عندما يبكي الماء للشاعر شلال عنوز

1410295668741

 عندما يبكي الماء للشاعر شلال عنوز

شعرية الخطاب بين التشكيل اللغوي والتمظهر البصري

خيرة مباركي

مثلت قصيدة “وبكى الماء” إحدى أهم أعمال الشاعر العراقي “شلال عنوز” . لعلها نموذج للقصائد التي عدت منعرجا هاما وحاسما للكتابة الشعرية عنده . أو لعلها أقرب إبداعاته إلى نفسه.. ولأهميتها سمى الديوان على اسمها ..وهي القصيدة العشرون منه، بعد العديد من القصائد التي عبرت عن هواجسه الوطنية… فبعد “أيها العيد الذي صادرته المجازر” و” مدائن من رحيل” و”هو وجع في جوف الليل ” وغير ذلك من عناوين شملها الديوان.. تأتي القصيدة «وبكى الماء” وكأنها تختزل أقصى ما حل بالوجدان الناطق من خيبات الواقع وانكساراته .. وأبلغ مراحل الألم والمعاناة ..لتغدو نموذجا للقصيدة الدرامية التي تحتشد فيها الصراعات وتحتد فيها المواقف ..إنه الصراع الذي يحتدم داخل الذات لينعكس على الموضوع أو قل يشتد وطيسه في وطن تبخرت أحلامه بين العواصف الماجنة والابتكارات الدينية وفسوق المذهبية .. فبين الذات والموضوع مساحات فاجعة في نسيج النص تنبئ عن هموم داخلية من ناحية ، وهموم المرحلة التاريخية وانعطافاتها من ناحية ثانية لتنفتح على هموم الكتابة ومخاضاتها ، وهذا ما يجعلنا أمام فعل كلامي يتجه إلى توظيف العلامة اللغوية في مستوياتها المختلفة : الصوتية والمعجمية والتركيبية والرمزية في ذات النص ..إنه نسيج كلام وحوار بين العلامة والعلامة ..هو كيان مخادع ظاهره يخفي باطنه، يضمر أكثر مما يصرح..وهذا ما يجعلنا نتجاوز الحديث عن الشاعر والواقع إلى الحديث عن النص في علاقته بمتلقيه ، حيث تغدو القراءة ضربا من الجدل بين القارئ والمقروء ..وخاصة من خلال جملة من الثنائيات التي مثلت ركيزة هذا الخطاب ..هي بمثابة مفاتيح للفضاءات المحجبة .. وهو الشيء المميز الذي نلج به عالم النص..إنها ثنائيات الماضي والحاضر ، الحلم والرؤيا ، الواقع والمتخيل ، البياض والسواد ال”أنا” وال “أنت” ، الحياة والموت .. قد تعبر عن سقوط الحلم ومرايا الانكسار ولكنها تعلن اتساقا فنيا ونظاما في كيان اللغة وشعرية في الخطاب..

وأول ما يطالعنا في هذه القصيدة هذا التشكيل البصري لفضاء الصفحة وهو تشكيل ممتد فيه حشد من الكلام ترجم عن رغبة صاحبها في إخراج طاقة كلامية استرسلت استرسالا ووفاقا في دفقة شعورية، فيها تكثيف للمادة المنطوقة وصلت إلى ثلاثة عشر صفحة. تقوم على ثنائية أولى هي ثنائية العنوان والمتن .. وثنائية ثانية أثبتها تقسيم وتفضئة بين لوحة أولى ولوحة ثانية يفصل بينهما نهر من الفراغ شاسع ..

