قصة قصيرة.. مقتل سعيد العراقي
موسى الهاشمي
انه القرن الماضي… النهاية.
جاء اليوم الذي عُثر فيه على سعيد العراقي مثخناً بالجراح معصوب الرأس مضمّد الذراع، ملقى أمام بيته ينازع الموت.. وجه شاحب مثل ليمونة معتصرة بـــيد طفــــل، بلا قوة بلا عضلات. تقاطر أهل الحي وعيونهم جاحظة غير مصدقين أن زعيم هذه الجثة، مَن كان يرعبهم ويؤرقهم وينغص عيشهم ويسمم حياتهم ويفتك بأبنائهم ويغتصب بناتهم طيلة أربعين عاماً مسجى، يئن أنين الثكلى، تتبول على جسده كلاب الطريق!
أدرك الجميع، على الفور، أن تلك المرحلة السوداء قد ولت إلى الأبد، وان عصر الشقاوة والاستهتار في طريقه إلى القمامة.
أخيراً ، سعيد العراقي ، ضعيفاً، كالحمل الوديع ، يطلب الصفح والعطف. أعداؤه تنفسوا الصعداء، وهم السواد الأعظم، ومحبوه أشاعوا أن صورته ظهرت في القمر. من جانبي عملت على إيقاف ما بقي من نزف ومسحت الدم المتجلط عن وجهه، ودققت في نبضه من خلال ملامسة شريان الرقبة كما تأكدت مـن تلاحـــق أنفاسه ثم رفعته عن الأرض عن طرق أبطيه وقدته على مهل إلى داخل بيته متوكئاً على كتفي .
دون شك سبقني أحد إلى إنقاذه. لكن مَن هو؟ لا أصدق أن يكون عابر سبيل أحسن إليه . ففي ذلك الزمن لم تنجب الأمهات بشراً أسوياء، أصحاب مروءة ونخوة إنما بشراً كواسر ، أصحاب أنياب ومخالب، قلوبهم من زبر الحديد، كل فرد على أهبة أن يأكل لحم أخيه ويذهب يتلمظ ويلحس بقية الدماء المتجلطة على جانبي فمه ويدخل جحره لينام قرير العين. وبعد القيلولة يصحو ويغتسل ويتضوع بعطر الورد ويرتدي أفخر ما لديه من ملابس ويتزين بأحسن زينة ويخرج ليمشي متبختراً في الغابة البشرية، أعني شوارع المدينة، والسيكارة في فمه، يرد على تحية الآخرين بهدوء الزهّاد والنُساك في حين هو ومًن ألقى التحية يتربص كل منهم بالآخر. فكيف تريدون أصدق أن أحداً أحسن إليه وضمد جراحه لغير ما سبب!
أفاق من غيبوبته تلك وطلب شربة ماء. استجبت. أقمته من أبطيه حتى استقام ووقف. قلت وأنا ألقي بإحدى ذراعيه على كتفي: توكأ .. لا تخف . كتفي قادر على حملك.
وأنـا ألـج البيت كانت المفاجأة كبيرة. البيت هيكل مهجور، متسخ ومتعفن. وقبل أن ابلغ السرير أضئت مصباحاً قديماً ووحيداً يعود تأريخه إلى أربعينات القرن الماضي وأزلت خيوط العنكبوت المتدلية من السقف إلى سلك المصباح ثم إلى الأرض بيدي ففرت القوارض والخفافيش مذعورة تـاركــة فضلاتها المقــززة تحت قدمي وفي كل مكان. تمعّنت بخزائن مركونة على جوانب الجدران المتآكلة مربوطة بسلاسل حديد صدئة لم يمسسها بشر. كما أبصرت بأم عينيّ معادن نفيسة وأموال مبعثرة سحق بعضها قدميّ وقد نالت منها القوارض. استوعبت ما يدعو إلى الدهشة والذهول، وقلت وأنا أسجيه : أسترح سأجلب الماء، ستتعافى. ولما امتلأت نفسي بالتقزز وبلغت درجة الغثيان وأنفاسي بالعفونة والرطوبة والروائح الكريهة استأذنت وأنا أردد: ستتعافى.. سأعود ثانية . لم يطلب أن أطفئ المصباح أطفأته من تلقاء نفسي وأنا أكرر باستمرار: ستتعافى. خرجت بسرعة تلاحقني الروائح الكريهة التي لم أبلغ نسيانها حتى هذه الساعة.كنت أعرف أن جدران البيت متداعية وقذرة، وهناك شقوق عديدة، أوعزت السبب إلى قلة المال وضعف الحيلة ولم أصدق ما كان يشاع عن حجم الأموال التي في ذلك البيت القديم قدم التأريخ حتى رأيتها بأم عيني. حيرني الرجل كيف جمع بين المظهر المزري وبين هذه الأموال في الخزائن!
