قصة قصيرة (2-2)
عندما يأتي المساء
وتذكر عاطف ان صاحب المحل المجاور لدارهم طلب حارساً..
ثم اقترح عليهم عاطف البقاء في بغداد وايجاد عمل مناسب لهم..
وقال ابو مريم: الحق اني افكر في ذلك..
وبادره عاطف قائلاً…
انا استطيع ان اجد لك عملاً…
وسكناً في ان واحد…
فقال ابو مريم: كيف فاجابه: استطيع ان اعينك حارساً في المصنع المجاور لسكني فاني اعرف صاحبه..
وهو بحاجة الى حارس..
وساذهب له غداً للاتفاق معه وآخذك لمقابلته..
ابو مريم: واكون شاكر فضلك..
فقال عاطف: عمي ابو مريم انت تأمر فاجابه ابو مريم: اشكرك وليدي..
وقدمت مريم الشاي لهم ثم انزوت بالغرفة حتى تتمكن ان ترى عاطفاً بشكل جيد..
وان مريم السعادة لا تسعها وكانها تريد ان تملأ الدنيا بسعادتها على موافقة والدها على البقاء في بغداد…
بينما ام مريم كانت تدير عينيها ما بين مريم وعاطف وكانها تريد قراءة ما في اعينهما..
واحست ان هناك تجاذب مابين ابنتها وعاطف..
وفي الصباح اخذ عاطف مريم معه الى مكان عملهما وما ان وصلا حتى ترك عاطف بضاعته عند مريم وسارع بالذهاب الى المصنع..
وبقيت مريم تدعو الله ان يوفق في مسعاه..
وان نجح في ذلك فيعني هذا انها لن تخرج الى الشارع ثانية..
عاد عاطف بعد اكثر من ساعتين وهو مبتسماً وما ان شاهدته مريم حتى سارعت اليه وهي تسأله: حمامة .. غراب.. فقال ضاحكاً: حمامة وحياتك: فقالت: ارحت قلبي بارك الله فيك وطلب منها الذهاب معه الى اهلها ليأتي بوالدها لمقابلة صاحب المصنع واستلام العمل..
وذهبا معاً..
وما ان كان المساء حتى انتقلت عائلة ابو مريم للسكن في المصنع واستلم العمل فيه..
وكذلك تم الاتفاق على تنظيف المصنع وايضاً براتب اضافي غير راتب الحراسة..
ولم تكن عائلة ابو مريم تمتلك شيئاً من الاثاث ما عدا الفرش الذي ينامون عليه وبعض اواني الطعام…
وقد ساعدهم عاطف باعطائهم الكثير من الاثاث الذي يمتلكه..
لانه قرر ان يجهز كل شيء من جديد حتى يستعد لحياته الجديدة…
وبعد ايام وجد عاطف العمال في المصنع يبحثون عن الشاي صباحاً..
فجاءت له فكرة ان يستغل المطبخ في المصنع وجعله مطعماً للعمال يقدم لهم وجبة الفطور ووجبة الغداء..
وطرح الفكرة على صاحب المصنع فوافق عليها وتبرع لهم بالطباخ والثلاجة وايضاً بعدد من الكراسي ومنضدة طعام كبيرة على طول المطبخ…
واتفق عاطف مع ام مريم على ان يقوم هو بالتسوق وعليها ان تطبخ الاكلات وتعمل الشاي..
وكان عاطف يبذل مجهوداً كبيراً..
في سبيل ان يكون قريباً من مريم..
وتكفلت مريم بالطبخ وغسل الاواني وعمل الشاي..
ودار عليهم المطعم ارباحاً جيدة لم يكونوا يتوقعونها…
فكان عاطف يطرح مبالغ المواد المشتراة ثم يقسم الباقي مناصفة بينهما..
وبعد ثلاثة شهور قد ترتب احوال ابو مريم بشكل جيد..
وقاموا بشراء ما يحتاجونه من اثاث ومفروشات جديدة وايضاً ملابس جديدة وكان عاطف سعيداً بذلك..
ويرى ابو مريم بعاطف المنقذ له والسبب في انتشاله وعائلته من حال الفقر المدقع الذي كان يرزح تحت وطئته..
الى حال خير وبحبوحة…
ووافقت الوزارة على امتحان عاطف بانتداب شخص يكتب بدلاً عنه ويملي عليه الاجابة..
وقرر ان يواصل دراسته الجامعية بعد ان حصل على النجاح في الثانوية وكان معدله يتيح له دراسة القانون وهو الفرع الذي يحلم ان يكونه..
وكثيراً ما كان عاطف يختلي بمريم عندما يكون العمال في الشغل ويقعد معها في المطعم ويتحدثان بأمر زواجهما وقد طلبت منه ان يتقدم لخطبتها واعلمته ان والدتها دارية بما بينهما فلقد اخبرتها هي بكل شيء..
