قصة قصيرة.. الإنسجام
كانت ترش الماء خلف خطواته الذاهبة الى جبهة القتال، وتدعو له بالعودة سالما في اجازته القابلة التي لا تكون الا بعد مضي اكثر من خمسة أسابيع تنقطع فيها اخباره تماما، الا عن طريق زملائه في الوحدة العسكرية برسائل شفهية او مكتوبة يحملونها في اجازاتهم الدورية ولا ينسى فالح ان يقول لزوجته الحبيبة عند المغادرة: لا اله الا الله، فترد – وفاء – بلهفة صادقة: محمد رسول الله وبعد قبلات التوديع لولده حسين وابنته بيداء – ولم تكن اتون الحرب بعد المسجر ليلا ونهارا ليسمح بحالة من استقرار نفسي طويل، فللحرب سجال والقتلى من الجانبين كثيرون وحركة الوحدات دائبة من مكان لاخر، وقاطع لقاطع انها الحرب الطويلة، بين بلده والبلد المجاور، اندلعت ولا تريد ان تقف ولما كانت نفس الانسان – أي انسان – غالية عليه، يفكر عند اقتراب الخطر ان يدفع ذللك عنها، وان يرضى بتضحيات دونها، ترد في عقل فالح كثير من الأمور التي تتزاحم في مخيلته عند استلامه الواجب الليلي متوحدا مع بندقيته وهواجسه. سأذهب كما ذهب غيري الى اهلي في تابوت خشبي وعليه خرقة العلم الذي يثير فزعي، ما اسرع ما انتهت هذه الحياة، لم اكن لاتوقع ان تكون سيئة الى هذا الحد، تزوجت وانا في العشرين واكملت دراستي في كلية الزراعة، وانعم الله تعالى علي بحسين وبيداء، لا اريد ان اتركهما يتيمين وهما في هذه السن الصغيرة حسين بدأ يتكلم وبيداء بدات تمشي ووفاء زتي بدأت الان تزداد القا وجمالا اكثر مما كانت في سنين الزواج الأولى، هي تصغرني بسنة واحدة وكانت مدة خطبتي لها قصيرة لانها ليست من اقاربي التقيتها صدفة وقسم الله لنا ان نتزوج احبها كثيرا وهي تبادلني الحب نفسه، وطفلانا نجمان في فلكنا يدوران، علي ان اعترف ان من أسباب عدم اكمال وفاء لدراستها الجامعية مكتفية بشهادة الإعدادية هو انا، اردتها ان تبقي فالبيت ترعى شؤوننا انا واطفالي ولم تكن لتبدو معارضة لي فتحقق لي ما اريد.. فالح انتبه للميدان جيدا فهناك اخبار استخبارية تتوقع هجوما جديدا علينا.. نعم سيدي قال فالح لامر فصيلة الملازم احمد.. معززا كلام امر الفصيل.. أرى هذه الليلة كثرة غير اعتيادية لمشاعل التنوير في الميدان الذي يبدو حالك الظلام بعد توهج وانطفاء أي مشعل يصعد للسماء فقد يكشف امام الرائي سبلا كثيرة ذات ظلال وهدوء لاشك ان يسبق عاصفة او يليها.. لقد تدافعت علينا الهجمات السماء تملؤها النجوم، والجو الربيعي المعتدل يتمنى معه الانسان ان يكون في سفرة او زيارة او عمل غير الحرب التي دائما ما تبدأ كفتاة جميلة وتنتهي عجوزا شمطاء.. مضت سنتان على بدء الحرب ولا نهاية تلوح لها قريبة، المقاتلون يلفهم قلق مستديم وحزن من جراء استشهاد زملائهم الاحباب في كل هجوم والأرض زرعت بالالغام والاسلاك الشائكة حتى أصبحت مناطق محرمة وغير امينة لسير المشاة والاليات والدبابات الا من خلال مجازات مؤشرة ولها دليل من صنف الهندسة العسكرية، والا تحول الذي يقتحمها الى أشلاء مبعثرة، عندما ينفلق امام وجهه اللغم المنشاري او