قصة قصيرة.. عمر الهوى الثاني

قصة قصيرة.. عمر الهوى الثاني

نورة حلاب

“”لا شيء يكفل راحة ألقلب مثل شغل العقل ، اما افضل الأنتصارات ، فهي تغلّب ألمرء على فلبه…”

إسمع يا قلب !!!! إسمع!!!!

ينظّرون فيك أقوال ويشيعون حِكَم .إسمع..لا تبالي بكل ما تسمع ، إضرب به عرض الحائط ثم أضرب ضربتك الأخير وتحطّم .هيا كن باسلاً ولو في العمر مرة ، إخلع عنك معطف ألحكمة ، مزّق شال ألرزانة ، أرم بقبّعة ألوقار والرصانة ولا تخجل بخمسيناتك وآهاتها ، لوعتها وتجلّياتها .

هيا يا خافقي ماذا تنتظر ؟!

نضجتَ في الحب ، ولم تعد هاوياً ، هيا أضرب ضربتك الأخيرة وبعدها لو شئت تحطّم ….عليك اللعنة .. لا عليك الأمان ..هبا تكلم ..دع مارد ذلك الحب الغافي يقهقه يحكي الحكاية وهو يتألم ..

في بهو األفندق كنت يومها بصحبة زوجتي حاضراً بالأسم فقط ، فكري مشتّت شريد في رحلات مكوكية ببن الفندق حيث قاعة الحفلات والكلية حيث قاعة المحاضرات وتلامذتي وغيابي ومحاضرتي .

” إنه زفاف وحيدتنا والأمر بفتضي تعاوننا عليك تدبّر أمرك” عزمت جاهداً على تدبّر امري الذي كاد يخونني ويفلت مني عدة مرات حين يثور ضميري المهني ويعصف برأسي كموجةٍ ملحّة تشوّش علبها زوجتي وهي تناقش في اكثر ألتفاصيل دقّة .

الوان الشراشف ، ديكور ألموائد ، أنواع الزهور ، وبين حين وآخر كانت تستطلع رأيي في بعض الأمور..وكنت أجيبها كألببغاء ألمبرمج…” كما تحبّين ..كما تريدين..”

كنت غي ورطة بدت لي حينها ابدية سرمدية ، لولا ظهورك المُبهر المباغِت في طللتك البهية .

وراء ” الكونتوار” خلف كتف زميلتك اشرقتِ كشمس صغيرة تشعّ بالف وهج ووهج ..ماذا حدث بعدها؟؟؟؟!!!

حتى تلك اللحظة يعجز الشرح ويستحيل التفسير !!

اتعِب الزمن من إندفاعه ألمجنون ، فتوقّف لحظة ليلتقط انفاسه..أم جُنت الكرة الأ،ضية فداست على مكابحها واخذت تدور عكس دورتها ويدور معها كل ما في الكون معكوساً فاعود طفلاً في الخامسة وتعود امي التي تشبهك حد الذهول ، لتنبعث من كل تفصيلة فيك .من شعرك الأشقر الأجعد من عينيك الزرقاوين من انفك المكوّر الشامخ، من شفتيك المكتنزتين و” الجيليه” التركواز المشرّعة فوق قميص مهفهف ابيض يوقظ نداء امي من الزمن البعيد الأغبر .

” تعال يا حبيبي تعال الي .” ” بدي شمّك ولمّك و ضمّك “

وكنت اكاد أجنّ فأهرع إليك طفلاً بطاعة عمياء لولا تلك النظرة الغريبة التي أنفجرت من وجهك تكتسحني ولولا قلبي الذي إرتجّ قلقاً مطلقاً طلقته التحذيرية .

لا لا تلك النظرة لم ألمحها قط في وجه امي.

كان صدري يعلو ويهبط ويهتزّ إهتزازات إرتدادية ، تردّ لي صوابي وشيئاً من رشدي أتفحّصك به .كنتِ في الثامنة عشرة أو أكثر بقليل وكان يسكن وجهك نور إلهي لا بلفح الوجوه إلا في الثامنة عشرة .

كنتِ ترشحين طيبةً وتذوبين سذاجةً ، طاهرة نقيّةً تشبهين الغسيل الأبيض المفوّح سبع مرات ، وكنت عزلاء حائرة في ارض مكشوفة لا تجبدين بعد رصد ألمواقف ودقّة ألتصويب تحتمين بكتف زميلتك ، تغيبين وراءه ثم تطلّين بكل ما في روعة شبابك وتحدّيه وتلك النظرة ألكاسحة الكاسرة المزدحمة بالشهوة والشوق والحب والفضول والحنين !!!

