عندما يتكلم الجندي المجهول – مقالات – ثامر مراد

عندما يتكلم الجندي المجهول – مقالات – ثامر مراد

ليس من مات في الحرب وحيداً ولم يُعثر له على جثة هو مانطلق عليه بالجندي المجهول. هناك آلاف الجنود المجهولين الذين لازالوا على قيد الحياة بَيْدَ أنهم صامتون ساكتون لاينطقون فتاريخ المسي التي مروا بها يعصر قلوبهم ويتمنون الموت على أن يذكروا ماكان قد حدث لهم لأعتباراتٍ نفسية كثيرة. هم ينشدون النسيان بكل مبرراته كي لايتذكروا تلك الساعات العصيبة التي مرت بهم يوماً ما. أنا واحدٌ من أؤلئك الجنود المجهولين. بعد سنوات من تلك ألحوادث المرعبة التي حدثت لمئات لا بل آلاف الجنود الذين زج بهم – القائد الضرورة- في أتون تلك الحرب المدمرة في صحراء الكويت وكأنه يريد إعدامهم بالجملة أو معاقبتهم . كان يتصور أن غطرسته وكبرياءه هو الذي سيحقق النصر على كل الجيوش الموجودة على كوكب الكرة ألأرضية . لاأريد الخوض هنا في أسباب المعركة وتاريخها المرير. تاريخ الحرب ذكرها متخصصون في شؤون التاريخ وحللوا كل جوانبها وأبعادها وصدرت مئات المخطوطات الورقية وألأفلام التي بثتها عمالقة الشبكات التلفزيونية . لم يعد هناك شيء مخف أو يدخل ضمن سلسلة ألأسرار العسكرية. لم يعد هناك أي سر في بلدٍ إسمه العراق. هناك بعض ألأسرار البسيطة- مع العلم انها ليست أسرارا بالمفهوم المتعارف علية, بل صرخة مدوية من – جندي مجهول يحفظ عن ظهر قلب ملايين الحكايات القابعة في عقلة اللاواعي يتمنى أزاحتها كي يرتاح ويشاركها ألأخرون الذين لم يكونوا على قيد الحياة في تلك اللحظات العصيبة التي مر بها ذلك الجندي المجهول. ” كانت السماء ملبدة بغيومٍ كثيفة جدا ودخان آبار النفط تغطي سماء الوحدة العسكرية التي كنتُ أحد البؤساء المنتمين اليها. صدر ألأمر لي من مسؤول مكتب القلم أن هذا اليوم هو دوري في الذهاب الى مقر الفوج الذي يبعد أكثر من أربعة كيلومترات عن وحدتنا. كل يوم يذهب جندي لنقل بريد سريتنا الى مقر الفوج. حاولت ألأعتذار بشتى الطرق أن أقوم بأي عمل آخر غير نقل – البريد اليومي- لتوقيعة من قبل ألآمر الكبير. لم تجدي كل محاولاتي. وقف العريف قربي وهو يشير الى الصحراء الرملية المترامية ألأطراف. أخبرني أن أسير بصورةٍ مباشرة وخطٍ مستقيم بأتجاة الشاخص الذي لااراه أبداً. كان علي أن اسير بمحاذاة سلك أسود ممتد على ألأرض من موضعنا المدفون تحت ألأرض الى مقر الفوج. أي إبتعاد عنه معناه الضياع التام في الصحراء وربما أبقىَ أدور في مكاني كغابة ليس لها حدود. أكد لي زميلي أن السلك سيوصلني الى غرفة ألآمر بسهولة. ركضت بسرعة أتأبط ألأوراق الرسمية التي تحمل مواقف وحدتنا اليومية بكل تفاصيلها. بعد الهرولة لأكثر من ربع ساعة إختفى السلك ألأسود الممتد على ألأرض- . جلستُ على ألأرض أتفحص السلك وإذا به مقطوع تماماً. حاولت العثور على القطعة ألأخرى التي تكمله ولكن دون جدوى. الرمال كثيفة جداً يضيع فيها كل شيء. نظرتُ الى الوراء. لم أشاهد وحدتي العسكرية كأنها إختفت خلف ألأفق البعيد. تطلعت الى أقصى نقطة الى ألأمام ..لم أشاهد أي شيء. نظرتُ في كل ألأتجاهات لم أشاهد إلا كثبان رملية. راح قلبي يدق بقوة كأنني على وشك الهلاك. . . الرؤية بالنسبة لي معدومة . شعرت كأنني أعمى. كانت ذرات الرمال تصطدم بنظارتي الطبية بقوة. رحت أركض كالمجنون لاأعرف في أي إتجاه أسير. شاهدت طائرة سوداء مرعبة تحوم في السماء – أراها بوضوح- . بلا وعي تمددتُ على ألأرض بلا حراك. نهضت بعد فترة وركضت بلا هدف. وأنا ألهث كالتائه في بحرٍ لجي سمعت رجلاً يصرخ بأعلى صوته ” قف وإلا أطلقت النار عليك” . تسمرت في مكاني ورفعت يداي في الهواء وسقطت ألأوراق على ألأرض. لاأعرف من أين جاء هذا الصوت. لحظات مرعبة حقاً. أمرني أن أحمل ألأوراق وأتجه اليه. شاهدتُ بندقية مصوبة نحوي من فتحةٍ تحت ألأرض على بعد خطوات مني. فرحتُ وخفت في نفس الوقت. سحبني جسدُ عملاق ذو عضلاتٍ مفتولة الى حفرتة . ” تريد الهرب من المعركة ..