فأما الثنائية الأولى فهي تقوم على نص أصغر هو العنوان ونص المتن..وبالنظر إلى البعد النحوي التركيبي فقد بدئ العنوان ب “واو”.. وبالرجوع إلى استعمالاتها الثمانية كما جاءت في كتب النحو القديمة فهي “واو” الاستئناف على نص غائب..قد يكون نصا شعريا افتراضيا أو مكتوبا وقد يكون هذا الذي أمامنا..ولكن قد يتجاوز النص إلى ما بعد النص ليعلن الشاعر عن أسن الواقع وانكساراته في قصائد أخرى في الديوان أو من خلال القصيدة ذاتها ، لتصل الأمور إلى أقصاها حيث بكى الماء .. وهنا يظهر البعد البلاغي القائم على التأويل فيوحي “الواو” بوضع كارثي فاجع تصل فيه الأمور حد أن يبكي الماء ..كائن آخر غير الإنسان يمكن أن يبكي ، كل عناصر الوجود تقف ساهمة ..بذلك يوقفنا السياق إزاء صورة فنية تنبني على استعارة مكنية قائمة على التشبيه المبني على التشخيص فيشبه الماء بالبشر الذي يبكي لأنه وحده من يتأثر وينفعل باعتبار أن لفظ “بكى” هو بالأساس فعل يترجم حالة شعورية انفعالية ، وهو التعبير الفيزيولوجي عن حالة الحزن واليأس في الغالب ..وبكى الماء لغة تعصف بمعقولية الأشياء فكيف ينسكب الماء من الماء ؟ هذا هو الواقع الذي أعيته لغات الأرض في التعبير عنه .. فاستدار إلى كل صوب يستعير لغته حتى وصل لغة الماء لعلها تقوى على التعبير..وهاهو الواقع يصحو من باطله فيكشف فظاعة الخديعة والوهم ..ولكن .. بكى الماء لم يصمد أمام انكسارات هذا الواقع ..نزيف الدم على عتبات الوطن أقوى من أن يحتملها كائن ولو كان جامدا.. لم يبق أمامه إلا أن يستغيث على بوابات قهره.. وآلامه القاسية التي لا ترحم، وليس لجراح الحياة من بلسم سوى الدمع النازف من المقل..إنه تعبير عن واقع دميم ، دام ..حاضره يحيض وماضيه ملوث ..يريد أن يغتسل منهما ويشفى..بذلك فبكاء الماء قد يكون مقدمة لخيبة .. فالماء رمز للخصوبة والانبعاث في قوله تعالى “وجعلنا من الماء كل شيء حيا “، وكأن عشتار من تبكي على فناء الجمال واندثار الحياة والموت ، فيبكي بملح الرمل ويولول في الفضاء ، تصفعه الخطى المخذولة البلهاء في الطريق المفجوع بالحواجز والموانع ..ولا يبكي وحده بل استعار نائحات باكيات من عناصر الوجود الأخرى..لقد شاركه الرمل :

كل ذرة رمل

تريك مصرع عشقها

تنتحب باكية هذا

الانهيار

الانحدار

هذا المأزق المريع

والسماء:

عشية يوم بكته السماء

وحدك تبكي

دما

وجعا

صارخا:

أين الوطن ؟

كما شاركته النار:

لا أحد يحس

بهذا البركان الذي

يتفجر في أعماقك

يستعر زفيرا

مدنا من لهب

يتأجج ولا مدى

لحدود حرائقه

إنها العناصر الأربعة لكسمولوجية الكون (الماء ، الأرض ، الهواء ،النار) كل عناصر الوجود باتت متحفزة لهذا الحدث الجلل وأي حدث أعمق وأخطر من أن تنتحر الجنادل وتنوح النوارس على الوطن المفجوع ؟ وما أعظم من أن يتشيطن الغدر على أديمه وتنتحب الرمال على مصرع عشقها ويتهاوى النازفون المتخاذلون الملتاعون من نحيب الضوء .. الرابضون على هسيس الفواجع يتناسلون من الحوافر المنكسة .. إنها قلوب تشرئب صوب العواصف المتعبة بنبيذ الكثبان المترهلة من ريق العطش .. ولم لا يبكي الماء ؟؟؟؟ فالفرات صادرته الدماء ورقصت على أديمه نياشين (الجنرالات) واستباحت أجرامه المحرمة وغزت وطنا مركوما للضجيج ..لقد بنى الشاعر خطابه على أساس علائقي جديد وكأن فوضى الأشياء في هذا الواقع الفاجع جعله يعيد ترتيب نظام اللغة ويقدم تشكيلا جديدا للعالم والأشياء ينفصل عن الواقع ويذهب في اتجاه أفق يبقي على احتمالات القراءة .. وتأكيدا على هذا البعد العلائقي يبسط العنوان ظلاله على النص ويحدد هويته ، بهذا فما يطالعنا في هذا التشكيل الممتد جملة من الوحدات البصرية القائمة على بنية مخصوصة أقام من خلاله عالما متموجا منخرطا في فضاء مكاني إيقاعه البياض والسواد ،هو أشبه بجدول ماء ممتد وفقا لتكسير خطية البناء الشعري والنزوع إلى التموج من خلال حركة الأسطر التي تتحول بفضل التقلص والانحسار تارة والامتداد والتراجع طورا.. مما يجعلها قائمة بين المد والجزر ..وهذا من شأنه أن يجعل النص لوحة تشكيلية أو هي صورة بصرية يتوارى فيها المدلول وراء هيمنة الدال :

