العير ، فيفوتهم الربح . فتركوا الرسول (ص) يخطب ، وبادروا إلى القافلة في البقيع . ولم يبق مع الرسول (ص) إلا اثنا عشر رجلاً ، فأنزل الله تعالى في ذلك:
قال تعالى ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ
وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (الجمعة: 11)
وتناول القرآن الكريم لفظة الأسواق بصيغة الجمع حيث ورد:
– وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا الفرقان.
وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا 20 الفرقان.
وكان الناس يعتقدون ان الرسل ليسوا كالبشر بل أقرب للملائكة، وأنهم لا يحتاجون لدخول الأسواق وتلبية حاجاتهم الشخصية ولا يعملون بالتجارة. فأراد القرآن رد هذه الفكرة الخاطئة ، ليؤكد أن الأنبياء هم بشر مثلكم ، ويتصرفون حسب الفطرة والطبيعة البشرية .
وأورد القرآن آيات تنظم عمليات البيع والشراء والالتزام بالمقاييس . فقد كانت المنتوجات الزراعية مثلاً تباع بالكيل مثل الحبوب كالحنطة والشعير والعدس وغيره. حيث توجد أنواع وأحجام من المكاييل تستخدم لهذا الغرض . لذلك وردت لفظة الكيل في سورة يوسف مثل:
-ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين (يوسف: 59)
فالكيل كان متعارفاً في أسواق مصر وغيرها من البلدان. فقد ورد في شأن أهل مدين على لسان النبي شعيب :
فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم (الأعراف: 85 )
كما خاطب القرآن المجتمع النبوي في المدينة المنورة بقوله تعالى:
وأوفوا الكيل والميزان بالقسط (الانعام : 152)
وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم (الاسراء: 35)
أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين (الشعراء: 181)
كما حذر القرآن الباعة الغشاشين وسماهم بالمطففين ، فيقول تعالى :
وَي للِّل مُطَفِّفِينَ . الَّذِينَ إِذَا أك تَالُواْ عَلَى ألنَّاسِ يَس تَو فُونَ . وَإِذَا كَالُوهُم أَو وَّزَنُوهُم يُخ سِرُونَ . (المطففين 1-3) . فهم اذا باعوا الناس يُخسرون الكيل والميزان ، ولكن لو أشتروا منهم فهم يستوفون حقهم بأدق الأشياء.
الأسواق في بغداد العباسية
بدأ إنشاء الأسواق مع بدء تأسيس المدينة المدورة عام 145 هـ من قبل الخليفة أبو جعفر المنصور. إذ ظهر اهتمام المنصور بأسواق مدينته باعتبارها الجانب الاقتصادي لأية مدينة حيوية فكيف بالعاصمة الجديدة. يقول صاحب (كتاب أسواق بغداد) أنه (وقع كل أصحاب ربع ما يصير لكل رجل من الذرع ولمن معه من أصحابه ، وما قدره للحوانيت والأسواق في كل ربض ، وأمرهم أن يوسعوا في الحوانيت في كل ربض سوق جامعة تجمع التجارات).
ادوات الخيل
كانت في بغداد الأسواق التخصصية كانت موجودة منذ ذلك الوقت ، فكل سوق يختص بنوع من التجارة كالعطارين وباعة التوابل ، وأنواع الصناعات كالحدادين والنجارين والسيوف والخناجر. إضافة إلى سوق السراجين وصناعة الجلود والسروج والأحذية وأدوات الخيل. وسوق الأقمشة والحرير والملابس والسجاد والفرش وغيرها. وسوق البقالين وباعة الخضر والفواكه والتمور والخل ، وسوق القصابين واللحوم والدجاج وغيرها.
وسوق للخزافين حيث تباع الأواني الطينية المفخورة. وبالتأكيد كان هناك سوق الصفارين حيث تصنع الأواني والأقداح والقدور النحاسية والصحون ومناقل النار ومصابيح الإنارة وأدوات المطبخ كالملاعق والسكاكين والمغارف وغيرها. وكان هناك سوق للصاغة حيث تصنع المجوهرات والأحجار الكريمة والحلي الذهبية والفضية التي يقتنيها تجار وأمراء بغداد والعائلات الثرية وخاصة نساء البلاط العباسي.
ولهذه الطاقات نوافذ وضعت بحيث تسمح بدخول أشعة الشمس وفي نفس الوقت تمنع تساقط المطر. فهي على الأرجح تشبه النوافذ الجانبية المستخدمة في خان مرجان أو المدرسة المستنصرية. وكانت الأسواق تراقب من قبل السلطة فقد وجود غرف بين الطاقات يتواجد فيها حراس الخليفة ، حيث يرابطون فيها لمراقبة التجار والباعة وحركة المشترين. وكان هؤلاء الحرس يتدخلون عند الضرورة لفض نزاع أو شجار ، وكذلك متابعة المخالفات التي تحدث خارج ضوابط العمل في السوق.
أسواق الكرخ ومواقعها
كانت أسواق الكرخ تؤسس حول مجاري الأنهار المنسابة في هذا الجانب من بغداد. وقد أسبغت الأسواق على أسماء الأنهار وحسب نوع البضاعة ، فدعيت الأنهار بأسماء البضاعة المباعة عندها مثل نهر البزّازين (جمع بزاز وهو بائع الأقمشة) ونهر الدجاج وغيرها. وكانت الأنهار تحمل السفن والقوارب التي تنقل البضائع وتفرغ حولتها على ضفة النهر قرب السوق المقصود.
أسواق الرصافة
احتلت الأسواق موقعاً حيوياً في بغداد. فإضافة إلى دورها الاقتصادي والمالي والاجتماعي صارت تجذب السلطة السياسية وميداناً للاستعراضات العسكرية.
واشهرها سوق الثلاثاء ، كانت هذه السوق تقوم يوم الثلاثاء لأهل كلواذى (الكرادة حالياً) قبل ان يعمر الخليفة المنصور مدينته، وبعد إنشاء بغداد، واعمار الجانب الشرقي منها وازدهارها، أصبحت سوق الثلاثاء مركزا تجاريا نشيطاً امتد إلى مسافة كبيرة تبدأ من الطرف الشرقي للجسر الأسفل ممتدة مع الشارع الأعظم الصاعد إلى باب الطاق.
ان موقع سوق الثلاثاء كما ذكر الرحالة ابن بطوطة عند وصفه الجهة الشرقية من بغداد بقوله:«وأعظم أسواقها سوق يعرف بسوق الثلاثاء، كل صناعة فيه على حدة. وفي وسط هذا السوق تقع المدرسة النظامية العجيبة، التي صارت الأمثال تضرب بحسنها. وفي آخره المدرسة المستنصرية» ، وبما ان المدرسة المستنصرية تقع في آخر سوق الثلاثاء، فمن ذلك نستدل على ان سوق الثلاثاء كانت تحت المدرسة مباشرة.
أسباب توسع الأسواق البغدادية
كانت بغداد عاصمة الخلافة العباسية طوال خمس قرون ، وازداد عدد سكانها حتى وصل إلى المليون نسمة في بعض عهودها. وكان لازدهار الحياة الاقتصادية وتدفق إيرادات الدولة المترامية الأطراف قد رفع من القدرة المالية والمعيشية للبلاط العباسي والأمراء والوزراء وقواد الجيش. كما ازدهرت التجارات وعمليات الاستيراد والخزن والنقل وبيع الجملة والمفرد. كما انتعشت تجارات الجواري والعبيد والغلمان والخمور والعطور وآلات الموسيقى. وزاد الطلب على أثاث القصور من فرش وسجاد وستائر ومظلات وأرائك وأسرة ومناضد. كما زاد شراء أدوات الموائد من أواني نحاسية وزجاجية وأقداح وأكواب وكؤوس وصواني ، إضافة إلى أواني الطبخ كالقدور والصحون وغيرها. وازدادت مشتريات الذهب والمجوهرات التي تزين النساء والأميرات والجواري والمغنيات والغلمان.
