عند طبيب العيون

عبدالحق بن رحمون

هذا‭ ‬الصباح‭ ‬قمت‭ ‬بزيارة‭ ‬عيادة‭ ‬طبيب‭ ‬العيون،‭ ‬منذ‭ ‬مدة‭ ‬طويلة‭ ‬وأنا‭ ‬أتهاون‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬تارة‭ ‬أتذرع‭ ‬بحجة‭ ‬أحوال‭ ‬الطقس‭ ‬السَّيئة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تسمح‭ ‬لي‭ ‬بالتنقل،‭ ‬وتارة‭ ‬أتذرع‭ ‬بأن‭ ‬الوقت‭ ‬لايسمح‭ ‬لي‭ ‬بذلك‭ ‬بسبب‭ ‬الاستيقاظ‭ ‬باكرا‭ ‬لمرافقة‭ ‬الأولاد‭ ‬إلى‭ ‬حافلة‭ ‬النقل‭ ‬المدرسي،‭ ‬وانتظار‭ ‬عودتهم‭ ‬من‭ ‬المدرسة،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬مجرد‭ ‬تهرب‭ ‬من‭ ‬الذهاب‭ ‬عند‭ ‬طبيب‭ ‬العيون،‭ ‬لأني‭ ‬أعلم‭ ‬أن‭ ‬الطبيب‭ ‬سيلقنني‭ ‬دروسا‭ ‬ونصائح‭ ‬صارمة‭ ‬تدعوني‭ ‬لكي‭ ‬أحافظ‭ ‬على‭ ‬بصري‭ ‬الذي‭ ‬أجهده‭ ‬بما‭ ‬لاطاقة‭ ‬له‭ ‬به،‭ ‬حيث‭ ‬أجلس‭ ‬تقريباً‭ ‬أمام‭ ‬الحاسوب‭ ‬لما‭ ‬يقارب‭ ‬ست‭ ‬عشرة‭ ‬ساعة‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬وهي‭ ‬موزعة‭ ‬أيضا‭ ‬بين‭ ‬شاشة‭ ‬التلفاز‭ ‬والمذياع‭ ‬والكتاب‭.‬

وأشهد‭ ‬أنني‭ ‬،‭ ‬حافظت‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬بنظارتي‭ ‬التي‭ ‬استنفدت‭ ‬مدة‭ ‬صلاحيتها،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة‭ ‬كان‭ ‬علي‭ ‬أن‭ ‬أراها‭ ‬لكني‭ ‬لسوء‭ ‬الحظ‭ ‬لم‭ ‬أتمكن‭ ‬من‭ ‬الاستمتاع‭ ‬بها،‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬تكون‭ ‬أشياء‭ ‬ليست‭ ‬لنا‭ ‬حاجة‭ ‬لنراها،‭ ‬ونكتفي‭ ‬بالسمع‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬أجمل‭ ‬متعة‭ ‬من‭ ‬البصر‭.‬

وكما‭ ‬قلت‭ ‬ذهبت‭ ‬عند‭ ‬طبيب‭ ‬للعيون‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬دلني‭ ‬عليه‭ ‬صديق،معللا‭ ‬أنني‭ ‬أكره‭ ‬المواعيد‭ ‬الطويلة‭ ‬الأمد،‭ ‬وفعلا‭ ‬بالطابق‭ ‬الثاني‭ ‬بعمارة‭ ‬كولونيالية،‭ ‬ضغطت‭ ‬على‭ ‬الجرس،‭ ‬وفتحت‭ ‬الباب‭ ‬مساعدة‭ ‬الطبيب،‭ ‬وسجلت‭ ‬اسمي،‭ ‬وقالت‭ ‬لي‭ ‬انتظر،‭ ‬بعد‭ ‬قليل‭ ‬سيستقبلك‭ ‬الطبيب‭. ‬قلت‭ ‬حسنا،‭ ‬جلست،‭ ‬وكانت‭ ‬هناك‭ ‬مجلة‭ ‬على‭ ‬الطاولة‭ ‬تصفحتها‭. ‬المجلة‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬نشرة‭ ‬لاحدى‭ ‬المحافظات،‭ ‬قرأت‭ ‬جينيريك‭ ‬التحرير‭ ‬وتصفحت‭ ‬بسرعة‭ ‬محتوها،‭ ‬ومن‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬أقرأ‭ ‬أي‭ ‬سطر‭ ‬من‭ ‬موادها،‭ ‬تذكرت‭ ‬أنني‭ ‬سبق‭ ‬وحصلت‭ ‬على‭ ‬نسخة‭ ‬منها،وهي‭ ‬تجربة‭ ‬انخرطت‭ ‬فيها‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المحافظات‭ ‬بالمغرب‭ ‬تبرز‭ ‬فيها‭ ‬مشاريعها‭ ‬التي‭ ‬تندرج‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬القرب‭ ‬والمواطنة‭ ‬،‭ ‬لكنه‭ ‬للأسف‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الدوريات‭ ‬توقفت‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬سبب‭ ‬فالجماعات‭ ‬المحلية‭ ‬بالمغرب‭ ‬لا‭ ‬تفتقر‭ ‬للمال،‭ ‬فكل‭ ‬شيء‭ ‬يذهب‭ ‬ويزول‭ ‬لكن‭ ‬المكتوب‭ ‬الورقي‭ ‬يبقى‭ ‬ويدوم‭.‬

