قاموسنا السياسي بين الإقصاء والإدعاء – جليل وادي

كلام أبيض

قاموسنا السياسي بين الإقصاء والإدعاء – جليل وادي

 

لكل مرحلة سياسية في بلادنا قاموسها اللغوي، تشيع فيها مفردات ومصطلحات وتختفي اخرى، وبما ان اللاحق من الانظمة السياسية لم يأت امتدادا طبيعيا لسابقه، او متصالحا معه، او متوافقا مع بعض طروحاته، فأنه سرعان ما يقصي قاموسه اللغوي لحساب قاموس جديد، سرعان ما يجري تداوله في الاتصال بالمجتمع، وفي أحيان معينة يغدو استخدام الأفراد لمصطلحات بعينها تهمة قاسية يُستدل بها على هوية فكرية او سياسية، ولنا في الصاق تهمة الالحاد بأنصار التيار المدني خير مثال.

ومع ان العلاقة بين التغييرات الاجتماعية والتطور اللغوي وثيقة جدا، وهي من بين الملاحظات المهمة التي شخصها اللغويون المعاصرون، كقول أحد المتخصصين مثلا: (بان وراء الثورة اللغوية في فرنسا تختبيء الثورة الفرنسية)، بمعنى آخر ان حالة التردي والارتقاء تنعكس في لغة المجتمع، ولاسيما في القاموس أكثر منه في النظام الصوتي والصرفي الذي يتسم بالاستقرار لمرحلة طويلة، لكن جانبا من هذا المعنى لا ينطبق على واقعنا اللغوي بسبب ان بلادنا تشهد تبدلات سياسية وليس تحولات اجتماعية.

ففي النصف الثاني من القرن الماضي شاعت مصطلحات من أمثال التقدمية والرجعية، ويكشف هذا الشيوع عن مدى تفاعل وتأثر الظاهرة السياسية العربية بالثقافات المحيطة، وان كان تبني قاموس لغوي لا يعكس بالضرورة هوية وايمان ذلك النظام بمضمونه الحقيقي، اذ غالبا ما يأتي ذلك من باب الادعاء أمام الرأي العام، فاتُهمت بعض الأنظمة بالرجعية واخرى تباهت بوصفها تقدمية.

واستنادا الى هذا التصنيف بصرف النظر عن حدود توافقنا معه، فأن جميع الأنظمة التقدمية او من ادعت ذلك شهدت انهيارا مروعا، بينما حافظت الأنظمة التي وصفت بالرجعية على نفسها، وبالرغم من ان ما سمى بالربيع العربي قد أفرز قاموسا جديدا، في غالبه مستعار مما انتجته الثقافة الغربية كالدولة المدنية والمواطنة ومنظمات المجتمع المدني وغيرها، وتحيل جميعها الى رغبة جماهيرية عارمة لاتخاذ الغرب نموذجا للاحتذاء به، ولها الحق في ذلك تماما، فالحياة رغيدة والبلاد مستقرة والكرامة محفوظة والعدالة مكفولة، فالجماهير بوعيها او بغير وعيها تريد مواكبة هذا النموذج، قد لا تدرك ان الارضية غير مهيأة لذلك بسبب مما اسميه بـ (العوز الثقافي)، لكن ذلك لا يلغي شرعية مطلبها، وان بعض الأنظمة السياسية البديلة تتعامل مع هذه المفاهيم كتعامل سابقيهم مع التقدمية والرجعية، بدلالة ادعائها تبني هذه المفاهيم، بينما تثقف المجتمع بكل ما يعمق تخلفه.

لم تكن الرجعية والتقدمية في القاموس القديم، والدولة المدنية والمواطنة في القاموس الجديد تشير الى ما هو مادي، بل ذهبت في جوهرها الى ماهو معنوي، أقصد المضامين الثقافية، ويعج واقعنا العربي بالعديد من الأنظمة التي ليس لها من التقدم سوى البنايات الشاهقة، كيف نكون تقدميين او مدنيين من دون ان نكفل الحريات الشخصية في الواقع وليس على ورق الدساتير؟ وكيف نفعّل دور المرأة في التنمية من دون تمكينها، وكيف نأمل بمستقبل زاهر بلا ثقافة مستنيرة نغرسها في نفوس الأطفال وأذهانهم؟ نتطلع الى مضامين متحضرة وليس الى مصطلحات براقة . وهنا علينا ان نتساءل عن المعايير التي يستند اليها في الحكم على مجتمع معين بالتراجع او التقدم؟

منشغلون نحن بالصراع على السلطة، بينما تنهار قبالة أعيننا مقومات النهوض والارتقاء، انظروا الى الفجوة الحضارية التي تفصلنا عمن حولنا والتي ما عاد بالمقدور قياسها، تأملوا في القاموس اللغوي لشباب اليوم، لتروا حجم الانهيار الذي يشهده المجتمع والدولة ذوقا وثقافة وعلما وأدبا، لن أقلل من قيمة المعدن العراقي بقولي ان المجتمع في غالبه متخلف، واذا كنتم متفقين معي في هذا الحكم، فعلينا جميعا ان نحدد وبدقة المشاريع التنموية التي من شأنها الارتقاء بالمجتمع لنكفل حياة بهيجة لم ينعم بها العراقيون طوال تاريخهم بالرغم من ثراء القواميس اللغوية للأنظمة التي حكمتهم سابقا وراهنا.

ديالى