لا أحد يحس

بهذا البركان الذي

يتفجر في أعماقك

يستعر زفيرا

مدنا من لهب

يتأجج ولا مدى

لحدود حرائقه

الموغلة في صمت الغابات

أنت وحدك

تصفعك الخطى المخذولة

البلهاء

في الطريق المفجوع

بالحواجز

بالموانع

بالعسكر الذين لا ترى

في وجوههم وطنك

بهذا تنزاح الأسطر عن مواقعها الأصلية وكأنها تتحفز للفراغ والصمت وهذا ما يجعلنا نقف على إيقاع البصر الذي يعاضد الإيقاع السمعي ليكشفا عن خبايا الذات..فنظام الأسطر يعلن عن حركة الماء وهي حركة متمهلة ، متباطئة ، متعبة ، مخذولة ، مثقلة بالمآسي .. إنه ماء يحتضر في سيره لعله إشارة إلى هذه الحياة التي تطل على الفناء وتعانقه.. بهذا فقد بدا هذا النص متحررا كالماء يجري لا نقف له على أثر..متحرر من كبت الذات المتلفظة ، تلفظ أنفاس أبجدية مجنونة لعله صوت الرحيل إلى دنيا الغياب ..رحيل من جنون الحرب إلى جنون الكتابة .. ويعبر عن ذلك بلوحتين ونصين من مدونات سنة ثلاث وألفين أشار إليهما بالرقمين (1 و2)قد تكون العلاقة بينهما علاقة تراتبية ، زمنية أو مجرد تواتر فرضه السياق .. لكن ما يشدنا أسلوب الشاعر بين اللوحتين رغم أن الظاهر يفصح عن توافق كلي في معاني اللوحتين ..فقد غلب على اللوحة الأولى الأسلوب الخبري وتعلق هذا الإخبار بضمير المخاطب “أنت” وهو في تقديرنا بمثابة الحوار الباطني ولكنه مكتوم لا صوت فيه إلا خطابا لا يتعدى حدود الذات الناطقة .. وهذا الخطاب من شأنه أن يضفي حركية في مواجهة الذات وحرية أكثر في البوح من ناحية . ومن ناحية ثانية يعطي للغة شاعرية أكثر في شحن الوجدان والإفصاح عن أغوار النفس في تشنجها وانبساطها وفي تقوقعها وانغلاقها وغربتها .. وهذا ما يجعلها ترقى عن مجرد الإبلاغ إلى وظيفة تأثيرية تعتمد آلياتها الخاصة لتفرز ما يعتمل في ذات الشاعر من مرارة وانكسار..فقد بدت الوحدة الأولى بمثابة البركان الذي يتفجر في نسيج النص يخبر به الشاعر عن صخب هذه الذات وضجيجها في علا قتها بالموضوع والعالم الخارجي ..فيتكثف الخطاب عبر مخاطب يستثيرنا وجوده فمن هذا الذي يخاطبه الشاعر ويرصد حركاته وسكناته ؟ قد يكون ال” أنت” المخاطب : الوطن أو الماء كلاهما وجهان لعملة واحدة.. فالماء هو الوطن والوطن هو الماء إذا ما اعتبرنا الماء ضربا من المجاز المرسل ولعل الماء ليس المقصود بالخطاب بل يشير به إلى نهري دجلة والفرات إذا فهو مجاز علاقته الحالية، أطلق فيه الحال وأريد به المحل:

من يبكي معك ؟

أنت ضحية

جنون السلطة

وقد يكون هذا المخاطب أنا الشاعر..فكأنه يصف نفسه وهو يكتب أو يفكر في هذه القصيدة يسير على غير هدى.. مهزوما يضيع به الطريق ويبتلع صراخ المواسم..يتسكع بين الماضي والحاضر ..وينزف بجراحاته على موائد الوجع ومخاضاته .. وهو يواجه العدم ..وكأن القصيدة تحكي ذاتها وظروف ولادتها وهذا أمر طريف..فالقاعدة هي أن ظروف نشأة النص يعلن عنها من خارج النص الإبداعي غير أن الشاعر قد يكون كسر القاعدة وأطلق العنان للقول الشعري أن يعلن دون قيد عن كل الملابسات التي حفت به ، بهذا قد تصبح القصيدة سجن الشاعر أو ملاذه وتتحول إلى طرف فاعل فيه ، مؤثرة .. بهذا تحتشد هذه اللوحة بكل معاني الانكسار والهزيمة موصول بالغضب ليعبر عن ذاته وقد اكتوى بنار تجربته وغربته فاستوى سعيرا وبركانا يتفجر، يستعر زفيرا وتتأجج حرائقه فشرع يصور عوائق وحواجز الآمال التي تصفعه خيبة باستحضار مشهد الاحتلال:

(….)

