
كلام أبيض
كبسولة مسكنة – جليل وادي
لا يعرف المرء ماذا يكتب في أجواء العاصفة التي تضرب بلداننا، فكل الكلام قيل، وقلبت الأمور على وجوهها المختلفة، ولا أظن هناك حاجة للقول: الى أين نحن ذاهبون، فالوقائع تؤكد ان مصيرنا يكاد يكون مجهولا، او قل مظلما اذا أردت الوقوف على الحقيقة المرة، لكن من بيدهم القرار يرون ان الانحناء أمام العاصفة تدبير رشيد في وقتنا الراهن، لكنه ككبسولة مسكنة، تريحك لبعض الوقت، بينما يرحّل الألم للقادم من الأيام.
كنا قلنا مرارا ان الامريكان ينظرون الينا بعيون صهيونية، وعيون الصهاينة تتطلع الى اسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات، لذلك لا يريدون لأي بلد عربي او اسلامي من تلك القريبة من اسرائيل أن يكون قويا، سواء أكان هذا البلد تربطه بهما علاقات ودية ام غير ودية، الاحتمال الذي وضعوه في الحسبان ان أصدقاء اليوم قد يكونوا أعداء الغد، ولذا لا بد من تدميرهم بشتى الذرائع، وهذا ما يحدث لإيران الآن، ولذلك ليس بعيدا اليوم الذي تلتف فيه الدوائر على تركيا ومصر، وسيتركان لوحدهما يواجهان العاصفة ايضا كما تُركت ايران وحيدة في عالم ينأى بنفسه او يجامل الأقوى حفاظا على مصالحه، انظروا لواقعنا العربي مَنْ الذي بمقدوره المساندة، وهل نملك القدرة والامكانيات لذلك، وهل يضحي الذين ينعمون بالرفاهية حاليا لعيون مصر او تركيا؟ ان اضعاف العرب والمسلمين استراتيجية ثابتة، ولن تنتهي الا بتجول الصهاينة في مدننا المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة وغيرهما، هذا الكلام معروف وليس فيه جديد، كما هو معروف لماذا وصل حالنا الى ما هو عليه من ترد وانحدار، والسؤال الذي تقتضيه الحاجة، مَنْ الذي يتصدى لهذا الاستراتيجية؟.
ومع ان مواجهة حالة الانحدار لن تكون الا من خلال الدولة، وان حصر السلاح بيدها ضرورة قصوى لتتمكن من بسط نفوذها وسيطرتها وانفاذ القانون، واتخاذ قرارات الحرب والسلام، وان خراب الدول يكمن في تشكل المليشيات وامتلاكها السلاح ومصادرة أدوار الدولة، وهنا يتبادر السؤال : لماذا يطالب الكيان الصهيوني بمصادرة سلاح الجهات المسلحة في لبنان والعراق؟، وهل تأتي هذه المطالبة من أجل تقوية الدولتين؟، بالتأكيد لا، بل هو يدرك تماما ان السيطرة على الجهات التي ترفع شعار المقاومة أمرا صعبا، على العكس من الحكومات التي تفتقد جيوشها الى العقيدة العسكرية الراسخة التي تمكنها من الصمود أمام العدو، والاستعداد للتضحية مهما كانت الأثمان، فضلا عن امكانياتها الضعيفة قياسا بما يمتلكه العدو، وهشاشة بعض قادتها الذين يمكن التنسيق معهم او تهديدهم، ولذلك بمقدوره التلاعب بالحكومات كيفما يشاء سياسيا، وان تعذر بالاغتيال، وبالقوة المفرطة ان اقتضى الحال، وأوضح الأمثلة: عدم صمود فرق عسكرية مدججة بالسلاح بقيادات عسكرية رفيعة أمام بضع مئات من مسلحي داعش ليحتلوا ما يقرب ثلث مساحة العراق، ولولا فتوى المرجعية الدينية التي تشكل في ضوئها جيش عقائدي ما كان لمدننا ان تتحرر من الظلاميين، ولذلك يحرص العدو على انهاء حزب الله والحشد الشعبي ومصادرة سلاحهما، وهذه ليست دعوة لشرعنة المليشيات، بل هكذا هي الأمور. وهنا نطرح سؤالا آخر: أليست امريكا من غضّت بصرها عن تمدد ايران في البلاد العربية، ودعم فصائل المقاومة في بلدان غير قادرة على اتخاذ قرار حاسم كالعراق ولبنان، متماهية مع قلق يساورها بأنها الهدف القادم لأمريكا واسرائيل، ولابد لها من نفوذ في البلاد العربية لتخوض معركتها المصيرية خارج أراضيها، هذا اذا افترضنا ان القضية الفلسطينية ليست من متبنيات الجمهورية الاسلامية كما يقول البعض، أليست هي من سمحت للفصائل المدعومة من ايران بالدخول الى سوريا لمواجهة المتطرفين، وبالتالي الحفاظ على سلطة الأسد، فضلا عن التدخل في شؤوننا الداخلية منذ وطئت أقدام الاحتلال بلادنا، ولماذا دعمت أمريكا الجماعات المتطرفة لاسقاط الأسد، وهي تعرف جيدا مَنْ مولها، ما دعا الفصائل الشيعية للتصدي لها.
مرة يغضون الطرف عن هذا ومرة عن ذاك حتى بلغت الطائفية أوجها، وصارت ايران وكأنها العدو الأول للعرب وليست اسرائيل، ومن قبلها العراق، وغدا مصر وتركيا، وهكذا وصولا الى الخليج، وفي كل مرة تنطلي اللعبة علينا، او تجري أمام أنظارنا، بينما لا حول لنا ولا قوة .
jwhj1963@yahoo.com


