عندما ينفخر لغم ضد الاليات تحت المركبة فيحيلها كتلة من حديد معطل: زوجتي وفاء كريمة وحليمة تقول لي من فرط حبها لي: اذ جاءني خبر استشهادك لا سمح الله شأشهق شهقة واحدة مالها من فواق، ويكون فيها حتفي فلا بقاء لي بعدك يا فالح، أصبحت حياتي كلها، ادامك الله لنا انا وحسين وبيداء، ماذا لو جاءت الان قذيفة سائبة لمدفع وتناثرت الشظايا هنا، ودخلت احداها في جوف جمجمتي او قفصي الصدري، كما فعلت مرارا مع غيرك من المقاتلين وتم اخلاؤهم جثثا هامدة، اني اتمتع بفضل الله بعمر إضافي فلا فرق بيني وبين من قضوا في وحدتي من بداية الحرب حتى الان، لقد احاطتني عناية الله وهذا رزق منه سبحانه وعليه يجب ان ادفع زكاة ما دمت متمتعا به من عام الى اخر، وزكاته الشكر لله تعالى والاعتراف بفضله، والسعي بحوائج الناس من دون مئة او اجر. علمتني وفاة دعاء اقرأه عند الشدائد، عندما تشتد الخطوب، وتضيق النفس فأجد فرجا به بعد حين، وابدأ اتفقد اعضائي واحدا واحدا لعلها بقيت سالمة من زخة الرصاص والقصف والشظايا الملعونة المرسلة في تابوت ازرق للموت. النهار اكثر هدوء والليل يخشى منه، ففي جوفه تكثر الجرائم وينشط المتحاربون من اجل زخرف الدنيا، ومتاعها الفاني، النوم حسب سياقات وحدتنا المرابطة هنا في الخطوط الامامية – لكونها من صنف المشاة – يبدأ مع مطلع النهار الى منتصفه بعدها تبدأ الاعمال والتدريب بدون تجمعات كبيرة خوفا من استهداف الرصد الرصد المعادي، فيرسل علينا حمما من قذائف تحرق المكان، العشب الذي يتمايل مع نسمات الهواء المعتدل واكثر من نبتة ترى للنرجس ذي الازهار والأوراق الصفر الفاقعة، المفارقة انها تعيش بين أجواء ربيعية حالمة، واجواء قاسية مملوءة بالدخان والخراب، في موقعنا هذا نحن في مأمن من القناصين لوجود مسطح مائي صغير بيننا وبينهم، وليس لديهم وجود على مدى البصر، لكن مدفعيتهم تشل المجال، ولهم أوقات يطلقونها هي الأكثر ايلاما وازعاجا كان تكون في أوقات النوم والراحة، او في أوقات تناول الطعام. كنت أتمنى ان يكون هذا العالم الصغير الذي يحيط بنا، عالما للسياحة، اذا لجلبت عائلتي هنا، يروجون عن انفسهم، انه عالم مفتوح جميل ببساط اخضر في هدوء بعيدا عن صخب المدينة وضجيجها بدلا من ان يكون ساحة للموت وسلخ الأجساد، وحرق النفوس، والمشاعر ونزول الخيبة، وتلاشي الامال مازالت في نفوسنا قدرة للتكيف على المرارات والتعب والنصب، لا اثقل من جهد الحرب على المقاتل، ولا احد يحس بذلك من غيره، امر وحدتنا ضابط برتبة مقدم شاب متحمس وذو اخلاق كريمة، يبث في نفوسنا العزم والإرادة، ان يتحلى بالصبر في الشدائد، يريد ان يكون لنا اسوة حسنة، يقول: اريد منكم اليقظة وعدم الغفلة، والباقي انا كفيل به، وآمر سريتنا انسان بسيط يعيش وعائلته في الريف في احدى المحافظات في كلامه لهجة بدوية بادية عليه، مازالت في خبايا نفسه تكمن ملامح الكرم والشجاعة والخجل الريفي الجميل.. انه ينتظر ترقية الى رتبة نقيب في موسم الترقية القادم، اذ حصل على قدم في المعركة الأخيرة