هل كنت تتاملينني يا حبيبتي؟؟

لا على الأرجح كنت تمارسين تقشيري طبقة بعد طبقة وكنت مستسلماً لعينيكِ أتخفف من أثقال عُقدي عقدة بعد عقدة فتستطيل قامتي ويكسو الشعر صلعتي ويرتفع أصلي ألشعبي ألمتواضع فأصير إبن حسب ونسب أفاخر

بجناحه أحلّق به وانا أضغط زناد قلبي فيطلق طلفاته الترحيبية مهللاً معي ” مرحباً ايها الحب مرحباً ابها الحب”

الخافق الخببث كان يعلن نيّة ويبيّت أخرى ، كان يسايسني مهللاً للحب معي مرحّباً ثم يعود فيهمس في أذني مذكّراً متوعّداً .

كان يجمع لي رصيدي الماضي وكلفة الحاضر ثمّ يُنبئني بصورة المستقبل وكم كان يغويني الربح معك يا حبيبتي وكم كانت تذبحني الخسارة وانا اتاملك يا صغيرتي .

كنتِ في أول سطر من الهوى وكنتُ في السطر الأخير وكانت بك إشراقة الصباح وكان بي حزن المغيب ومن حطام الدنيا لم اكن املك سوى عقل سرّحته في إجازة ولسان إنعقد يتأتئ امام زوجتي وهي تغزل بين عيني وعينيك نظرةً بهلوانيةً تقفز دهاءً وحنكة .و…….

عمر الهوى الثاني.. تابع ” الجزء الثاني “

من حطام ألدنيا لم أكن املك سوى عقل سرّحته في إجازة

ولسان إنعقد يتأتئ أمام زوجتي وهي تغزل بين عيني وعينيك نظرة بهلوانية تقفز دهاءً وحنكة

ضبطتك متلبسةً بتلك النظرة الكاسحة وقبضت علي مستسلماً لها متلذذاً بها فلمعت عيناها بتصميم غريب ومالت على كتفي تهمس في أذني آمرة . ” هيا بنا با عزيزي أراك تعبت ، كفاك هذا البوم “

أجل كان كافياً يا صغبرتي وطافحاً جداً ما حصل لي في ذلك اليوم ولم يكن ينقصني بتاتاً ليلةً طويلةً ببضاء تليه وصداع أليم ، عصبت منه رأسي ورحت أدور في أرجاء البيت اتخيّلك ، واستعبد سهام عينيك الكاسرة فأعرف أنني سقطتُ صريع هواك وانتهى الأمر …. لا زلت أذكر كيف إبتلعتُ في حينها كل ما طالته يداي من أنواع ألمسكّنات دون جدوى ، كان يسكنني الخوف وتنفرد بي الكآبة والوحدة ، وكنت أحتاجك بجنون لكي تأخذي برأسي على كتفك ، فتمسّدي لي خصلات شعري المعدودة وتفركي شحمة أذني كي اهدأ فيزول تشنّجي وتنحلّ عقدة لساني فأستكين وأشكو إليك من خوف الرجال ألمروّع اكثر من خوف الأحلام واحدّثك عن وحدة الرجال التي هي أقسى من وحدة الأطفال وأود لو أصرخ غي وجه العالم أنني احبك علّني أغربل روحي بك واتخلّص من فائض الحزن في داخلي ولكن هيهات ….هيهات يا صغيرتي …فصوتي كان يشبه آهةً عميقة في أغنية إسبانية شجيّة عتيقة ، مزيج من فرح والم لم يهدأ إلا حين مدّت لي زوجتي يدها بتلك الحبة الصغيرة الببضاء

” خذ يا عزيزي إبلع هذا ما يلزمك ، مهدئ اعصاب لا مسكّن صداع .. ثم ربتت على كتفي وكأنها تخفف عني .

ـ “بسيطة يا عزيزي طوّل بالك شِدّة وبتزول بإذن الله ‘

وكنت أطرق برأسي صامتاً ، وكان صمتي متواطئاً مع مراسيم ظنونها وإستنتاجاتها .

أهذه زوجتي حقاً ؟؟؟!!!

كيف تستوعبني بتلك الفلسفة البسيطة ؟؟؟!!!

من أية طينة جُبلت تلك المرأة ؟! ومنذ متى تتمتع بحكمة العقلاء وأناة ألمفكرين ؟؟!!

كنت بدأت استسلم لغفوةٍ اصطناعية متخيّلاً معشرنا نحن الرجال ..نحن العباقرة ، نحن أنصاف الآلهة نحن الذبن نسنّ للمرأة القوانين ونشرّع الأحكام ، نحن العارفون المدركون لخفابا الحياة لأدقّ اسرارها ، نحن فقط نحن ومن بعدنا الطوفان …

في الحقيقة نحن مجانين جهلة واحياناً اغبياء ، وكم يلزمنا بعد في مسبحة العمر من حبات إضافية علّنا نفهم فيها خلطة المرأة السحرية

في اليوم التالي اذكر انني استيقظت على اجمل نهار ربيعي لأنني كنت مغرماً بك يا صغيرني .

