قاتل.. بإمضائي

قاتل.. بإمضائي

في كل يوم، ينتظر أحمد أمام بيته، مرور إحدى سيارات الباص الصغيرة، وهنا تبدأ محنته مع الأحلام، يقظته كانت ميتة، تحييها لحظات شعوره بقيادة سيارته التي لم تفارق أحلامه، ولأنه ولد في بيئة محافظة، فقيرة وجافة حتى من الأحلام، كان يعتقد أنه الأفضل في منطقته فقط لأنه.. يستطيع أن يحلم. لم يعلم احمد بما ينتظره، عندما يصل إلى وزارة الداخلية، حيث قضى الأيام القليلة منذ تعيينه في شعبة المتفجرات، وحيداَ ومنعزلاً يخشى الحديث مع زملائه الجدد، فهو لم يتقبل يوماً فكرة العسكر، رغم أنه كان موظفاً مدنيا، كونه تخرج من كلية هندسة التقنيات، إلا إن كل من حوله يبث به روح العسكرة الصارخة.

وبينما يراقب السائق تتحرك يداه، مستفزاً كل من حوله، تتحدث ملامحه بخجل حينما ينوي عبور سيارة مسرعة مرت من أمامه، كان كل همه الشعور بالرضا الداخلي عندما تضيق أزقة منطقته بسيارته، التي من المفترض أن يشتريها بعد عامين وثلاث شهور، وفق أخر حساباته.

في بداية شارع فلسطين نزل أحمد, يغوص بين زحام المتوجهين إلى الوزارة، وهنا بدأت رحلة أخرى من أحلامه، فهو الآن لاعب كرة قدم مشهور، يعاكس المارة بمهاراته، وما أن وصل لباب الوزارة الرئيسي، تفاجأأحمد أبن الثلاثة وعشرين عاماً بالعقيد فالح يرحب به..

-العقيد: أهلاً أحمد مهندسنا الشاب والمثابر

-أحمد: على حياء وخجل ومفاجأة

أهلاً بك سيدي.. هل تعرفني؟

-العقيد: كيف لا أعرفك والجميع يتحدث عن إمكانياتك الكبيرة في دعم الوزارة.

أحمد: لا بد أنك مخطأ يا سيدي، أقصد عفواً.. أنا أسف لكن لا بد أنك تبحث عن شخص أخر، فأنا منذ أسبوع واحد فقط باشرت بالعمل.

العقيد: نعم.. نعم.. إذاً أنت مع شطارتك المميزة متواضع جداً، هذا ما أسميه الرجل الحقيقي. قالها وهو يضحك مع جنود من حوله، والكل مبتسمين، إبتسامة غريبة نوعاً ما، لم يستطع أحمد تمييزها.

تعال أحمد تعال.. الوطن بحاجة إلى خبراتك..

مشى أحمد والعقيد يقبض على يديه بقوة، وهو يفكر.. يا ترى ماذا يريد هذا العملاق مني؟ لا بدَّ أنه أخطأ العنوان، أو تشابه عليه الرجال، لا هو عرفني، هل فعلت شيئاً منكرا؟

قطع العقيد أحلام أحمد الجديدة، بصوت مليء بالجلدة العسكرية، أحمد.. أبني أنت مهندس مميز، وشاب مندفع ومتحمس لخدمة بلادك، رشحوك ضباط الشعبة، لتتفحص أجهزة السونار التي ننوي شراءها!

-أحمد: لكن يا سيدي أنا قليل الخبرة و.. و..

-العقيد: لا تخشى شيئاً فالموردون ثقة، ونحن قد سبق وفحصناها سابقاً، بل أنها وصلت لموانئ البصرة، كل ما نحتاجه هو توقيعك هنا على هذه الورقة، وستكون مكافئتك كبيرة..

أحمد يفكر..

مكافأة.. أجهزة.. سونار.. لماذا لا تستوردها وزارة الصحة؟

-العقيد بصوت أعلى.. أجلبوا الخمسين ألف دولار لأستاذ أحمد..

-أحمد: خمسون ألف ماذا يا سيدي؟

-العقيد: دولار يا مهندس دولار.. هل سبق لك أن رأيتها.

لم يجب أحمد، كل ما جال في عقله تلك اللحظة، السيارة (الهمر) التي يعشقها.

-أحمد: سيدي أين أوقع بالضبط؟

وقع أحمد، ذهب مسرعاً إلى معرض الزهور للسيارات، أشترى سيارة الحلم وذهب منطلقاً إلى أزقة منطقة الكفاح، لكنه لم يفرح بها! فلم ينظر أحد إليه ليشبع رغبته الجامحة، كانت عادية ككل السيارات، والزقاق الذي كان يضنه يغص بها، أصبح قادراً على إبتلاعها..

بعد أسبوع واحد فقط.. وعلى مبنى الوزارة، قرأ أحمد نعي شقيق العقيد فالح، بادر بالسؤال.. كيف مات؟ أين يقام مجلس العزاء؟

أخبروه.. أنه انفجار الكرادة حصد أرواحاً عديدة، من بينهم كان شقيق السيد العقيد.

عند بداية رواق غرفته، سمع الموظفين يتحدثون بصوت المستغرب المتعجب..

كيف يعقل أن يعبر الإرهابي بسيارته ثلاث سيطرات سونار؟!

سونار؟! أنا سمعت قبلاً هذا المصطلح، نعم.. تذكرت لقد وقعت على عقد فحص السونار، لكن ما هو السونار؟!

زيدون النبهاني – بغداد