لبسالته، فقد توغل في عمق الأرض الحرام بعد انتهاء المعركة مع اثنين من مقاتلي السرية الشجعان وجلبوا جثة لشهيد ومقاتلا جريحا اسمه حمزة كان يئن من كثرة الجراح وينزف من يوم سابق ولا احد يقدر ان يصل اليه فقد كانت اطلاقات الراصد المعادي لا تخطئ أحدا في ذلك المكان، لكن الليل ساعدهم بعد الله الحافظ، وعلى ضوء قنابر التنوير تم كل شيء، ولم يكن بالحسبان ان نتعرض لهجوم اخر بعد انقضاء اخر هجوم من قبل ثلاثة أيام، فمن طبائع العدوان ان تكون هجماته متباعدة بالزمن حتى يستطيع ان يكمل استعداداته المطلوبة بتخريب مواضعنا ودفعنا للخلف مسافة تطول او تقصر، او ان يكون صمودنا اسطوريا فنتصدى له بدون تراجع، لكن هذه المرة مباغته نا ناجحة ونحن نحس ان مقاتليه بدأوا يغزون مواقعنا ليلا كما النمل، فيقتلون وينهبون ويجمعون ااسرى في ستار الليل تحت سماء صافية في ساعات قتال مرعبة، عمت فيها الفوضى وسادها الارباك اكثر من العمل القتالي المنظم واجتهد المقاتلون كل من موقعه لمواجهة المهاجمين بروح حماسية وصبر، ولم تنظر عيناني في تلك المحنة اكثر مما نظرت الى بندقيتي العزيزة علي فاخفيتها تحت ملابسي بعد توقف القتال او كاد ذلك وانا ارنو الى المسطح المائي الواقع على شمالي مواقعنا وقد نشطت فيه الضفادع بالنقيق كأنما ارعبتها نيران المعركة فوق الأرض، فيما بدت النجوم في السماء اكثر توهجا ولمعانا في ظل غياب تام للقمر والامدادات من مقر التشكيل الواقع خلف مقر فوجنا، انطوت افكاري السوداوية على موت محقق اذوقه في هذه المعركة انا الذي خضت معارك كانت اشد، ومواقف كنت اتلو الشهادة قبل ان ينجلي الحدث فيها، وترتد الانفاس، ويعاودنا امل دنيوي في حياة طويلة، زوجي (زوجتي) وفاء عن يميني وحسين وبيداء عن يساري انظر اليهم بروح المحبة، ورغبة جامحة ان اضعهم جميعا في دقات قلبي او بين اجفاني، ابتسم لضحكات حسين او ازعل لبكاء بيداء، اتحرق شوقا الى وفاء الحبيبة.. اقبلها بين عينيها واربت على كتفها: شكرا ابنة عمي لانك اخذت مكاني في إدارة البيت وتحملت تربية الأطفال، وصبرت على البعد والشقاء لقد اعلمني ابي انك تمتلكين العزم الاكبد لتجاوز المحنة، وصنع غد افضل، ويشيد بجهدك المبارك في الخوض في حياة الحرب.. ها.. كأن احلامي تسورت المسافة ما بين ميدان الحرب واشرعة السلام في عيون وفاء وحسين وبيداء، لكن لم يدم جموح نفسي فقد تصدى لي احد جنود الأعداء وضربني بين كتفي باخمص بندقيته في ليلة تسللهم تلك الى مواضعنا فسقطت مغشيا علي وقد دخلت في نفق مظلم، وحلقت احلامي للسماء، لا استطيع ان امسك بها، التراب ملأ فمي وبندقيتي ورفعت من جسمي قليلا الى الأعلى مع الم توزع في جوارحي، وشلل اصابني في التفكير، واضطراب في الرؤية وما صحوت الا وانا في معسكر الأعداء مقيد في جامعة حديد ادمت يدي، وقيافتي تولتها المزق واللكع، نظرت طويلا الى حالي وحمدت الله ان لا اون الان اسيرا تحت التراب وقد تسربت الدماء من جثتي لتملأ القبر، اسير نعم ولكن حي اتنفس، واسمع كلام الناس .


