كانت السماء ارقّ والهواء الطف حتى الورود في حديفتي كانت اشدّ إحمراراً ، وحين أقفلت ورائي باب السور كعادتي

وخزتني شجرة ” البوغونفيليا ” كعادتها فإبتسمت لها على غير عادتي وإنطلقت صوب الجامعة ليسجّل تاريخي المهني سابقةً لم يشهدها من قبل حين اخذت إجازةً طويلةً متذرّعاً بالتحضير لحفل زفاف إبنتي الأسطوري .

وهكذا يا حبيبتي ..كي انعمَ بمرآك بين حين وآخر في قاعة الفندق ، تحررت من إعباء ضميري المهني ، وتبرّعت بحمل اعباء زوجاتي في التحضيرات لحفل الزفاف وهمومه .

صرت ملتصقاً بها كظلّها وصار لأبنتي بدل ام العروس الواحدة إثنتان .!!! وبعد لامبالاة ظننتها أبدية بكل ما يختصّ بالشوؤن النسائية وتفاهاتها ، صرت فجأةً شغوفاً بها وبكل تفاصيلها !!!! كل ذلك في سبيل عينيك وتلك النظرة الكاسحة التي كانت مكافأتي في آخر كل نهار مُتعِب تحملت فيه ما لم اكن اتخيّله ذات يوم .

تصوري ..عانيت طويلا مشقّة الإنتظار في صالونات المصممين ، حتى حفظتُ غيباً موديل فستان الزفاف ، عدد ازراره هندسة قصاّته ، ومواعيد بروفاته ..ولأجل عينيك فقط صرت خبيراً بكل انواع الزهور رغم ذلك بقيت وفياً للورود مخلصاً لها محذّراً زوجتي من إستبدالها بأي نوع آخر في زينة الموائد ….

لماذا الورود ؟؟!!

لأنها كانت تشبهك أنت بكل ما فبك من تألق الشباب وفتنته ….

وهكذا صارت نهاراتي سعياً حثيثاً متواصلاً وصرت نموذجاً يحتذى للأب الصبور الحنون .

تحملت زحمة السير الخانقة بإبتسامة رضيّة ، وتهت في الشوارع الفرعية باحثاً عن ذاك الكندرجي الشهير بتطريز احذية العروس الجلدية .

كرمى عيون وحيدتي ؟! لا كرمى عيونك يا حبيبتتي التي كانت مكافأتي في آخر كل نهار مُتعِب .

صرت ألهث وراء تفاصبل تافهة في عرفنا نحن الرجال وهي في الحقيقة ما يصنع سحر عالم النساء ..

صحوت بغتةً لأكتشف ان كل ماهو رقيق ومنسجم من حولي هو من صنع إمرأتي وأنني لا املك من امري سوى هذا الدماغ الفجّ الحزين الذي كاد يهترئ من حل المعادلات الفبزيائية ، حتى صرت أصلعاً معقّداً بإمتياز ، لا يتحرر من عقده ويدوس عليها إلا في قاعة الفندق امام عينيك وهي ترشقني بتلك النظرة الكاسرة الكاسحة ..

كنت اشرب منها اكسير الحياة فتتفتح شهية عروقي على الوان قوس قزح ويصدح قلبي للحب مرحّباً ثم يغضب وهو يزمجر متوعّداً مستنكراً فاضطرب ، تختلج اطرافي وينعقد لساني حين تضبطنا زوجتي متلبّسين بتلك النظرة المتآمرة.

كم كانت متفهّمةً تلك المراة ، متسامحة وهي تربّت على كتفي في كل مرة تلك الترببتة الآمرة وكم كنت طائعاً هيّناً ليّناً وانا اختم كل بوم ككل يوم كان يسبقه بليلة طويلة بيضاء وحبات صغيرة أنصع بباضاً تقدمها لي زوجتي على طبق حكمتها الماكرة.!!!!

” طول بالك شٍدّة وبتزول بإذن الله تعالى”

كيدهن عظيم اقسم بالله ان كيدهن عظبم .

كيف كانت تستعبط وهي تدرك تماماً انها تعزف على اشد اوتاري حساسية وكيف كنت اكابر فأعضّ على جرحي وأصبر تحسّباً وإحترازاً في كل مرّة …. حتى حان موعد الزفاف الموعود ويا ليتني حينها لم اكن على سطح الوجود ..