قصص قصيرة جداً.. كوابيس

قصص قصيرة جداً.. كوابيس

جبار هادي الطائي

يا لَهُ من فأر لعين تسلّقَ سريره فجأةً ، و دغدغَ أطراف أصابع قدمهِ بأسنانهِ الصّغيرة الدقيقة ، فسرقَ منه ثلاث ساعاتٍ أو ساعتينِ على أقل تقدير كان بأمسِّ الحاجة لهنَّ ليريحَ جسده من تعب ستة أيام مضت .

نظر الى الساعة الجدارية بعينينِ مُثقلتين يشوبهما النعاس فكانت الساعة تعلن الثامنة صباحاَ

– آه ، لقد تأخرتُ عن الدوام .

تناولَ شيئاً من الطعامِ على عجلةٍ من أمرِه ، و لم يعدْ يهمه مضغهُ جيداً ،فالمعدة تتولّى ما بقي من عمليات الهضم أو تحويله الى ما تشاء … المهم أن اسرع – فالوقتُ ثمين .

ارتدى ملابسَهُ ، و خرجَ من البيتِ مسرعاً ، و بعدَ أن قطعَ مسافةِ قصيرة صادفهُ طفلان يتشاجرانِ فنالتهُ منهما بيضةُ فاسدة لطَّخَتْ قميصهُ .

– كم أنتم مزعجون أيها الأطفال .

عاد الى البيتِ ، فدخل الى الحمّامِ ، أبدلَ قميصه بآخر ، و خرجَ مهرولاً ليلحقَ بأسرعِ واسطة نقل كي يصل الى مكان عمله ، وكما توقَّعَ كانت سيارة ( أبي سعد ) المتفرّدة بعطلاتها المزمنة بإنتظار مَن فاته المجيء قبل هذا الوقت بقليل … على أيةِ حال … إنطلقتْ السيارة ، و كان يحسب وقته دقيقة – دقيقة ، و بعد أقل من كيلو مترين تعطّلت السيارة ، و هذا ما كان متوقعا .

– يا لهُ من حظ نكد … متى سيتم اصلاحها ، ومتى سأصل ؟! و بعد العمل المضني و الشّاق تم اصلاح السيارة ، انطلقتْ ثانيةً تجتر طريقها كأنها سلحفاة مريضة .

و أخيرا ، وصل الدائرة ، كانت الساعة تعلن الحادية عشر و الربع قبل الظّهر ، استقبلهُ ( المدير ) عابسا وعلامات عدم الرضا تخيّم على وجهه ، فأخبره بأن لجنة المتابعة في الوزارة كانت في زيارة لنا هذا الصباح ، و قد سجّلَ غائبا ، و قد تناله عقوبة (انذار أو توبيخ ) لا مناص .

جلسَ في غرفته ، و كان القلق و الحزن الممتزجان بالخجل يعلوان وجهه .. انها المرّة الأولى التي يتأخر بها عن الدوام ، و هو المعروف بإخلاصه ودقته و حبه للعمل .

– كيف حدث هذا يا ترى ؟! …. لا أدري ……

أراد أحد زملائه أن ينسيه ما حدث ، و يرسم الإبتسامة على وجهه ، فأطلق تعليقاً أراد به تلطيف الجو :

– لو كان المتأخر الأستاذ ( حازم ) المعروف بخبرته في التأخر عن الدوام لإنشغاله بتصليح أنابيب وخزانات المياه ، لقلنا : بأنه قد غرق في خــزّانٍ للمياه .

ها … ها … ها … تتعالى ضحكات زملائه متقطعة ، أما هو فقد كان في وادٍ آخر ، فعيناه متسمّرتان على اللوحة المعلقة في جدار الغرفة و التي رسمها زميلهم في العمل و هي اللوحة اليتيمة له رغم تخرجه من أكاديمية الفنون الجميلة منذ أكثر من ربع قرن ، على أية حال كانت اللوحة متشائمة يغلب عليها اللون الأصفر بدرجاته المتفاوتة ، و كان يخيّل اليه و هو يطيل النظر اليها بأن العجوز التي تتربع وسط هذه اللوحة البائسة تهمُّ الى ضربه بعكازتها الطويلة .

انتهى الدوام الرسمي لهذا اليوم ، فخرج من دائرته تحمله قدماه الى المرآب ، استقلَّ السيارة ، و عندما سارت مسافة قصيرة همَّ ( الجابي ) الى جمع الأجرة … مدَّ يده الى جيبه فلم يعثر على أيةِ ورقة نقدية ، فأرتعش خجلاً ، و أصبحَ أمامه أصغر من حبّةِ (فاصوليا ) …

 وصل الى البيت و كانت الساعة تعلن الثالثة والنصف ظهراً ، تناول وجبة الغداء ، و لكن دون شهيّةٍ ، فالقلق و الكآبة يملآن وجهه و جلَّ تفكيره ، بعدها أخذ قسطاً من النوم ، و لم يتناول وجبة العشاء لأنَّ درجات الحرارة قد ارتفعتْ ، ودبّتْ الى عظامه ، و كان يتقلَّب على فراشه حتى الصباح و لم ينم ساعة واحدة رغم حاجته الى النوم ليريح جسده من تعب ستة أيام مضتْ …

بعدها ، تسلَّقَ سريره فجأة فأرٌ لعين ، فدغدغَ أطراف أصابع قدمه بأسنانه الصغيرة الدّقيقة ليوقظه من نومه و ينقذه من كابوس مزعج ، نظر الى الساعة الجدارية ، كانت تعلن الثامنة صباحاً ، تذكَّرَ ان اليوم هو( الجمعة ) و هو بحاجة متناهية الى النوم.