كان الترف والعيشة الغالية تميز الطبقة الغنية في العهد العباسي. كل ذلك أدى إلى توسع مجالس اللهو والطرب والندماء والشعراء الذين جاءوا لبغداد لعرض مواهبهم والحصول على جوائزهم من الذهب والفضة واللؤلؤ والأحجار الكريمة.
أن النشاط السياسي والثقافي والتجاري والفكري والاقتصادي جعل بغداد تعيش أزهى عصورها حتى أنها جلبت انتباه كل من زارها. يقول الخطيب البغدادي (لم يكن لبغداد في الدنيا نظير ، في جلالة قدرها ، وفخامة أمرها ، وكثرة علمائها وأعلامها ، وتميز خواصها وعوامها ، وعظم أقطارها وأطرازها ، وكثرة دورها ومنازلها وشعوبها ومحلاتها وأسواقها).
ومن أسباب توسع أسواق بغداد هو كثرة طلب الطعام وإقامة المآدب في بيوت البغداديين الأثرياء والطبقة المتوسطة على السواء. وكانت هناك مواسم يكثر فيها طبخ الطعام وتوزيعه مثل إفطار رمضان ومجالس محرم والأعياد وغيرها. وكانت مآدب البلاط العباسي تقام يومياً لثلاث وجبات لإطعام سكان القصور وأعوانهم وجواريهم وحراسهم وخدمهم وساسة الخيل وأصحاب عربات النقل الخاصة بهم. كما كان هناك عشرات الآلاف من الجنود والشرطة في ثكناتهم والمرضى في المستشفيات (البيمارستان) ودور مأوى الأيتام والفقراء ، والتكايا وغيرها ، وكلها تقدم الطعام لمنتسبيها وروادها وزوارها.
لقد كان الطعام اليومي لسكان بغداد يتطلب توفير آلاف الأطنان من القمح والطحين والحبوب والبقوليات واللحوم والزيوت والألبان والأجبان والزيتون والمواد المخللة والمجففة والتين والجوز واللوز والبهارات وغيرها.
كل هذه الانفاق والصرف يتطلب وجود أسواق ومخازن عظيمة قادرة على تلبية متطلبات مدينة عظيمة مثل بغداد. فكان لابد من تعدد الأسواق وتخصصها وتوزعها على أنحاء العاصمة بجانبيها في الكرخ والرصافة.
حفلات الزواج والولائم الباذخة
في حفل زفاف هارون الرشيد على زبيدة أقام أعظم الولائم ، وأنفق عليها خمس وخمسين مليون درهم. وزفاف المأمون على بوران الذي أنفق عليه أربعين مليون درهم من بيت المال. وأقام والد العروس الحسن بن سهل ولائم عديدة بمناسبة هذا الزواج فأنفق ما يقارب خمسين مليون درهم.
وأقام الخليفة المتوكل وليمة باذخة لا مثيل لها لحفل ختان ولده المعتز. إذ بلغت نفقاتها ست وثمانين مليون درهم. وبُذل فيها من الطعام والمال حتى سُميّت بدعوة الإسلام الثانية ، في حين دعوة الحسين بن سهل في زواج ابنته بوران قد عُرفت بدعوة الإسلام الأولى.
وبلغت نفقات قطر الندى بنت خمارويه حاكم مصر عند زواجها من المعتضد بالله عشرين ألف ألف دينار، في حين كان صداقها مليون درهم. وكان حذاء أم الخليفة المقتدر طُليت بالمسك والعنبر.
حفلات الزواج والولائم الباذخة
في حفل زفاف هارون الرشيد على زبيدة أقام أعظم الولائم ، وأنفق عليها خمس وخمسين مليون درهم. وزفاف المأمون على بوران الذي أنفق عليه أربعين مليون درهم من بيت المال. وأقام والد العروس الحسن بن سهل ولائم عديدة بمناسبة هذا الزواج فأنفق ما يقارب خمسين مليون درهم.
وأقام الخليفة المتوكل وليمة باذخة لا مثيل لها لحفل ختان ولده المعتز. إذ بلغت نفقاتها ست وثمانين مليون درهم. وبُذل فيها من الطعام والمال حتى سُميّت بدعوة الإسلام الثانية ، في حين دعوة الحسين بن سهل في زواج ابنته بوران قد عُرفت بدعوة الإسلام الأولى.
وبلغت نفقات قطر الندى بنت خمارويه حاكم مصر عند زواجها من المعتضد بالله عشرين ألف ألف دينار، في حين كان صداقها مليون درهم. وكان حذاء أم الخليفة المقتدر طُليت بالمسك والعنبر.
أسواق بغداد بأقلام الرحالة الأجانب
جذبت أسواق بغداد اهتمام الرحالة الأجانب الذين زاروا بغداد في القرون المتأخرة. فقد وصفوا دكاكينها وخاناتها وتجارها واختصاصاتها بنوع معين من البضائع التي تباع فيها. في كتابه الشهير (أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث) يورد مؤلفه ستيفن هيمسلي لونكريك (1893-19٧9) Stephen Hemsley Longriggg قائمة أسماء (98) رحلة وتقرير ومقالة مسهبة عن العراق بين عامي ( 1553 – 1914) .
يقول الرحالة الإنكليزي جيمس سلك باكنغهام (1٧8٦-1855) James Silk Buckingham الذي زار العراق عام 181٦ واصفاً أسواق بغداد:
«تتألف من أزقة طويلة .. ذات عرض معتدل . وأحسن هذه الأسواق معقودة من الأعلى بالآجر، غير أن أكبر عدد منها مسقف بأخشاب منبسطة تمتد في الوسط منن جانب إلى آخر، وذلك لتدعيم السقف المصنوع من السعف والأغصان اليابسة من الأشجار والحشائش.. غير أن هذا الجزء الذي توقعت أن أجده من أحسن أجزاء بغداد ، ربما كان أكثر مغايرة من بقية الأجزاء الأخرى ، فلا توجد في المدينة سوق تضارع السوق الممتد إلى (خان الكمرك) في أورفه».
أما الرحالة الإنكليزي جيمس بيلي فريزر (1٧83- 185٦) James Baillie Freaser الذي زار بغداد عام 1834 فقد سجل ملاحظاته عن أسواقها فقال:
« على أنني يجب أن أعرف بأنني قد خاب أملي بأسواق بغداد . وليس السبب افتقارها إلى السمعة والامتداد ، لأنها على مقدار كاف منها ، ولا خلوّها من الناس ، أو عدم وجود حركة فيها ، لأنها مكتظة في أكثر الأحيان اكتظاظاً كافياً ، فتظهر بمظهر يزيد تنوعاً وبهاءً عما يلاحظ عادة في الأسواق الإيرانية؛ وانما هناك من ناحية البناء والعمارة فقر في التخطيط ، وبساطة في التنفيذ . ومظهر من مظاهر التهدم الذي يعزى جزئياً إلى الكوارث التي أصابت المدينة مؤخراً بطبيعة الحال ، لكن كثير منه يرجع السبب فيه إلى عيب أصيل وجد في طراز البناء منذ البداية … وقد يلاحظ في كثير من الأماكن ذلك الجو المتسم بالإهمال الذي يدل تمام الدلالة على الجنوح إلى الانحطاط والإهمال العام. على أن بعض الأسواق ، ومنها صف ثلاثي أو رباعي ممتد إلى مسافة غير يسيرة من تشييد داود باشا (1٧٦٧-1851) . وقد بني بناءً جيداً بالجص والآجر المفخور ، وظلل عن الشمس بسقوف ذات أطواق عالية مبنية بالمواد نفسها. لكن أسواقاً أخرى كانت خربة جداً ، وكانت سقوفها مصنوعة من مرادي الخشب الممدودة بصورة وقتية غير منتظمة والمغطاة بالسف أو القش والقصب. أما الدكاكين نفسها فهي دكاكين حقيرة رثة ، غير مرممة في كثير من الحالات ، وكثير منها فارغ غير منشغل . وقد كان يلاحظ في معظم الأماكن ذلك الجو المتسم بالإهمال والقذارة الطائشة ، الذي يدل تمام الدلالة على الجنوح إلى الانحطاط والإهمال العام».