الا ان عاطفاً كان متردداً في ذلك خوفاً من ان يرفض ابو مريم طلبه لعاهته..
وكان قد وعدها بمفاتحة والدها بالأمر..
وقال عاطف لمريم انه سيغيب عليها في الفترة الصباحية لأن عنده عمل عليه ان ينجزه..
وتركها وحيدة في المطعم وكان والدها عندها في حالة غياب عاطف..
الذي سارع الى الجمعية الخيرية التي تبرعت له باطراف صناعية..
عاد عند الظهر وهو يضع يديه خلف ظهره وابتسامته عريضة تعلو شفتيه..
وقال لمريم: عندي مفاجأة عظيمة..
فقالت: ماهي؟
فاراها كلتا يديه وما ان رأتها حتى طارت من الفرح وهي تقول: ما اجملها لا يكاد احد يميزها..
فقال: فعلاً..
وكانت فرحة ام مريم وابو مريم صادقة ومن اعماقهما…
واستقرت نفسية عاطف..
وهدءت روحه..
ومن الان سوف لن يرى نظرات الشفقة…
وحادث عاطف جاره ابو يوسف (المدرس) بخصوص امر خطبته لمريم..
وابدى ابو يوسف استعداده للذهاب الى ابو مريم وطلب يدها ومن انه سيأخذ معه بعض اصدقائه..
ففرح عاطف بذلك…
وتفاجأ ابو مريم بحضور رجال لزيارته مساءً وكان من عادته ان يجلس عند المساء في باحة المصنع حيث يفرش فراشه ليجلس عليه فانه لا يحب ان يجلس على الكراسي مع انها متوافرة بالقرب منه…
ورحب بهم ولكن اطمئن لما وجد عاطف معهم…
وبعد احاديث المجاملات حدثه ابو يوسف بغاية زيارتهم في طلب يد مريم لعاطف…
فقال ابو مريم وهو يضحك: اني اتشرف بزيارتكم..
وطلبكم مجاب..
لأن عاطفاً يستاهل كل الخير..
ومريم ما تغلى عليه..
لأنه انسان شريف ومكافح…
فقال ابو يوسف: ارجو ان تسأل مريم ومعرفة رأيها فهذا هو الشرع..
فقال ابو مريم حاضر..
ونهض ودخل على عائلته واستقبلته ام مريم وقالت له ان مريم موافقة..
فرجع ابو مريم مبتسماً وقال: البنت موافقة فقال ابو يوسف: على خيرة الله الفاتحة..
وتمت قراءة الفاتحة والاتفاق على الصداق…
ثم نهض عاطفاً وقبل ابو مريم وباقي الحضور وقدم الجميع التهاني له بهذه المناسبة…
الا ان عاطف كانت الدموع تملأ عينيه والجميع…
احترموا هذه الدموع لعلمهم لأنه وحيد وليس هناك من اهله او اقاربه معه…
فقال ابو يوسف…
عاطف ابني لا تنسى اني عمك واني عندك..
لا تهتم فقال عاطف: الله يحفظك عمي ابو يوسف…
وما كان من ام مريم الا واطلقت الزغاريد..
وتقدم لهم قطع الكيك والعصير..
فكانت مريم على دراية بموعد حضورهم وجهزت نفسها لهذه المناسبة بايعاز من عاطف…
وانشغل عاطف بتأثيث البيت وطلائه وما ان انجز كل شيء خلال اقل من شهر…
كان جاره ابو يوسف معه ملازماً اياه حتى عقد قرانه عليها وزفافه عليها..
وها هو معها لوحده ولاول مرة يختلي بها وهي بثياب العروس وكانها ملاك..
وقالت له: ان حرمت من امك فانا من اليوم امك..
وان حرمت من اختك..
فانا من اليوم اختك..
وزوجتك وخادمتك..
فقال لها: بل انت نور عيوني وحبيبة قلبي…
وفعلاً استطاعت مريم ان تفي بوعدها له وتكون له كل الحياة وهيأت له كل الاجواء للعمل والدراسة في الجامعة..
وكانت قد ساعدته على جعل احدى الغرف في الدار والمطلة على الشارع محلاً اخذ ينمو شيئاً فشيئاً حتى اصبح محلا متكاملا تجد فيه كل متطلبات الزبائن..
وكل ذلك كان بفضل مريم..
ورزقهم الله بنتا اسموها (تبارك) وكان قدومها خير عليهم بتخرجه من الكلية بامتياز..
وتم تعينه مدرساً…
وكان جاره ابو يوسف سعيداً لما وصل اليه عاطف بارادته وطموحه..
وقدم له التهنئة بذلك وكان يناديه:
يا زميلي العزيز..
وهو يضحك..
وبقلب يملأه الايمان شكر عاطف الله سبحانه وتعالى على ما به من نعمة وكان يقول دائماً لزوجته:
ان هذا من فضل الله علينا….
محمد عباس اللامي – بغداد

