بالعسكر الذين لا ترى

في وجوههم وطنك

(….)

تحت سرف دبابات

الليل الغازي

ومشهد السلطة وما يحيط بها من صراعات وفتن و جنون إنها الحياة السياسية التي تملأ الدنيا ضجيجا وخداعا فكل ما فيها زائف مغشوش ، إنه نفق الساسة ،نفق آسن ..فهم مجرد رحل ظاعنين مسافرين عابرين لا يعنيهم الوطن إلا بمقدار ما يفيدون منه ويرضعوا من ثديه :

أنت ضحية

جنون السلطة

نياشين (الجنرالات)

الهتاف الفارغ

إضافة إلى الفتن الداخلية وهذا النزيف الجماعي الذي تغذيه الصراعات الإيديولوجية .. كل شيء يعبث فيه السواد وتنتحر على عتباته الأماني..ويستغرق الشاعر في تصويره المتدفق كأنه لا يريد أن يتوقف فيعرض مشهد الهزيمة بكل تفاصيلها ويستحضر صورة الجيش العراقي وكأنه يقف على أطلال مجده:

أنت أمام كارثة

الهروب الجماعي

وبقايا جيش تبخر

عشية يوم بكته السماء

هنا يعلن الشاعر صوت الهزيمة إنها صورة الجيش الذي كان من أقوى الجيوش العربية يتبخر ويتلاشى بذلك فنصرة العراق غابت بين لهيب الفتنة وشرارة الشعوبية.

أما اللوحة الثانية فيتحول فيها الخطاب من الخبر إلى الإنشاء ومن المكاشفة إلى المحاسبة ،فتتدرج فيه حالة الشاعر إلى الانفعال والتوتر لتنشأ دينامية في الحركة النفسية من عرض الواقع وفضحه إلى التأثر به ومخاطبته ..وهذه الدينامية تقترن بصيرورة الذات المتلفظة نحو إعلان المحاسبة وهو إعلان عن أقصى ما وصلت إليه حالة الشاعر من وجع وألم ..لذا فهو يتجاوز كونه مجرد إنسان متقوقع في المكان إلى شاعر ملتزم بقضية وطنه، ولكنه يتجاوز الحاضر ليعود إلى التاريخ والأسطورة ويجعل من الراهن حلقة من سلسلة صاغ الماضي ملامحها.. ويصبح هذا الواقع مطبوعا بانفعالاته ويجعل من صوته حقيقة يدعمها التاريخ وتصدح بتفاصيلها الأسطورة التي رتقها الزمن وأعادها إلى الحياة:

أيها الماء

لا تكترث لهذا اللغو

الهمجي

فصوتي هو الحقيقة

الآتية من

أعماق بابل

تشظيات كلكامش

وجع علي

حرارة دم

الحسين

لقد استحضر هذه الرموز في شكل من التقمص فالماضي هو الحاضر والحاضر هو الماضي.. كل يرتدي حلة الآخر وكأن القتل والاغتيالات باتت جبلة في العربى ،وتراثا تتناقله الأجيال ،هدير الموت الصاخب الذي يعصف بالواقع العقيم والدميم الذي تنشق فيه الشمس ويصلب النهار، ويضيع الطريق ..يصبح الوطن بلا بندقية وحراسه يهربون عراة بأول مواجهة وأول صافرة لص دخيل ..إنها صورة الخيبة والانكسار والخيانة : خيانة داخلية وأخرى خارجية ،كما في اللوحة الأولى ولكن يعلنها صراحة بنداءاته التي أخرسها الصهيل .. وآهاته المرهقة بالعويل.. المشطوبة بالرايات المنكسة ..بصفير الريح .. بياءاته وتمهلها التي تحلم بالإنعتاق وتخرسها الأهازيج .. فينهار الحلم ويتحول التاريخ والأسطورة إلى بعد سياسي.. وتتحول مواجهة الموت إلى مواجهة أبدية وهذا ما يدعم الحس المأسوي في القصيدة..فتغدو رثاء للوطن من راث انغرس سكين الهزيمة في قلبه ليعلن نزيف الذات ..فيقترن الزمن بالوجع والعتمة وحفيف الغربان :