المهم‭ ‬في‭ ‬عيادة‭ ‬الطبيب،‭ ‬ستدور‭ ‬أحاديث‭ ‬كثيرة‭ ‬مع‭ ‬نفسي‭ ‬تمنيت‭ ‬أن‭ ‬يطول‭ ‬انتظاري‭ ‬لأقيد‭ ‬بعض‭ ‬الأفكار‭ ‬وبعض‭ ‬الكلمات‭ ‬الهاربة‭ ‬كالفراشات‭ ‬الملونة،‭ ‬فعدد‭ ‬المغاربة‭ ‬الذي‭ ‬يضعون‭ ‬نظارات‭ ‬بلا‭ ‬حصر،‭ ‬فهم‭ ‬في‭ ‬تزايد‭ ‬مستمر،‭ ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬عيبا‭ ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬أشخاصا‭ ‬يحرصون‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬نظارات‭ ‬طبية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬سلامة‭ ‬العينين،‭ ‬وصفائهما‭ ‬وحفظهما‭ ‬من‭ ‬التلوث‭ ‬المنتشر‭ ‬في‭ ‬بيئتنا؛‭ ‬وحدهم‭ ‬أهل‭ ‬البدو‭ ‬والقرى‭ ‬النائية،‭ ‬من‭ ‬لهم‭ ‬بصر‭ ‬حاد‭ ‬وغير‭ ‬ملوث‭ ‬بإضاءات‭ ‬مرتفعة‭ ‬القياس،‭ ‬كما‭ ‬حالنا‭ ‬نحن‭ ‬سكان‭ ‬المدن،‭ ‬فالبدو‭ ‬لهم‭ ‬بصر‭ ‬مثل‭ ‬زرقاء‭ ‬اليمامة‭.‬

لحظات‭ ‬قليلة‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬شرود،‭ ‬قبل‭ ‬تنادي‭ ‬على‭ ‬اسمي‭ ‬المساعدة‭ ‬وتدعوني‭ ‬إلى‭ ‬الدخول،‭ ‬سلمت‭ ‬على‭ ‬الطبيب‭ ‬وقبل‭ ‬بداية‭ ‬الفحص‭ ‬بالأجهزة‭ ‬الخاصة‭ ‬بفحص‭ ‬العيون،‭ ‬دعاني‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬صحيفة‭ ‬مغربية‭ ‬تتضمن‭ ‬عناوين‭ ‬ومواضيع‭ ‬مختلفة‭ ‬كلها‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬الحكومة‭ ‬وتداعيات‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬جرادة‭ ‬،‭ ‬وقرأتها‭ ‬بطلاقة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬نزعت‭ ‬نظارتي‭ ‬القديمة،‭ ‬ثم‭ ‬شرع‭ ‬في‭ ‬قياس‭ ‬بصري‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تجديد‭ ‬النظارات‭ ‬وبدأنا‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الأوقات‭ ‬الكثيرة‭ ‬التي‭ ‬نقضيها‭ ‬أمام‭ ‬الحاسوب،‭ ‬والطبيب‭ ‬بدوره‭ ‬قال‭ ‬إنه‭ ‬بدوره‭ ‬صار‭ ‬يقضي‭ ‬مدة‭ ‬طويلة‭ ‬أمامه‭ ‬،‭ ‬لذلك‭ ‬فضعف‭ ‬البصر‭ ‬حالة‭ ‬اصبح‭ ‬يعاني‭ ‬منها‭ ‬الجميع‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬استثناء،‭ ‬لذلك‭ ‬نصحني‭ ‬بالنوم‭ ‬المبكر‭ ‬وعدم‭ ‬السهر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اللازم‭ ‬كلنا‭ ‬معنيون‭ ‬لأننا‭ ‬ننظر‭ ‬ونطيل‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬ونمسح‭ ‬غبار‭ ‬زجاج‭ ‬النظارات‭ ‬لكي‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬ما‭ ‬يفيد‭ ‬وما‭ ‬لا‭ ‬يفيد،‭ ‬نغض‭ ‬الطرف‭ ‬عنه‭ ‬وندعي‭ ‬أننا‭ ‬عميان،‭ ‬وهل‭ ‬صحيح‭ ‬كل‭ ‬الناس‭ ‬عميان،‭ ‬نعم‭ ‬بدليل‭ ‬حينما‭ ‬يخطئ‭ ‬في‭ ‬حقك‭ ‬شخص‭ ‬ما‭ ‬يقول‭ ‬لك‭ ‬معتذرا‭ ‬‮«‬اسمح‭ ‬لي‭ ‬لم‭ ‬أرك‮»‬،‭ ‬ولهذا‭ ‬فالأعمى‭ ‬والمبصر‭ ‬سواء‭ ‬،‭ ‬لأن‭ ‬البصر‭ ‬لا‭ ‬حدود‭ ‬له،‭ ‬سوى‭ ‬أننا‭ ‬قد‭ ‬نصدق‭ ‬من‭ ‬رأى‭ ‬ومن‭ ‬لم‭ ‬ير،‭ ‬فشدة‭ ‬الأعمى‭ ‬يوصون‭ ‬دائما‭ ‬بالحذر‭ ‬منها‭.‬