وأنا أتقلب في الفراش بعد منتصف الليل قررت قتل سعيد العراقي دون أن أتخذ طريقة مناسبة. في اليوم التالي تسللت إلى البيت، وأنا في هذا على علم بما قدمت بشأنه . لم تند عن الرجل أيما حركة، فخُيل لي فارقته الحياة . فرحت كثيراً. وأنا في طريقي إلى الأريكة القديمة، التي تعد سرير نوم، ألقيت نظرة خاطفة على الخزائن والقوارض الفارة من تحت قدميّ. هتفت مردداًً أسمه بإسهاب فلم تند عنه حركة. أما وقد بلغت السرير فقد رأيت جسد الرجل ممدداً ومتخشباً كأنه ميت. وضعت كماماً على انفي خشية القيء ثم لامسته وهتفت: سعيد. سعيد العراقي. وقد أدهشني فمه المفغور وعيناه المفتوحتان على وسعيهما. تمتمت: لا شك انه ميت. ومن أجل الاطمئنان وضعت سبابتي على رقبته فخيل لي انه في النزع الأخير وليس ميتاً. أزعجني ذلك أيما إزعاج. وهممت بقتله والاستيلاء على تلك الأموال لكن لا أعرف لمَ لم أنتهز تلك الفرصة الذهبية.
في اليوم التالي جلبت طبق طعام مسمماً بسم أفعى. قلت سأقضي عليه هذه المرة بهدوء. ثم هززته فاستيقظ . ملأني الغيظ، لكني ابتسمت وأعنته على الجلوس مثل أي رجل رحيم. رددت على مسامعه :- لقد جلبت طعاماً ساخنا يعينك على الشفاء. شكرني. عمدت إلى رفع الطعام إلى فمه بملعقة كبيرة لأبدو مشفقا ولكن، الحقيقة، كنت أتأكد بنفسي أن الطعام المشبع بسم الأفعى قد دخل جوفه. خرجت، ولم أسأله عن معنى هذه الخزائن والمعادن النفيسة المكدسة منذ قرون ولم تستثمر. عدت وأنا على يقين من موته. جلبت طعاماً للتمويه، فوجدته حياً ولم يمت. عقلت لساني الدهشة، لكني لجأت إلى التماسك. ساورتني شكوك بأن الرجل ليس من البشر ليتحمل ذلك السم الفتاك. وأنا أنحني فوقه تفصد العرق وسال على جبهتي. كذلك أحمر وجهي. ورغم العتمة الضاربة لاحظ ما طرأ من تغيير على هيأتي. أكد لي هذا انه يبصر في الظلام أكثر ما يبصر في الضوء لذلك هو لا يعتني بإضاءة المصباح . انقلبت خائباً ، مجللاً بالحيرة، وسؤال ملح يؤرقني هل عرف أني وضعت سم أفعى في الطعام، ولمَ لم يمت؟ قررت أن لا أعود إلا بعد خمسة عشر يوما، ورددت في نفسي سأجده بعد هذا التاريخ ميتا، جوعاً وعطشاً. دخلت متسللاً، حريصا ألا احدث جلبة يستيقظ على أثرها، ولا احمل بيدي شيء. ولما كان ينبغي أن ابلغ تلك الأريكة القذرة، لا أنكر كيف أن دقات قلبي خرجت عن طابعها المألوف، كذلك انتابني خوف شديد. وتلقيت مفاجأة كبيرة أخرى. فقد وجدت الرجل جالسا في الظلام، يحدق بعينين مشعتين مثل عيون القطط . تابع دخولي. رحب بي فاتحاً ذراعيه. قال وهو يبدو في صحة جيدة: لا احد يتفقدني غيرك. أنت رجل بار. ابتسمت واحتضنته كما ينبغي فضمني إلى صدره. في تلك اللحظة علمت إنه رجل غير مألوف. نطقت معتذرا: لم اجلب طعاما هذه المرة. فضحك وكأنه لم يكن قبل أيام بين الحياة والموت. قال: لعلك تسأل عن سر قوتي. فصمتُ تاركًا العالم فسيحاً ورحباً.