قبضة الليل
رثد نيازي
كان آدم عائداً في طريقه الى المنزل بعد نوبة عمله الاضافية التي اجبرته على البقاء في مكتبه حتى الساعة العاشرة مساءً….
كانت السماء صافية الا من بعض الغيوم الرمادية التي غطت جزءاً من البدر. وعلى جانبي الطريق امتدت مزارع الخضروات التي اضفت الهدوء واطبقت الصمت على ذلك الطريق الريفي. كان لون المزارع داكناً للغاية خلال الليل المعتم فلا يمكن رؤية الاشياء وتمييزها لكن ضياء نصف البدر المغطى جزئياً بالغيوم يجعلك تتوهم اموراً قد لاتكن موجودة.
تابع الاب قيادته متجهاً الى منزله.
ولايزال امامه عدة كيلومترات حتى بلوغ المنــعطف المؤدي اليه.
ورغم تعبه الشديد، كان يشعر بالسعادة لاتمامه جميع المهام الموكلة له هذا الاسبوع.. اخذ يدندن باغانيه المفضلة واحدة تلو الاخرى..
وما ان وصل المنعطف حتى توقفت سيارته فجأة.
ترجل ليرفع غطاء المحرك…. نظر الى المحرك لكن لكن دون جدوى فهو لا يعلم ماحدث ولا يعلم كيفية اصلاحها. حاول اعادة تشغيلها لمرات عديدة لكن بلا فائدة.
قرر ان لا يعكر مزاجه بسبب السيارة هذه الليلة. فلم يكن امامه الا مسافة نصف الكيلو متر فقط ليخطو بين صفوف الاشجار المعمرة المنتصبة وكأنها اشباح داكنة عملاقة تتربصه على جانبي الممر الترابي المؤدي الى منزله. نظر الى تلك الاشجار التي تكاد تميل بجذوعها نحوه.
شعر بنوع من الخوف من شيء مجهول يغزو جسده. وازداد الخوف ليتحول الى هلع ولم يكن يعرف السبب لخوفه… حث خطاه مسرعاً اتجاه المنزل ثم… سمع صوت تكسر اغصان من خلفه. تلفت حوله وخلفه وفي جميع الاتجاهات ولكن لا شيء سوى الظلال الشبحية للاشجار والشجيرات و جذوع الاشجار الميتة المترامية هنا وهناك…
فكر بغرابة الامر، فلم يكن هناك صوت طير ولا بوم ولا حتى جندب الليل… تساءل لم الصمت قاتل لهذه الدرجة الليلة؟! وكأن الجميع قد ماتوا او جتمعوا في الجانب الاخر من الكرة الارضية حيث الشمس ليتركوه وحيداً…
شعر وكأنه اخر كائن حي تبقى على وجه الارض عدا المظاهر الشبحية للنباتات المترصدة حوله…
اسرع خطاه مهرولاً نحو منزله…لم يكن مطمئناً لدخوله اليه…
وبينما كان يهرول متلفتاً في كل اتجاه فإذ به يسمع صوت انفاس لاهثة تسعى خلفه… تلفت ولا شيء!
ركض مسرعاً فلم تزل امامه الا مسافة قليلة ليبلغ عتبة داره…
استمر صوت اللهاث خلفه ولم يكن ير شيئاً…وما ان وصل باب المنزل حتى طرقه بكلتا يديه…
ماهي الا ثوان حتى فتحت له زوجته الباب لكن تلك الثوان بدت كقرون من الدهر….
امر زوجته بان تحكم اغلاق الباب وتتأكد من احكام جميع النوافذ وان تسدل الستائر جيداً فأن وجوداٍ ما كامن في الخارج…
ابتسمت زوجته واخبرته بان خياله قد صور له ذلك فالاجواء هذه الليلة وكون القمر بدراً قد تحفز الخيال المرعب لبعض الاشخاص.
لم يحفل آدم بكلامها فكان واثقاً مما سمع. فلم يحاول ان يهدأ هلعه حتى.
اتجه نحو الباب ببطء وحذر شديد. وقف خلفه ليتنصت لما في الخارج، ولكنه لم يسمع شيئاً.
ادار المفتاح بحذر شديد وماكاد يديره نصف دورة حتى سمع الصوت مجدداً…
لم يكن صوت حيوان اطلاقاً.. بدا وكانه لهاث ذو صدى لشيءٍ مجوف..
لم يكن الصوت بشرياً حقاً فقد غلفه نوعاً من التحفيــز للخـــوف الشديد. صوتٍ صادر من عالم مختلف لم يسمع مثله من قبل… صوتٍ قــــادم من اعماق جحيم الرعب.
اقفل الباب مسرعاً وخطا الى الخلف بعجل.
اصطدم بزوجته فاستدار ليرى طريقه فإذ بزوجته تنظر اليه نظرة شر مستطير وابتسامة مرعبة وقد استحال لون بشرتها الى الرمادي…
توسعت عينا آدم وانقطعت الانوار…
ولم يكن هنالك احد ليسمع صرخته الاخيرة…


