ويمضي فريزر في وصف أسواق بغداد فيقول:
«هناك في مختلف أجزاء البلدة عدة فسح أو (فضوات) مكشوفة يباع فيها البعض من أنواع السلع ، وسميت بأسمائها ، مثل (سوق الغزل) و(سوق الموسلين) و (سوق الحنطة) وما أشبه. ومن بين هذه كلها كانت أكبرها وأزهاها السوق القريبة من الباب الشمالية الغربية ، أو باب الموصل . (ولعله يقصد باب المعظم ، الذي كان يسمى باب سوق السلطان أو الباب السلطاني الذي هدم عام 1925). غير أن أية سوق من هذه الأسواق لا يمكن أن تمت بصلة إلى أي رونق أو بهاء ، أو حتى إلى النظافة بالذات. والحقيقة أن السوق التي ذكرت لآخر مرة هي (سوق الميدان) المدينة الكبير، (التي كانت قائمة في ساحة الميدان الحالية). وتُعرض الخيل هنا للبيع ، وهو محاط بالمقاهي الممتلئة على الدوام بجمهور من جميع أنواع الناس الذين يجلسون فيها للتدخين وشرب القهوة وما أشبه».
سلع أجنبية في أسواق بغداد
يتناول الرحالة سوانسن كوبر طبيعة السلع المعروضة في دكاكين بغداد ، ويذكر مصدها والبلدان القادمة منها ، وبعض شرقي والآخر أوربي ، إنكليزي وفرنسي ، فيقول:
«ولأن بغداد على اتصال جيد مع العالم الخارجي ، يستطيع المرء أن يجد كميات كبيرة من السلع الأجنبية في أسواقها. فهناك السلع الهندية التي تأتي عبر الخليج من بومبي . ونشاهد أقمشة مانشستر شائعة التداول في الأسواق كما في حلب. كما تستورد أيضاً المرايا والمصابيح والأدوات المعدنية ، وكميات كبيرة من قطع السكر الذي أعتقد أن جميعها قد جاء من فرنسا . لا يوجد في بغداد محل أوربي واحد ، وهذا شيء غريب إلى حد ما ، لأنه يوجد في بوشهر ببلاد فارس على الخليج حانوت ممتاز من هذا النوع. إلا أنني وجدت حانوتاً في شارع فرعي يديره أحد أبناء الشام ، يعرض سلعاً أوربية فقط ، وفيها كمية من المشروبات الروحية والبيرة. هناك أيضاً قسم لا بأس به من حوانيت العطارين إلا أنها ليست كثيرة كما في القاهرة. وهي جميعها في وضع سيء. يعتبر التبغ احتكاراً حكومياً خالصاً إلا أن السعر المفروض أعلى من سعر الحكومة لأن التبغ الجيد يأتي عادة من سامسون ، (ميناء تركي على البحر الأسود ، وكان مركزاً لصناعة التبغ ، وسوقاً زراعياً) ، حيث يجب إضافة كلفة الشحن على السعر. تشاهد أيضاً بعض المنسوجات الشرقية الجميلة ، ولكن على المشتري أن يعرف أين يذهب ؟ وماذا يدفع؟ قبل أن يغامر بالشراء ، وهي معظمها فارسية (سجاد).»
تصريف العملة الأجنبية
«تعتبر العملة مصدر مشكلة أخرى للوافد الجديد ، الذي عليه أن يجري عدة تعاملات تجارية في الأسواق. في الوهلة الأولى ، هناك العديد من الفئات والكثير منها معدني ، بحيث يصعب الإلمام كلياً بالموضوع . بعد ذلك هناك معدلان للتصريف ، سعر السوق ، والسعر المقبول في دوائر الحكومة ، ولا أحد يعرف ما المطلوب. وفي الآخر ، يجد المسافر القادم من الشمال (؟؟) نفس الأسماء للعملات التي تم تحويلها. فثلاثة ونصف من عملة معدنية صغيرة بائسة تساوي في حلب (إذا جمعت صحيحاً) (قرشاً) واحداً أو (بنيرا)؟؟ ، وتسمى هنا (ميتالك) ، ويشرفونها باسم (قرش) نفسه. بينما ترفض جملة ،تفصيلاً فئات أخرى متداولة في الشمال (؟؟) ، وتتدهور قيمتها يومياً. ونتيجة لذلك لا أعتقد أن المسافر العادي سيبرم صفقة من أي نوع دون أن يكون ضحية للغش بشكل أو بآخر ، يجري معظم المقيمين الانكليز الذين جميعهم من الانكلو- هنود ، جميع تعاملاتهم بالروبية الهندية التي تعتبر مقبولة في كل مكان. يتداول الذهب الأوروبي ، وكذلك قدر كبير من النقود الفارسية».
الأسواق في شهر رمضان
يشير الرحالة الإنكليزي سوانسن كوبر إلى الوضع الاجتماعي والتجاري الهادئ في نهار رمضان فيقول:
«جاء مكوثي في بغداد في شهر رمضان ، حيث تكون حياة الشارع في الشرق ليست بحالتها الاعتيادية. كانت الأسواق خلال النهار هادئة . العديد من الحوانيت مغلقة أو بأية حال تغلق مبكراً في النهار. فهناك جو عام من الفتور يعم كل شيء، فأصحاب المحلات يغفون فوق دكاكينهم ، ولا تشاهد من طرف الشارع الطويل لطرفه الآخر أي غليون أو سيكارة يجري تدخينها. وعندما يقترب المساء ، وتغيب الشمس في الغرب ، يمكن مشاهدة مجاميع الناس في المقاهي وغلايينهم جاهزة بانتظار ضرب المدفع لغرض إشعالها أو كسر صيامهم بفنجان من القهوة والدردشة المعتادة. يمكن مشاهدة في الأسواق كميات كبيرة من اللحوم والخبز وباقي أصناف المأكولات التي يمكن أن تستهلك خلال الليل.
وبعد غروب الشمس مباشرة ، تبدأ الحياة تدب في المدينة . حيث تصدح الموسيقى في كل الاتجاهات ، وتشاهد مجاميع المشعوذين والسحرة تجوب الشوارع ليقوموا بأعمالهم أمام المقاهي المزدحمة . وفي وقت متأخر من المساء يمكن سماع مجاميع المنهمكين بالمرح .
حريق خان مرجان
في عام 1881 تعرض خان الأورتمة (خان مرجان) لحريق هائل ، امتد إلي السوق المجاور ، مما اضطر أصحاب الدكاكين إلي تركها حتى توقفت النيران. وقد ذكرت مدام ديولافوا التي كانت شاهد عيان على حريق خان مرجان فكتبت تقول:
«20 ديسمبر / كانون الأول 1881 ، حدث اليوم في بغداد هرج ومرج شديدان ، اذ التهمت النار البارحة السوق التجاري الكبير. وتعاون الجميع من تجار وكسبة ومختلف أفراد القوات الرسمية على إطفاء النيران الملتهبة. وقد قام الأهلون بطريقة مبتكرة تدل على ذكائهم دلالة واضحة في سبيل إخماد لهب الحريق وصيانة بضائعهم وأموالهم من أيدي رجال الاطفائية واللصوص وأفراد سلطات الأمن ، وهي أنهم ما مادوا يرون النيران تقترب من محالهم التجارية حتى اتقوا سقوفها وهدموها من الداخل. وبذلك حافظوا عليها من النيران ومن تجاوز الأفراد الآخرين، وهم بعد أن يخمدوا الحرائق يغلقون المنافذ ، وعلى هذا الأساس يظهر للسوق منظر كذيب موحش . ولكن خلال يومين أو ثلاثة أيام بعد ما تخمد النيران تماماً و ولا يخافون شيئاً يعودون إلى دكاكينهم بغير اضطراب ولا قلق ، ويبدأون برفع التراب عن بضائعهم ، وفي مدة قليلة تتم هذه العملية وترجع لتلك المحال سابق عهدها كما كانت تماماً!