سأمزق جسدك بهذه البندقية ” . صرخت بصوت مرتعش ” قبل أن تطلق النار علي خذ هذه ألأوراق وأتصل بآمر وحدتي وسيخبرك بكل شيء” . ضحك بسخرية وهو يؤكد لي أن جميع الجنود الهاربين يقولون نفس الشيء ..لابل يحملون نماذج رسمية يستخدمونها كأجازة دورية. راح يتصل برقم الوحدة التي أنتمي اليها وهو يؤكد لي أنني سأموت ألان بطلقاته إن لم أكن صادقاً في إدعائي. حينما تأكد من أنني صادق. نظر الي قائلاً ” حسناً المكان الذي تروم الذهاب الية في الجهة المعاكسة بالضبط ..أنت تعود الى البصرة دون أن تشعر..عد من هناك وسأخبر الخنادق التي ستمر بالقرب منها أنك ذاهب الى…..” عالمٌ غريب من الجيش يسكن تحت ألأرض. وأنا أركض من جديد الى الجهةِ المعاكسة سمعتُ أنفجاراً مدوياً من بعيد بنفس ألأتجاه الذي أركض نحوه. إرتفعت سحب الدخان كأنني أشاهد فلماً سينمائياً من أفلام الحروب العالمية. أنبطحتُ على ألأرض أكثر من ربع ساعة. نهضتُ مرعوباً كأنني بلا شعور..بلا إحساس مطلق. كنتُ أخاف جداً من القنابل الصغيرة التي تلقيها الحاويات العملاقة على طول الصحراء كل يوم. قنابل صغيرة بحجم – علبة جبن الكرافت الصغيرة- تبتر الساق – وهذا ما كان يحذرنا منه ألآمر كل يوم-. وأنا أركض بلا شعور تراءت لي كل صور الحياة التي مررت بها. في اللحظة التي وصلت بها الى المكان شاهدت مسؤول مكتب القلم ينتظرني في باب خندقة وقد إعتراه خوف علي. أكد لي أن عدة إتصالات وصلت من جهات مختلفة تخبرني عن وجودي في الصحراء لوحدي. بسرعة البرق أخذ ألأوراق مني . بعد قليل عاد وهو يقول بأنه سيرسل معي جنديا يرافقني الى منتصف طريق العودة كي لاأقع في فخ – فرق ألأعدامات المنتشرة على طول الصحراء-. لم أتناول إلا قليلاً من الماء وعدت أركض من جديد مع الشخص الذي يرافقني. كان متمرساً جدا في طريق الصحراء وكأنه يحفظها عن ظهر قلب. بين فترة وأخرى يطلب مني أن نستلقي على ألأرض خوفا من الطائرات التي تجوب سماء الصحراء طيلة ساعات النهار والليل. أكد لي أن الطائرات ترانا ولكنهم لايضربون الجنود البسطاء أمثالنا..هم يعرفون أننا ليسنا أهدافا مهمة. توقف الشخص – الذي لم أعرف حتى أسمه- وطلب مني الركض لوحدي بأتجاه عمود كبير على مرتفع شاهدتة بصعوبة بالغة. وصلت – المكان المحفور تحت ألأرض- الذي نتخذ منه مكتباً لقلم الوحدة. جلست على ألأرض محطم القوى كأنني قادم من مكان ليس له وجود على خارطة المعركة. 45 يوما لم أخلع ملابسي ولم اضع قطرة واحدة من الماء على جسدي. كانت المؤونة قليلة جدا ونتوق الى سيكارة واحدة. نفذت سكائرنا . لاأحد يستطيع الذهاب الى البصرة لجلب أي شيء لنا. آمر الوحدة يحتفط بطعام جاف كثير جدا في غرفة تحت ألأرض ولايسمح لأي أحد أن يقترب منها لأنها أرزاق طوارئ قد نحتاجها يوما ما. زميلي الجندي أحمد وعدني أنه سيطو على تلك الغرفة في منتصف الليل. حاولت بشتى الطرق أن أثنية عن عزمة خوفاً من العقاب الصارم. عند منتصف الليل راح يزحف على بطنه في ظلام كثيف جدا- لاأعرف كيف سيصل الى المكان المحدد- بعد ساعة ونصف خلتها دهراً عاد وهو يحمل في ملابسة أنواع من معلبات السمك والماء المقطر . كنا ثلاثة في الخندق تحت ألأرض. وزع علينا بالتساوي جميع ألأشياء ورحنا نتناولها بنهم كأننا لم نرَ طعاما في حياتنا. نمنا عند الفجر مسرورين من ملء بطوننا الخاوية. قبل أن اذهب في سبات عميق قال أحمد بسخرية: ويريدوننا أن ننتصر ونحن لانملك حتى طعام؟ أي غطرسة وعنجهية تلك التي يحملونها هناك في بغداد؟ نحن ننتظر الموت هنا. حقاً أننا بؤساء. في اللحظة التي تدخل فيها القوات الغازية ساذهب معهم وليحترق كل شيء هناك في بغداد.” ظل يتحدث ولكنني لم اسمع بقية الحديث فقد رحت في نومٍ عميق رغم اصوات الطائرات المخيفة التي تحوم فوقنا بسيادة كاملة” .