هذه الغربان التي

حفت بها شرور

أزمنة الضياع

تجوب سماءك مستهزئة

براياتك المنكسة

وهذه الغربان قد تكون رمزا للشرور والضياع أو لعلها صورة الفجيعة الصامتة..ويمكن أن تشير إلى طائرات الاحتلال… ويرتبط الماء بالعطش :

لماذا نحن بلاد

من عطش ؟

أنهار بلا ماء ؟

كما يربط الماء بالبندقية:

أيها الماء الخالد

هل رأيت وطنا بلا بندقية ؟

وتقترن الحياة بالموت:

هل رأيت أمة

تذبح البراءة

ليتناسل الإجرام ؟

والمقدس بالمدنس:

لماذا نحن دون خلق

الله

نصفق للأشباح

ننشد للمهزومين ؟

نقدس طغاتنا

نظفي على القاتلين

العصمة.. والعظمة ؟

والطهارة بالنجاسة :

أجبني أيها الماء الخالد؟

هل رأيت أمة

تتوضأ بالدم ؟

والحب بالكراهية :

تنشئ مصانع

للكراهية ؟

تقاوم الحب

بالسلاح لتصادر

الأمل ؟

بهذا يعلو الندب ونغمة الفقد في نسق عجيب من الشجن والقنوط تكونه سلسلة من الأسئلة المتلاحقة التي تخرج عن وظائفها الأصلية لتؤدي وظيفة فنية هي التعبير عن المشاعر الباهظة التي يرزح الشاعر تحت وطأتها.. بكل ذلك تتشكل شعرية الخطاب التي يتعانق فيها التصوير بالتعبير.. والمنطوق بالمرئي.. والذاتي بالموضوعي .. إنها قصيدة الثنائيات..وهذا ما شكل الإيقاع فيها .. ويكون بذلك شاعرنا قد وازن بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، لأن هذه الصور والتراكيب، وهذا التحول من الإخبار والتقرير إلى الإنشاء والانفعال إنما يضفي إيقاعا موسيقيا،وأجواء متغيرة ، تغير النفس المتلفظة بأوجاعها ومرارتها، يثوي بين أعطافها ..وهذا ما يؤكد وشاجة الصلة والعلاقة بين إيقاع السمع وإيقاع البصر.. ويتأكد وقعه ويزيد من خلال هذا النسق التصاعدي على مستوى الأصوات التي يعلنها التحول من الهدوء إلى الانفعال ومن الصمت إلى اللغة ..ولعلها دعوة ضمنية إلى الإفاقة بالحلم من خلال هذه الكلمات التي تجيء حبلى بالرفض في فضاء المثلث الإيقاعي:البصر والسمع والصورة..بهذه الأنساق التعبيرية يعلن صوت الرحيل إلى بنية الغياب ، رحيل من جنون الحرب إلى جنون الكتابة ..بهذا فما يطالعنا في قصيدة الشاعر شلال عنوز منظور إبداعي شعري تتمرد فيه الكتابة على انتظامها وفق أسس وقواعد مأنوسة وتمنح للمتلقي حرية القراءة التي تذهب بدورها في أكثر من اتجاه ..

إنه نص بمستوى تركيبي علامي، يحدث أنساقا بصرية تستلزم شروط تقبل متميزة ..ولئن انتهت هذه الدراسة كتابة ، فإنها تبدأ انشغالا وتفكرا في إمكانيات جديدة للتناول والقراءة ..وهذا سر الإبداع فيها ..قصيدة ملحمة تحكي مأساة شعب ترهلت آماله وانحنت..ولكنها ولادة للإبداع والتألق وعشق التميز ..

والماء في القصيدة قد يكون شلال عنوز بما في الاسم من تورية ..ومن بكى فهو الشلال الشامخ ولكن من بكائه إخصاب لفعل اللغة بشكل عاصف ، يعصف بمعقولية الأشياء ويبني قوله الخاص به .. يحكي ذاكرة وملحمة تاريخ فيتناغم الدال والمدلول لتجديد آليات اللغــة والنهوض بالقصيدة.