كان الحريق قد ابتدأ من أقدم أقسام السوق أي على مقربة من البناء العظيم وأقصد (خان أورتمة) . ولو لم يقوموا بإطفاء النار لكانت هذه البناية التاريخية ، والتي تعد من أهم المراكز التجارية لبغداد الآن أثراً بعد عين!»
سجاد وأنسجة حريرية
تتحدث مدام ديولافوا ، التي زارت بغداد عام 1881 ، عن البضائع في الأسواق البغدادية ، فتذكر أنها شاهدت تجار سجاد إيرانيين وأتراك ، وتذكر:
«رأيت بجانب السجاد من المعروضات في المحال التجارية أقمشة حريرية من صنع دمشق ، وأخرى من الململ ، وقد زينت حواشيها بالحرير ، وملاءات (عباءات) مذهبة الأكتاف يرتديها الرجال ، وعباءات نسوية بألوان مختلف ، وحاجات نسوية أخرى كالأحذية المزينة بالأزهار وما شابه ذلك. كما أني وجدت بين تلك البضائع أدوات حربية من الأنواع التي تستعمل في البلاد الشرقية وهي بحالة جيدة. أي لم تكن من التحف الثمينة ، ولا تستطيع أن تجد أسلحة عتيقة أو أقمشة مذهبة تاريخية هنا في بغداد ، ولكنك تستطيع أن تجدها في مدينتي كاشان وأصفهان من أعمال ايران ، وفي إسطنبول .
سوق الصفافير
أخذ سوق الصفافير اسمه من الصّفِر أي معدن النحاس الذي تُصنع منه الأواني المنزلية المستخدمة في المنازل. وصفافير جمع صفّار وهم أصحاب المهنة . يقول العلامة مصطفى جواد: يجمع أهل بغداد صيغة (فعّال) كعطّار على (فعاعيل) خلافاً للقياس. فيقولون في جمع عطار (عطاطير) وفي جمع نجار (نجاجير) وفي جمع صفّار (صفافير).
يعد السوق من أسواق بغداد العباسية القديمة عندما كانت هذه المنطقة تسمى (محلة المخرّم) في العهد العباسي التي كان يسكنها كبار رجال الدولة من أمراء ووزراء وقادة ووجهاء وقضاة. ثم صارت محلة يسكنها سلاطين البويهية والسلجوقية. وكان يقع فيها (السوق العظمى التي تجتمع فيها أصناف التجارات والبياعات والصناعات على رأس الجسر ماراً من رأس الجسر مشرقاً ذات اليمين وذات الشمال من أصنافا التجارات والصناعات).
سوق السراي (الوراقين)
تقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه : في سوق الكتب عند بوابة البصرة ببغداد، التي كانت تضم أكثر من مائة متجر، كان المتعلمون من كل أنحاء العالم الإسلامي يجتمعون. هنا يفتش الفيلسوف والشاعر الفلكي عما صدر حديثاً من الكتب، وهناك ينقب الطبيب والمؤرخ وجامع الكتب عن النسخ القديمة، وهنا وهنالك يتناقشون جميعاً ويتبادلون المعرفة أو تقرأ عليهم برمتهم مقتطفات مما كتب.
ويذكر المؤرخون أنه في سوق الوراقين كان يوجد مائة دكان يعملون بنسخ الكتب. وكان السوق يقع بين المدرسة المستنصرية وبيت الحكمة. أي أنه كانت هناك مائة مطبعة في العهد العباسي تتولى طباعة وتكثير الكتب المكتوبة من قبل مؤلفيها أو مترجميها إذا كانت مترجمة من لغات أخرى.
بذلك ساهم سوق الوراقين في بغداد في نشر كتب العلوم والأدب والشعر والدين والطب والجغرافية والرحلات والفلك والهندسة. فكان لسوق الوراقين دوره وتأثيره في ازدهار الحضارة العربية الإسلامية.
سمي بسوق السراي نسبة إلى سراي الحكومة المقابل لمدخل السوق. وكلمة (سراي) لفظة تركية تعني القصر. وكان مقر الإدارة العثمانية ووالي بغداد في بناية القشلة ، وكان السراي مركز النشاط الحكومي والاداري والقانوني، وكان يراجعه مئات المواطنين والموظفين يومياً. وبذلك نسي اسم السوق الأصلي أي سوق الوراقين واشتهر باسم سوق السراي.
ويذكر ياقوت الحموي (ت 1229م) أنّ الخليفة هارون الرشيد أسّس أوّل مصنع للورق في بغداد عام ٧94- ٧95 م. لكنّ ابن خلدون (ت 140٦م) كان أكثر تحديدًا حين ذكر أنّ الفضل بن يحيى البَرْمكي، وزير هارون الرشيد، فهو الذي أمر بصناعة الورق واستخدامه في الدواوين، واتّخذه الناس من بعده صُحفًا لمكتوباتهم السلطانية والعلمية. ومن ثمّ توافرت كميات كافية من الورق للكتّاب في الدواوين، إذ سرعان ما أصبحت بغداد مركزًا لصناعة الورق.
ازدهرت صناعة الورق في بغداد، وأمّن السكان إمدادات كبيرة من الخِرق لمصانع الورق، وضخّت أنهارها وقنوات الري فيها مياهًا كافية لإدارة الدواليب في مصانع الورق. وعدّ بعض الناس الورق البغدادي أفضل أنواع الورق، حتّى إنّ المصادر البيزنطيّة أشارت إلى الورق أحيانًا باسم «البغدادي». ويشير القلقشندي (ت 1418م) إلى الجودة العالية التي تمتّع بها الورق البغدادي، ويعدّد تسعة أحجام لقَطْع الورق، كان أكبر قَطعين منها هما: القَطع البغدادي الكامل (110 * ٧3 سم)، والقَطع البغدادي المصغّر (98 * ٦5 سم).
نساء وراقات
وقد عملت المرأة إلى جانب الرجل في مهنة الوراقة ناسخةً أو مساعِدةً؛ ففي الأندلس يروي عبد الواحد المراكشي (ت ٦4٧ هـ) عن المؤرخ الأندلسي أحمد بن سعيد ابن أبي الفياض (ت 459 هـ) أنه «كان بالرَّبَض (الجانب الشرقي من قرطبة) مئة وسبعون امرأة كلهن يكتبن المصاحف بالخط الكوفي، هذا ما في ناحية من نواحيها فكيف بجميع جهاتها؟»، وكانت ورقاء بنت ينتاب الشاعرة الطليطلية (ت بعد 540 هـ) من الناسخات المُجيدات.
وفي العراق شرقا؛ ذكر أبو العلاء المعري (ت 449 هـ) -في «رسالة الغفران»- الجاريةَ «توفيق السوداء التي كانت تخدم بدار العلم ببغداد» أيام البويهيين، وكان من مهمتها مساعدة الوراقين بأن تُخرِج «الكتبَ للنُّسّاخ»، ولعلها كانت تورّق أيضا.
سوق السراجين
وقد شيده والي بغداد حسن باشا وهو غير الوالي الشهير صاحب محلة جديد حسن باشا وجامع (جديد حسن باشا). وقد بني بجوار جامع الوزير الذي كان اسمه جامع (عتيق حسن باشا). وكان يُسمى (سوق الجوبقچية) قبل أن يُطلق عليه سوق السراجين وسوق السراي المجاور له.
نشوء شارع المتنبي
يقع شارع المتنبي في محلة (جديد حسن باشا) المتداخلة مع محلات (باب الأغا) و(الميدان) و(الحيدرخانة)، والشارع يربط بين هذه المحلات كأنه شريان يهب الحيوية والنشاط. وبعد انتعاش شارع المتنبي وتحول عيادات بعض الأطباء إليه صار يجذب إليه أصحاب حوانيت الكتبية في سوق السراي. ولما انتقلت تلك المكتبات إلى المتنبي فتحت بمكانها دكاكين باعة القرطاسية ولوازم المكاتب والدوائر والمدارس. فكانت بذلك بداية تخصص سوق السراي بالقرطاسية ، وشارع المتنبي بالكتب والطباعة.