- لن أُبالغ إذا قلت كنت في شبابي أملك قوة ثور. من أجل الهيمنة على العالم أرسلت الابن البكر إلى الشمال ولآخر إلى الجنوب، فلم يعد أيّ منهما. انتظرت طويلاًً دون جدوى. فأقمت هذا البيت أنا وزوجتي وابنتي. وبسبب وقوع البيت على طريق تجارة الشرق والغرب أثريت ثراءً فاحشاً؛ ولأنه يتوسط وادياً عميقاً جمعت فيه كل ثروات الأرض. لكن من سوء الطالع نقلَ أولئك التجار مشاهداتهم لرجال العصابات والغزاة. فنهب هؤلاء أبنتي وقتلوا زوجتي.. أما أنا فقد قاتلت قتال الأبطال ثم فررت إلى الصحراء. عدت. أقمت البيت مجدداً، ثم قامت البيوت الأخرى. لكن الغزاة لم يمنحوني فرصة التمتع بشيء. ومنذ ذلك التأريخ ظللت أدعي العوز والفقر. وأنا أودعه ألقيت نظرة وجلة على تلك الخزائن المسيلة للعاب فتصاعدت ضحكة مجلجلة خلفي. أشبه بعاصفة مثيرة للغبار. ثم سمعت هاتفاً يحذرني: لا تفعل. إذا أخرجت ديناراً واحداً فلن تستمتع ساعة واحدة، سيمزقك أهل المدينة أرباً ويذهب دمك هباء، أنهم قوم لا يفقهون…مجانين، مجانين، مجانين. ليس فيهم رشيد. وأنت خرجت من رحم التأريخ لا ينبغي أن تتلوث. اعتقدت أن الرجل مصاب بالحمى ويهذي.. يتعين قتله. خرجت وأنا أردد بصمت: في المرة القادمة سأجلب وسادة صوف أكتم أنفاسه. لكني سمعت هاتفا آخر يهتف:- سعيد العراقي ,سعيد العراقي استيقظ.
بعد أن قُتل سعيد العراقي لأسباب غير معروفة للبشر ولا يتعين شرح ذلك رأيت قد أنتزع جسدي، ويقف خلفي شبحان عملاقان تحت أبط كل منهما سجل ضخم ، سجل اليسار ثخين وأوراقه متورمة وملطخة بالحبر الأحمر والدماء وسجل اليمين أوراقة ناصعة البياض كأنها لم تفتح أو تمس. في النهاية علمت أن مصيري النار.
همس الشبح الأول للثاني : ماذا تنتظر؟ أتلُ ما في سجلك. فرد الثاني ليس قبل أن ينطق بالحق. صرخت بقوة حتى خلت أن فمي قد تمزق وأن صوتي سمع تردده أهل السماء والأرض: أعيدوا جسدي، أعيدوووه. شعرت أن كل جزء وطرف يحترق. وحضرني مشهد مقتل سعيد العراقي والتمثيل بجسده، حيث جعلته أربعة أجزاء، ووضعت كل جزء في ركن من أركان الأرض صرخت: أنا قاتل سعيد العراقي. أسمي مدون في سجل اليسار الملطخ بالدماء. قال شبح اليسار: حسناً. نطقت بالحق. بعد ذلك غبت عن الوعي . دخلت في حمى فضيعة سببت غيبوبة طويلة. فقدت الاتصال بالعالم الخارجي ودخلت عالم الظلام الدامس. ثم سمعت غطيطاً كغطيط القطط النائمة بعمق.
فتحت عينين هلعتين ، مسحت العرق المتفصد من فوق جبهتي، وازدردت ريقي الجاف لأسمع بعد لحظات قصيرة قهقهات خليعة صادرة عن امرأة ضخمة الجثة شعرها منثور ومتعرج مثل أغصان شجرة الشيطان، تقترب وتستولي عليّ بالكامل وتقول وهي تطوقني وتستوي فوقي عارية: ضع في سلتي عصارة قلبك وظهرك وصدرك أحشائي منذ أدم تنتظر هذه اللحظة. لن أتركك حتى تتحول إلى عود يابس. سأمتص الرواء. أليس أنت مَن ظل ينادى ويهتف باسمي طوال حياته؟ حاولت التملص من بين ذراعيها فوجدت جسدي يغرق في سائل لزج ويدخل في أحشائها. وكلما زاد تململي كلما دخلت أكثر في أحشائها حتى احتواني جسدها بالكامل وابتلعني كما تبتلع أفعى فريستها. شعرت براحة أبدية كنت أنشدها منذ سعيت على الأرض كحيوان نهم لا يشبع . وبطريقة غريبة انصرفت المرأة تزقزق مثل العصافير؛ وأنا نائم مطمئن في أحشائها. ثم طارت بجناحين ملونين يبرز منهما نور مشع أنار الكون كله. ولما استوت رأيت الشبحين ثانية.. كأنما كانا ينتظرانني منذ دخولي أحشاء المرأة.
تلك لوحة عظيمة كنت أقف أمامها كل يوم ساعة، أتأملها بشغف وصبر وجلد ولم أفك شفرتها حتى هذه الساعة .



















