عيد الأم – مخلص مولود

عيد الأم – مخلص مولود

الحياة تلخصت بها، بحركتها، بحنانها، برعايتها، بما تحمله من حب يتجسد على الواقع في كل لحظة تمر، تزرع الامل في كل مكان هي فيه، تغنى بها الشعراء وفاضت بها كتب الكاتبين، يركع امامها حتى الطغاة والمتجبرين، كل قساوة الحياة التي تلقيتها تنهار في لحظة امام حضنها الدافىء، تستقي منها التواصل الحي الذي يتجسد في قلقها عليك رغم انه لا وجود للسبب في ذلك سوى الفراغ الذي تجده فيها عندما تغيب عنها،

إعلم انك لن تقابل من يفني حياته لأجل الاخرين الا هي ولن تجد تفسيرا لذلك الا الحب الكامن في قلبها الكبير، هي من نذرت حياتها لأجل من تحب، لا تسألك اجرا لكل ما تعطي، هي من تعطي العطاء ولا تأخذ شيئا بل يكفيها ان تراك بخير، هي الحب النقي الذي لن يتغير حتى عند صدك عنها..

لا معنى للبيت بدون تلك الروح اللطيفة التي يتحرك بحركتها كل شيء والذي يصبح قطعة فناء خاوية بمجرد غيابها عنه، تتعلم منها منذ الصغر ابسط الاشياء والتفاصيل التي تكون شخصيتك فما ان تغادر البيت صباحا بعد ان بعثرت كل شيء فيه حتى تعود اليه وكل شيء في مكانه ولا تشعرك بما بذلته من جهد وعناء، وتتعلم منها في الكبر اعمق المعاني التي تغيب عنك وما غابت عنها، انها تمثل دور العطاء بأسمى معانيه الذي لن تجده في الكتب والمكتبات، تكبر ويكبر حبك في قلبها، انت غرسها الذي تسقيه وترعاه وترقب نجاحك الذي تحفه بمباركة مما تحمله من ادعية لك فتراها شاخصة متجسدة في حياتك،

هناك مصادر كثيرة للطاقة الروحية منها الرياضة والتعلم والموسيقى والفنون ولكن مصدرا واحدا يعدل كل تلك الطاقات ويتفوق عليها هو تلك الشاخصة امامك هي المصدر الذي لا ينضب، فعندما تتعبك الظروف الصعبة وتخفت روحك وسط زحام العمل وضغوطات متطلبات الحياة تهرع الى المصادر الآنفة الذكر عسى ان تخفف عنك بعضا مما اصابك، الا ادلك على النبع الصافي والمداد النقي، اهرع الى حضن امك وقبل يدها واستقي منها تلك المعاني السامية بجلسة من نور تحفها الملائكة ويذكرها الذاكرون في الملأ الاعلى.

الام، تلك الجنة التي لم ندرك وجودها صغارا وادركناها بعد مراحل العمر لانها لا تشعرك أنها تكبر وتبقى في عينيها ذلك الصغير المدلل حتى وان غزا الشيب رأسك،  تلك المدرسة التي لن تتخرج منها الا بعد ان تفارقكك بل وحتى ان فارقتك يبقى طيفها يأن معك فتتذكرها عند المواقف الصعبة التي تمر بك وتحكي بعضا مما دار بينها وبينك، يرجع بك الحال دائما الى زمنها ليتأكد لك أن كل ما تعلمته وما وصلت اليه الان هو زرعها الذي سقته من روحها واغدقت عليه عطاءها اللامتناهي.

في يوم عيدك الجميع يشعر بالتقصير في حقك ولسان حالنا يقول متى نوفيك اجرك ونتساءل عن ما نقدمه لك ونعلم يقينا اننا لو جئنا بكل كنوز الارض لم تعدل ابتسامة حب نقابلك بها ونقول لك اننا بخير.