فصار أصحاب مكتبات سوق السراي يفتتحون مكتبات حديثة في المتنبي مثل المكتبة العصرية لصاحبها محمود حلمي (افتتحت عام 1914) ومكتبة نعمان الأعظمي (افتتحت عام 1908 واستمرت خمسين عاماً قبل أن يتنازل عنها للأديب صادق القاموسي عام 19٦4) ومكتبة عبد الكريم خضر حفيد الملا خضر الذي أنشأ (مكتبة الزوراء عام 18٧0) . وقد قُتل عبد الكريم خضر برصاصة طائشة في مدخل سوق السراي من جهة القشلة في انقلاب مايس 1941 الذي قاده رشيد عالي الكيلاني والعقداء الأربعة. وكانت مكتبة خضر (البغدادية حالياً) تقع في قيصرية الاكمكخانة أو المخبز العسكري الذي كان يزود جنود القشلة بالخبز في العهد العثماني. وتأسست المكتبة الأهلية عام 1922 من قبل السيد عبد الأمير الحيدري ، ثم مكتبة نجله السيد كاظم عبد الأمير الحيدري الذي أسس عام 1928 المكتبة الحيدرية.
سوق الشورجة
كان سوق الشورجة يمثل القلب التجاري والاقتصادي لبغداد منذ العصر العباسي في القرن التاسع الميلادي. إذ يتوسط السوق مركز بغداد حيث يمتد من جامع الخلفاء أقدم مسجد عباسي باق لحد الآن ، ومرقد السفير الخامس للإمام المهدي (ع) الحسين بن روح النوبختي من جهة شارع الخلفاء ، (الجمهورية سابقاً) إلى جامع مرجان في جهة شارع الرشيد.
هذا السوق الذي يتغلغل ويمتد كشريان نابض بالحياة بين أبنية تراثية وآثار قديمة يحتضن مئات الدكاكين والحوانيت تعرض مختلف السلع. وتنشعب منه (19) سوقاً متخصصاً مثل سوق الصابون ، سوق التوابل ، سوق الزجاجيات والصيني (الفرفوري) والالمنيوم (الفافون) وسوق الشموع وسوق القرطاسية. وفيه (13) خاناً أو مخزناً للبضائع مثل خان لاله الصغير وخان جني مراد وخان الأمين وخان الأغا الكبير. ويضم السوق عدد من المساجد مثل جامع مرجان وجامع النخلة ومسجد النوبختي. كما يضم عدداً من المقاهي مثل (مقهى المعلگة) لأنها تقع على سطح أحد الأبنية ، و(قهوة قدوري) التي كان يرتادها قراء المقام العراقي.
وكان أهم تلك الأسواق سوق اشتهر بتخصص باعته بتجارة المواد العطرية والتوابل والأفاوية. وقد عُرف هذا السوق بسوق الريحانيين ، وكان يقع في آخر سوق الثلاثاء .
لم يكن سوق الريحانيين للتجار وحدهم ، وانما شهد إنشاء بعض المؤسسات الثقافية المهمة على أرضه منه (دار الريحانيين) التي شيدها آخر خليفة عباسي هو المستعصم بالله لتكون داراً للعلم والعلماء. وأنشأ فيها مكتبة ضمت آلاف الكتب النفيسة والمهمة في ذلك العصر. وكان للدار أروقة تشابه الطراز الذي بنيت عليه أهم المعالم العباسية مثل القصر العباسي والمدرسة المستنصرية ودار المسناة الناصرية. ويُرجح أن يكون موقع دار الريحانيين قريباً من مدخل سوق الشورجة الحالي حيث كان يقع خان جني مراد. وقد تعرض هذا الخان إلى حريق في أوائل القرن الثاني عشر الميلادي. وقد أدى انهيار جناح من الخان إلى انكشاف رواق قديم يضم حجرات قد عُقدت على نمط بديع ، والظاهر أن هذا الرواق لم يكن إلا جانباً من دار الريحانيين. وقد احترق خان جني في عام 1938 وفي أواسط الأربعينيات.
تسميته بسوق الشورجة
يورد المؤرخ البغدادي رفعت مرهون الصفار عدة روايات في سبب تسمية السوق بالشورجة وهي:
أولاً: إن بعض الناس أنشأ في هده السوق حماماً ذا بئر مالحة ، فعٍرف الحمام باسم (شور جاه) وهي مأخوذة من اللغة الفارسية حيث (شور) تعني مالح ، و (جاه) تعني بئر ، فهي (شورجاه). وبمرور الزمن واشتهار الحمام خاصة وأنه في منطقة مزدحمة أصبح اسمه يطلق على جواره بل على جانب من سوق العطارين نفسه ، ثم تداخلت التسميات وانتشرت حتى غلب اسم الشورجة على سوق العطارين. وإلى ذلك التفسير ذهب الشيخ جلال الحنفي والدكتور عماد عبد السلام رؤوف والدكتور حميد مجيد هدو.
ثانياً: وهي رواية الدكتور مصطفى جواد الذي قال بأن: الشورجة تقع في منخفض عن الأرض ، وبطبيعة الحال تتجمع المياه في هذه الأماكن المنخفضة ، وتتصف المياه بالملوحة (شورة تعني ملح) و جاه تعني المكان. وبهذا يكون المعنى هو المكان المالح أو الماء العسر.
يوجد في الشورجة عشرون سوقا تخصصياً مثل البهارات والقدور والصيني والفرفوري والشموع وغيرها.
أشهر معالم الشورجة
أولاً: جامع مرجان
يقع جامع مرجان في بداية سوق الشورجة من جهة شارع الرشيد. بناه مرجتن بن عبدالله بن عبد الرحمن السلطاني الأوليجاتي (الجلائري) سنة ( ٧58 هـ / 135٦ م ). وكان في الأصل ملحقاً بمدرسة مرجان لكن تم هدمها عند شق شارع الرشيد ، فبقي المسجد لوحده.
ثانياً: مرقد السفير النوبختي
ويقع المرقد في نهاية سوق الشورجة من جهة شارع الجمهورية ، وقريباً منه تقع كنيسة اللاتين ، ومقابله عبر الشارع جامع الخلفاء العباسي.
الحسين بن روح النوبختي من بني نوبخت. وهي أسرة معروفة في العصر العباسي وبرز منها علماء وفقهاء وقضاة. وذكر ابن النديم ان الفضل بن نوبخت كان مسؤولاً عن بيت الحكمة في عهد هارون الرشيد. وقال ابن القفطي انه مذكور مشهور في كتب المتكلمين. وكان الحسن بن موسى النوبختي متكلماً وفيلسوفاً ومن كبار الشيعة وله مجالس يحضرها المتكلمون .
كان يلقّب بـ أبي القاسم. لم تذكر المصادر التاريخية تاريخ ولادته، حاله في ذلك حال سائر السفراء. إنما بدأ ذكره عندما صار وكيلاً للشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري ، السفير الثاني في بغداد. ولما توفي العمري عام ( 305 هـ / 918 م) صار هو السفير الرابع للإمام المهدي (ع). ودامت سفارته اثنتين وعشرين سنة ، حتى توفي عام ( 32٦ هـ / 938 م) في السجن بعد اعتقاله من قبل المقتدر.
ثالثاً: السوق العربي
كان التفكير بإنشاء السوق العربي منذ عام 19٧4 ، وتم تخصيص الأرض المجاورة لسوق الشورجة ، وكانت أرضاً تستخدم كموقف للسيارات. في عام 19٧9 تم تشييد السوق على الطراز الإسلامي ومن طابقين ليستوعب مئات الدكاكين. وسرعان ما استقطب السوق التجار والكسبة ليمتلئ بالبضائع والسلع عام 1981. وكان فيه أنواع المهن كالصياغ وباعة الأواني الصيني (الفرفوري) والأقمشة والملابس والأحذية والأجهزة الكهربائية. وبلغ السوق العربي ذروة ازدهاره عام 198٦ اثناء الحرب العراقية الإيرانية.
