
كتاب عشيرة بني عارض
الحقائق التاريخية والمواقف الوطنية
أكرم عبدالرزاق المشهداني
الحمد لله الذي جعل للقبائل جذورًا تحفظ تاريخها، وللرجال مواقف تصون كرامتها، وللأوطان ذاكرة لا تمحوها السنون. فقد أهداني الأخ العزيز الشيخ الفريق د مارد عبدالحسن الحسون نسخة من كتابه القيم (عشيرة بني عارض: الحقائق التاريخية والمواقف الوطنية). ويأتي هذا الكتاب المهم ليملأ فراغاً طال انتظاره في المكتبة العراقية والعربية، فهو ليس مجرد دراسة نَسَبيّة أو سَرد لأحداث متفرقة، بل هو عمل موسوعي يجمع بين التحقيق العلمي والرواية الميدانية والوثيقة التاريخية.
سجل وطني
وكتاب الاخ ابو فراس لم يأتِ من فراغ، فهو ابن العشائر وكان أنجح مدير عام للعشائر العراقية في وزارة الداخلية لسنوات طوال تسبقها خمسة عقود من العمل الامني، لذلك لم يكن كتابه المُهدَى لي منه، ليس مجرد سردٍ تاريخي، بل هو وثيقة هوية وسجل وطني وعمل بحثي رصين يليق بأن يُعرَّف به ويُقرَض وينشر، لما يحمله من قيمة علمية واجتماعية ووطنية وعليه فإني أحاولأن أضع بين يدي القارئ الكريم تقريضًا مكتوبًا بأسلوب علمي نقدي ورصين يليق بمقام المؤلف والموضوع..يمتاز الكتاب بعدة خصائص تجعل منه مرجعًا لا غنى عنه:
منهجية علمية رصينة: اعتمد المؤلف على مصادر موثقة، وشهادات ميدانية، ووثائق نادرة، مع قدرة واضحة على الربط بين الجغرافيا والتاريخ والأنثروبولوجيا، مما جعل الكتاب يتجاوز حدود التدوين التقليدي للأنساب.
قراءة عميقة في تكوين العشيرة العراقية: يقدّم المؤلف تحليلاً ناضجًا لعوامل التكوين العشائري: التاريخ – المكان – الاجتماع – الاقتصاد، ويضعها في إطار علمي يندر وجوده في كتب الأنساب.
إبراز الدور الوطني لبني عارض والفرات الأوسط: يُعيد الكتاب الاعتبار لمواقف مشرّفة في ثورة العشرين ومعارك العارضيات، ويكشف عن صفحات مضيئة من تاريخ العراق الحديث، كان لبني عارض فيها حضورٌ مؤثرٌ وشجاع.
توثيق أعلام العشيرة: يقدّم المؤلف سِيرًا دقيقة لرجالات كان لهم أثر في السياسة والمجتمع، مثل الشيخ سوادي الحسون والشيخ عبد الحسن الحسون وغيرهما، معتمدًا على شهادات ووثائق وصور نادرة.
لغة رصينة وروح وفاء: كتب المؤلف بروح الباحث الأمين، والابن الوفي لقبيلته ووطنه، فجاء الكتاب مزيجًا من التحقيق العلمي والوفاء الأخلاقي والوعي الوطني.
الكتاب ليس مجرد تأريخ لعشيرة، بل هو تأريخ لمرحلة عراقية كاملة، ومرآة لروح الفرات الأوسط، ودرس في الوطنية والشهامة والهوية وهو إضافة نوعية للمكتبة العربية، ومرجع موثوق للباحثين في التاريخ الاجتماعي والأنساب.
لقد ظلّ المؤلف، الباحث الشيخ مارد عبد الحسن الحسون، مترددًا طويلًا في خوض هذا المشروع، إدراكًا منه لحساسية الكتابة عن العشيرة التي ينتمي إليها، وخشيةً من أن يُغلّب الانتماء العاطفي على مقتضيات البحث العلمي. غير أنّ إلحاح أبناء العشيرة، وتراجع الذاكرة الجمعية مع مرور الزمن، وتشتت الكثير من الحقائق بين الروايات الشفوية، جعلت من هذا العمل ضرورة علمية ووطنية.
وقد قدّم المؤلف وصفًا جغرافيًا واجتماعيًا لانتشار بني عارض بين محافظتي القادسية والمثنى، وفي منطقة العارضيات.
وقد أختتم الكاتب هذا العمل بتقديم توصيات للجهات العلمية والاكاديمية هي:
تعزيز الدراسات الميدانية حول العشائر العراقية حيث يوصي الكاتب ضرورة توسيع نطاق البحوث الأنثروبولوجية والاجتماعية التي تعتمد على العمل الميداني، نظرًا لغياب التوثيق العلمي الدقيق في كثير من الدراسات السابقة.
ذاكرة عشائرية
إنشاء مراكز بحثية متخصصة في التاريخ الاجتماعي للعشائر يُعد توثيق الذاكرة العشائرية جزءًا من حفظ الهوية الوطنية، مما يستدعي تأسيس مراكز أو وحدات بحثية تُعنى بجمع الوثائق والروايات الشفوية وتحقيقها.
إعادة كتابة تاريخ العشائر بمنهجية علمية بحسث يلتزم الكتاب على ضرورة تجاوز السرديات المديحية أو غير المحققة، واعتماد منهج نقدي يقوم على المقارنة بين المصادر، والتحقق من الروايات، وربطها بالسياق التاريخي العام.
الاهتمام بالعوامل غير النسبية في تكوين الهوية العشائرية إذ يوصي المؤلف بإعادة النظر في التركيز المفرط على النسب، وإبراز دور العوامل الاجتماعية والاقتصادية والمكانية في تشكيل البنية العشائرية.
توثيق الدور الوطني للعشائر العراقية حيث يدعو الكاتب إلى إبراز مساهمات العشائر في التاريخ الوطني، مثل مشاركتها في ثورة العشرين ومقاومة الاحتلال، لما لذلك من أثر في تعزيز الانتماء الوطني لدى الأجيال الجديدة.
الحفاظ على الرواية الشفوية قبل اندثارها مع رحيل كبار السن وتشتت العائلات، يوصي الكتاب بالإسراع في تسجيل الروايات الشفوية، وتصنيفها، ومقارنتها بالمصادر المكتوبة.
تشجيع الباحثين من داخل العشائر على التـــــــوثيق العلمي يرى المؤلف أن أبناء العشائر أنفسهم يمتلكون القدرة على تقديم روايات دقــــيقة، شرط الالـــــتزام بالمنهج العلمي وتجنب الانحياز. دمج الدراسات العشائرية في مناهج التاريخ والاجتماع والانثروبولوجي لما لهذه الدراسات من أهمية في فهم البنية الاجتماعية العراقية، يوصى بإدراجها ضمن مقررات الجامعات والمعاهد البحثية.
واخيرا نقول:
جزى الله المؤلف خير الجزاء على جهده، وبارك في هذا العمل الذي سيبقى شاهدًا على أصالة بني عارض ومواقفهم الوطنية.



