يمتاز السوق العربي في بموقعه المتميز وسط بغداد ، وفي مركز الحركة التجارية . إذ يمتد من شارع الرشيد إلى شارع الجمهورية بشكل موازي لسوق الشورجة ، ويفصلهما شارع يسمح للسيارات بدخوله
رابعاً: عمارة عبود
عمارة عبود الدائرية أو عمارة الذكير، من المباني الايقونية في بغداد، تقع عند مدخل الشورجة من جهة شارع الرشيد قرب جامع مرجان. وتتميز بتصميمها الحديث في عصرها وشكلها الدائري. وقد وُجّه التصميم بانتقادات لابتعاده عن الطراز البغدادي التقليدي الذي يتميز بأقواسه وواجهاته التي تستخدم الطابوق الأصفر ، وخاصة أنها تجاور جامع مرجان العريق وتقع في وسط منطقة تراثية عباسية.
بنيت العمارة على يد المهندس عبدالله احسان كامل أستاذ الهندسة بجامعة بغداد وبمشاركة الفنان والمعماري رفعت الجادرجي عام 1955 م ، لصالح لطيف عبود . وبعد وفاته انتقلت ملكيتها الى ابنته الوحيدة أدفيش عبود، ثم اشتراها هاشم أحمد البهبهاني في الستينيات. وبعد وصول حزب البعث إلى السلطة صودرت العمارة لأسباب سياسية وبيعت الى التاجر يوسف سعد ، ثم انتقلت ملكيتها الى عبد العزيز الذكير ، وهي ملك لورثته في الوقت الحاضر. وتفيد سجلات الدفاع المدني بأن العمارة تعرضت الى ستة حرائق منذ بناءها في السنوات 1985 و1989 و199٦ و 1998 ، وحريقين في سنة 2005 أحدهما في 4 نيسان 2005 والثاني في 14 نيسان 2005.
سميت عمارة عبود بهذا الاسم نسبة الى التاجر المسيحي لطيف عبود مالك شركة عبود طبارة للسجائر وهو المالك الأول للعمارة ، ثم عرفت لاحقاً بعمارة الذكير بعد أن تملكها التاجر البصري عبدالعزيز الذكير. في الستينيات قامت أدفيش عبود وهي الوريثة الوحيدة لوالدها ببيع العمارة إلى هاشم البهبهاني قبل مغادرتها العراق ، بعدها توفيت عن عمر ناهز 85 عاماً في لندن.
سوق الاسترابادي
يُعد سوق الاسترابادي من الأسواق التراثية في بغداد. فقد أنشئ قبل أكثر من قرن قرب العتبة الكاظمية المقدسة ليخدم زوارها عبر توفير خدمات فندقية وتجارية مستقلة عندما كانت الكاظمية مدينة منعزلة عن بغداد التي كانت تنتهي بحدود شمال الكرخ وجامع براثا. ففي العشرينيات تم إنشاء خط الكاري أو الترامواي وهي عربات تسير على سكة حديد تجرها الخيول تنقل المسافرين بين بغداد والكاظمية.
وكان سوق الاسترابادي قد لعب دوراً في الحركة التجارية وإقبال الزوار على التبضع منه للبركة والهدايا قبل عودتهم إلى مدنهم وبلدانهم. وكان الزوار يقضون أيام إقامتهم في السوق أو الفنادق القريبة من العتبة الكاظمية. وبسبب حيويته ومركزيته أنشئت حوله مرافق خدمية كالمطاعم ومرابط الخيول التي تطورت إلى كراجات ، ومحلات ومهن وصناعات تقدم منتجاتها وخدماتها للزوار. كما أنشئت بقربه مدارس دينية وتعليمية.
أسرة الاسترابادي وعمارة المشهد الكاظمي
لقب الاسترابادي يعود لعدة أسر قدمت من مدينة استراباد الإيرانية الواقعة في شمال شرق ايران. وكانت تسمى جرجان في المصادر التاريخية ، وهي مدينة معروفة بعلمائها الذين ينتسبون إليها ويلقبون بالجرجاني ، ثم تغير اسمها إلى استراباد فصاروا يلقبون بالاسترابادي.
في القرن التاسع عشر كان أشهر أجداد الأسرة وهو مرزا ناصر خان وابنه ميرزا مهدي خان أسترابادي يعيشان في ظل الدولة الصفوية (1501-1٧3٦ م) وقد قضى ابنه مرزا مهدي خان شبابه في المحكمة الملكية للأسرة الصفوية. وفي وقت لاحق أصبح الأمين العام الرسمي، مؤرخ المحكمة ، كاتب سيرة ومستشار نادر شاه أفشار (1٦88-1٧4٧م) .
ومن أهم الشخصيات المؤثرة من هذه العائلة الكريمة التي سكنت مدينة الكاظمية المقدسة هو الوجيه الحاج كاظم الاسترابادي ، الذي جاء إلى الكاظمية وفتح محلاً للتجارة في خان أبو قلام. وصارت أعماله تتوسع ، وعُرف بالصدق والأمانة ، وتزوج من ابنة أحد الأشراف فأنجبت له ولديه سماهما مهدي وعبد الهادي. فقد ولد مهدي الاسترابادي عام ( 1211 هـ / 1٧9٧ م) ، وتوفي عام 1280هـ / 1891م) ، وولد أخوه الأصغر عبد الهادي الاستربادي في الكاظمية عام ( 1214 هـ / 1٧99م).
وحين بلغ مهدي الخامسة عشر وعبد الهادي الثانية عشر توفي والدهما ، بقي الولدان يديران تجارة والدهما بنجاح وتحت إشراف والدتهما. التي كانت ذات عقل وتدبير. وكان الولدان مطيعان لها فوفقهما الله في العمل والتجارة. قامت الأم بتشييد دار كبيرة لهما غير الدار التي كانوا يسكنون فيها مع والدهما. وشيدت بجانبها داراً للضيافة (ديوان خانة) الموجودة الآن في الكاظمية.
وصار عبد الهادي من التجار الكبار في نهاية القرن الثالث عشر للهجرة ، وقضى اكثر عمره في خدمة آل البيت عليهم السلام وساهم في كثير من الاعمال الخيرية. وشارك هو وأخوه الاكبر ، في الاشراف على عمارة الصحن الكاظمي الشريف ، بإيعاز من فرهاد ميرزا الذي ارسل اليه الاموال ليصرفها على عمارة الصحن وبناء السور ، الا أنه لم يمس هذه الاموال ولم يسحب منها روبية واحدة ، ودعا الى حملها وارجاعها الى فرهاد مرزا .
وقام عبد الهادي الاسترابادي ببناء السور وعمارة الصحن على نفقته الخاصة واخلف من بعده ولده المرحوم الحاج محمود الاستربادي. توفي في عام ( 131٦ هـ /1898 م) وشُيّع تشيعاً مهيباً ، ودُفن في رواق حرم الامامين الكاظمين الشريف.
وصار عبد الهادي من التجار الكبار في نهاية القرن الثالث عشر للهجرة ، وقضى اكثر عمره في خدمة آل البيت عليهم السلام وساهم في كثير من الاعمال الخيرية. وشارك هو وأخوه الاكبر ، في الاشراف على عمارة الصحن الكاظمي الشريف ، بإيعاز من فرهاد ميرزا الذي ارسل اليه الاموال ليصرفها على عمارة الصحن وبناء السور ، الا أنه لم يمس هذه الاموال ولم يسحب منها روبية واحدة ، ودعا الى حملها وارجاعها الى فرهاد مرزا .
وقام عبد الهادي الاسترابادي ببناء السور وعمارة الصحن على نفقته الخاصة واخلف من بعده ولده المرحوم الحاج محمود الاستربادي. توفي في عام ( 131٦ هـ /1898 م) وشُيّع تشيعاً مهيباً ، ودُفن في رواق حرم الامامين الكاظمين الشريف.
خان فرمان ومحطة الكاري
كان سوق الإسترابادي يعد واحداً من أشهر معالم بغداد عامة، ومدينة الكاظمية خاصة، وكانت هناك حاجة لوجود مرآب لنقل المسافرين والزوار القادمين من خارج الكاظمية وإليها. في البداية كان الخان ساحة تُربط فيها خيل التجار القادمين إلى الكاظمية ، حيث كان الناس ينتقلون مع أمتعتهم بواسطة الدواب . وكانوا يعانون من صعوبة ومواجهة أخطار تعرضهم للسلب والنهب من قبل قطاع الطرق واللصوص.
بعد تأسيس شركة الترامواي في عهد الوالي مدحت باشا عام 18٧0 م ومدت خطاً بين الكاظمية وبغداد ، صار الخان كراجاً ومحطة لنزول وركوب المسافرين. والترامواي أو الكاري كما كانت تسمى هي عبارة عن عربة ذات طابقين فيها كراسي للركاب ، وتسير على سكة حديد وتجرها الخيول. وتم استيراد قضبان السكة من بريطانيا ، وقامت الشركة بتشغيل عمال ومهرة من النجارين والحدادين والفنيين لنصب السكة الحديد التي بلغ طوله سبعة كيلومترات. كما قاموا بصناعة العربات التي منحت الركاب الأمن والراحة والوقاية من الشمس والمطر والبرد والرياح.
كان رأس السكة في أول الأمر يصل إلى بداية الدور من الجعيفر فارتأت الشركة تمديد خط السكة في داخل الكرخ إلى مقربة من الجسر تسهيلاً للركاب، وفي أيلول من سنة 18٧1 م اتخذ قراراً باستملاك الدور الواقعة على الطريق إلى حد مستشفى الغرباء (خستخانة غرباء) الواقعة في جانب الكرخ، والتي أقيمت على أنقاضها اليوم البناية الجديدة التي أشغلت من قبل العيادة الشعبية للاختصاصين في الكرخ وتحويل المركز إلى هناك، وفعلاً بوشر بالاستملاك وتنفيذ العملية وتحول مركز الترامواي إلى البناية التي أعدت لهذا الغرض والتي كانت تقوم على الأرض التي هي اليوم مدخل الشارع المرصف الذي ينفذ إلى جسر الشهداء والمطل على الساحة الكبيرة أمام إعدادية الكرخ للبنات، فاحتاجت الشركة لإنجاز هذا التوسع الجديد إلى خمسمائة متر من شطوب الحديد وغيرها من المعدات والآلات مع ثمانية عربات للطريق أستوردتها من أوروبا.
تقرر تصفية أعمالها في زمن الحرب سنة 1941 عندما استولت الحكومة على وسائط النقل البرية والبحرية، فانتقلت إدارة الترامواي إليها وانتهى هذا المشروع كشركة مساهمة. وظلت تدار من قبل الحكومة حتى ألغيت نهائياً بتاريخ 15 كانون الأول 194٦ ، واستعيض عنها بالباصات التي كانت تديرها أمانة العاصمة لتسهيل نقل الركاب في شوارع العاصمة وضواحيها، ومن ثم استحداث مصلحة نقل الركاب في العاصمة لتدبر أضخم جهاز نقل للركاب في العالم بأحدث الباصات والتي تحولت أخيراً إلى المنشأة العامة لنقل الركاب.
سوق الهرج .. ذاكرة بغداد وتراثها وفنها ونوادرها
في كل عواصم الدول توجد أسواق تختص ببيع وشراء الانتيكات القديمة والتحف الفنية والمواد المستعملة.
يُعد سوق الهرج من أسواق بغداد العتيقة حيث يُفتح أيام الجمع. ويرجع تاريخ إنشائه إلى العهد العثماني عندما قام الوالي خليل باشا بشق شارع الرشيد ، فأطلق عليه اسمه بالتركي (خليل باشا جاده سي). وقد افتتح في 23 تموز 191٦ وهو يوم إعلان الدستور، ويمتد من الباب الشرقي إلى باب المعظم، وكان الغرض منه تسهيل سير العربات العسكرية. ثم تطورت الأمور ليصبح الشريان الرئيسي لمدينة بغداد، وهو أشهر شارع عراقي، لما ضمه من شواهد سياسية وعمرانية وثقافية وفنية.
في شمال شارع الرشيد تم إنشاء سوق باسم سوق الميدان القريب من باب المعظم. وقد أطلق عليه العامة سوق الهرج وتعني الفوضى وعدم الانتظام. وفي اللغة ترد عبارة (الهَرَج والمَرَج) بمعنى عدم النظام وهو أمر مرفوض عقلاً وشرعاً. وقد سُمي السوق بذلك لأنه متنوع في معروضاته وكثير منها تُعرض على الأرصفة. وتوجد في بعض الدول أسواق مشابهة كالكويت حيث يُطلق عليه سوق حراج.
هناك تنوع كبير في أنواع البضائع المعروضة وأغلبها مستعملة وقديمة. فتجد اللوحات الزيتية إلى جانب الأنتيكات النفيسة كالمزهريات والثريات والقناديل ، إلى جانب الأثاث القديم كالمناضد المرمر والكراسي المحفورة من الخشب وغيرها.
وتجد فيه الملابس المستعملة التي عادة ما تكون مقصداً للطبقات الفقيرة وخاصة فترة الحصار الاقتصادي. إضافة إلى المواد المنزلية المستهلكة والكهربائية المستعملة وعدد النجارة والحدادة والسباكة وتصليح السيارات وغيرها. وتتفرع منه عدة أزقة تختص ببضاعة أو أكثر كالملابس والانتيكات والمقتنيات المنزلية والخواتم والمسبحات وغيرها. وهناك قيصريات من عدة طوابق تضم محلات تبيع النقود القديمة والطوابع والخواتم والمسبحات (جمع مسبحة) ومقتنيات نفيسة أخرى.
سوق الغزل التراثي
اعتنى البغداديون بالملابس والأنسجة عناية كبيرة ، فالملابس تختلف من طبقة إلى أخرى ، ومن استعمال إلى آخر ، ومن مادة إلى أخرى.
كان النساجون في العراق يستخدمون أنواعاً مختلفة من الخيوط كالقطن والحرير والصوف والكتان. وكانوا يتفننون في صناعتها وألوانها ورقتها . فهناك ثياب القطن الغلاظ ، وهناك الرقيق من القطن والكتان ، وهناك ثياب القَزّ والأبريسم (لفظة معربة من كلمة أبريشم الفارسية ومعناها حرير). وهناك ثياب مختلطة من حرير وقطن وغيره. وكانوا ينسجون الثياب المخططة والمطرزة والموشّاة.
لقد طارت شهرة الثوب المعروف بـ (البغدادي) في الآفاق شرقاً وغرباً ، كان يُصنع في بغداد . ونقله الفرنسيون أيام العصور الوسطى إلى لفظة (بلداكين) ، وذلك لأنهم كانوا يصحّفون اسم بغداد إلى (بلداك) أو (بوداك) ، ثم نسبوا إليها بقولهم (بلداكين).
واشتهرت بغداد بـ (دار القز) وهو دار كبيرة لصناعة القز ، وسميت المحلة التي تقع فيها بمحلة القز. وكانت تقع في شارع النهر الحالي. واشتهرت محلة (العتابية) ببغداد بثيابها المنسوبة إليها وهي من حرير وقطن متلفة الألوان. وكان الثوب العتابي معروفاً بخطوطه الممتدة من طرف إلى آخر. وقد انتقلت هذه الصناعة إلى جملة مدن من ديار الغرب ، وحاكى أهلها صناعة هذا الثوب.
سمي بهذا الاسم لتخصصه في بيع الانسجة الصوفية والقطنية والكتان وبقية الأقمشة في كل عصر ، والملابس والعمائم والصوف المغزول وغيرها . وقد تأسس بجانب جامع الخليفة أو جامع الخلفاء الذي كان ملحقاً بقصر الخليفة. ، عندما كان بسوق «الغزول» لبيع الأقمشة المغزولة من الصوف والقطن.
وعلى مر العصور، ظل السوق ينبض بالحياة، حيث كان ملتقى للتجار والزبائن لتبادل السلع والبضائع.
وسميت بمنارة سوق الغزل لأن الجامع قد قطعت أرضه وأنشئ في أحد جوانبه الشرقية سوق للغزل .
وقد حافظ السوق على موقعه واسمه لكن تغيرت وظيفته ، فقد انتقل سوق الأقمشة إلى أماكن أخرى مثل سوق البزازين . وما تزال منارته قائمة منذ العهد العباسي ، وهي أقدم منارة عباسية في بغداد.
بدأ سوقًا للغزل والصوف، ثم تحول تدريجيًا إلى سوق للحيوانات والطيور، ليصبح اليوم مقصدًا لمحبي التراث والتاريخ، الذين يجدون فيه عبق الماضي وروح الأصالة.
في العصر العباسي ، اشتهرت بغداد بحدائق الحيوانات الخاصة. وخطت لها الساحات وأعدت فيها أبراج الحمام وأقفاص الطيور وحظائر الحيوانات وأقفاص الضواري والحيات والزواحف، وكان المقتدر مولعا بتربية الحيوانات الأليفة والضارية وأقام لها (حيرا) في دار الخلافة ببغداد، ويذكر المؤرخون أن كل صنف من صنوف الحيوانات كل له مكان مخصوص بها، فكان فيها أربعة أفيال، ومائة سبع، وزرافات وفهود قيدت جميعا بالسلاسل والقيود الحديدية. ومن حدائق حيوانات بغداد المشهورة حديقة الوزير ابن مقلة التي بناها على نهر دجلة، وكانت بنيت على شكل بستان عظيم مربع، وفي سور البستان بنيت أعشاش للطيور تأوي إليها وتفرخ وكان بها القماري والشحارير والبلابل، وخلف السور وضعت الطيور التي لا تطير كالطواويس والطيور الملونة، وفي وسط الحديقة كان الغزلان والإبل والنعام وبقر الوحش وغير ذلك من الحيوانات.
اهتم الملوك والخلفاء بالحيوانات، ولا سيما القوية منها كالأسود والفيلة والنمور.
وأول من اهتم بذلك كان بنو العباس، إذ كثرت عناية الخليفة المنصور بجمع الفيلة، لإضفاء التعظيم والهيبة على مكانته. وعلى نفس النهج، كان الرشيد يجمع الأسود والنمور وغيرها داخل أقفاص.
وغالى الكثير من بني العباس في اقتناء الطيور والقردة والكلاب ونحوها، فقد عرف المهدي بلهوه مع الطيور وتطييرها. وكان لأم جعفر، زبيدة زوجة الرشيد، قرد مدلل يقوم على خدمته ثلاثين رجلاً، فكانوا يلبسونه لباس الناس ويقلدونه السيف.
سار الخلفاء العباسيون، فكانوا يصطادون السباع والخنازير، فضلا عن الغزلان والطيور وحمر الوحش ونحوها. ويروى أن «علي بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي» (ت1٧8هـ/ ٧94م) خرج معه يوماً، فعرض لهما ظبي، فرماه كل منهما بسهم، فأصابه المهدي، وأما علي بن سليمان فأصاب كلبا، فأنشد الشاعر أبو دلامة شعرا وصف فيه الموقف فقال:
قد رمى المهدي ظبيا *** شكَّ بالسهم فؤاده
وعليُّ بن سليمان *** رمى كلبا فصاده
فهنيئا لهما كل *** امرئ يأكل زاده
وشُغِف بالصيد كل من جاء بعد المهدي من الخلفاء، ولا سيما الرشيد وأبناؤه، فقد عرف ابنه صالح بصيد الخنازير، في حين اشتهر ابنه الأمين بصيد السباع، وسميت الجماعة التي كانت تقوم بصيدها باللبابيد. أما المعتصم، فكان من المتحمسين للصيد، فابتكر الحيل، ووضع الشراك للإيقاع بالفريسة.
أما العباسيون، فكان السباق عندهم من أهم وسائل الترويح عن النفس واللعب، لا سيما في عهد الخليفة هارون الرشيد. ونظمت آنذاك سباقات الخيل وسباقات الحمام الزاجل. فتعددت واتسعت ميادين السباق، وكان أهمها «الرقة»، وهي مدينة مشهورة على الفرات، و»الشماسية»، وهي مدينة تقع أعلى بغداد في العراق.
يروي الرحالة الهولندي ليونهارت راووف (1535- 159٦ م) Leonhard Rauwolf الذي زار بغداد عام 15٧3 م أن تجار بغداد «كانوا يصدرون الخيول الجميلة ، فيرسلون عدداً وفيراً منها إلى الهند عن طريق فارس (ايران) ، ولكن معظمها يُرسل بطريق (مضيق) هرمز . إذ يتلقى ملك البرتغال كل سنة مبلغاً طيباً من المال بصفة رسوم تبلغ أربعين دوقة (وهي عملة إيطالية قديمة ، الواحدة تساوي ستة شلنات إنكليزية) ، لكل رأس من الخيل. وبعض هذه الخيول بسبب جمالها وأصالته ، تُصدّر إلى سوريا والأناضول ، وإلى بلادنا في أوروبا . إذ تُباع وتهدى إلى الأمراء وغيرهم من الشخصيات البارزة».
وكان من الألعاب المعروفة لدى الخلفاء ألعاب الرمي، وكان أبرزها لعبة الصولجان وهو لغة: فارسي معرب، من الفعل الثلاثي صلج، والصولج والصولجان: العود المعوج، أما اصطلاحا: فهي عصا معقوف طرفها، يضرب بها الفارس الكرة ويكون الفرسان على ظهور الخيل.
قلعة الطيور
في كتابه (سياحتنامه) وصف الرحالة التركي أوليا محمد ظلي ابن درويش ، الذي زار بغداد في 1٦45 و 1٦52 م ، فيقدم وصفاً لقلعة طيور مشيدة في راس الجسر العائم وسط بغداد فيقول:
وهي مشيدة على هيئة معمارية مربعة الشكل والطابوق الشدادي. بابها المطلة على رأس الجسر موجهة نحو المشرق ، ولها خندق . يديرها رقيب مع توابعه ، ويسيطر على قدر كاف من العتاد ، وتتبعها مشتملات تقع خارجها. وهناك تكية لأصحاب الطريقة البكتاشية ، وتكية أخري تسمى (الخضر) على ضفة الشط.
اشتهرت هذه القلعة باسم (الطيور) على معتقد وجود راهب في غابر الأيام سكن الأرض التي شيدت عليها القلعة ، حيث وجد فيها ديراً قديماً . كان الراهب راجح العقل ، وقد أقام برجاً عالياً للحمام فوق ذلك الدير ، وربى فيه ألوفاً من الحمام الزاجل. ولما كان يبتغي إيصال نبأ إلى أحد البطارقة أو القساوسة أو الرهبان ، في أي من أرجاء المعمورة السبعة عن أحوال العراق والمدائن ، فإنه كان يدونه في قرطاس (رسالة) يعلقها في عنق أحد الطيور ، ويوجهها إلى حيث ينبغي أن تصل رسالته. فينطلق الطائر صوب تلك الوجهة ، حتى يحط في منزل صديقه المقصود ، ليتسلم منه الإجابة اللازمة . ويعود أدراجه ثانية إلى برجه الأصل ، والورقة معلقة في عنقه ، إذ يفتحها الراهب لقراءة محتواها. وكان هذا ديدن الراهب . وبفعل الذكرى ظلت هذه القلعة تسمى بـ (قلعة الطيور).
















