كلام أبيض
على طاولة الوزارة – جليل وادي
قد أكون حالما ، او طموحا أكثر مما يجب ، فالذي لم يتحقق بعقود مضت، هل بالمقدور تحقيقه في بيئة تداخلت فيها الرايات وغابت عنها الحقائق ، وتلاشت فيها همسات الحكمة في طوفان الثرثرة ؟ ، بينما الوطن مثخن بالجراح والناس هائمون .
وربما يسفه البعض قولي ، وأحسنهم يرى في شخصي مثاليا لايدرك معطيات الواقع ولا أبعاد المستقبل ، ولا حجم المصيبة التي ابتلي بها العراق ، ولكني كآلاف العراقيين الذين يذرفون الدمع دما ، وكأم قلقة تتطلع كل غروب الى سماء تلبدت بغيوم الموت بحثا عمن يحرس وحيدها .
قولوا عني فنطازيا ، لاضير ، ومع ذلك أقول بيقين لايتزعزع : ان عراقا معافى ينعم أهله بحياة هانئة لن يكون من دون مشروع وطني للثقافة ، أعرف ان بعضكم يقهقه في دواخله وهو يقرأ عبارتي ، ألم أصف نفسي بالحالم ، كيف لك ان تقول ذلك وانت ترى بأم عينيك ان الحال ما هو الا صراع بين ثقافات شتى ، تريد الواحدة منها الهيمنة على الاخرى ، وجميعها تدرك ان ذلك لن يكون الا بالامساك بالسلطة ؟ هكذا يتساءل من أدرك بواطن الامور وليس ظواهرها ، ولأنها كذلك ، فلا مدخل لحلحلتها الا بما هو ثقافي ، قد يطول الدرب ، وتصدمنا العثرات ، ومن المؤكد ان البعض سيسل السيوف الباشطة ، وتلك المخبأة منذ قرون ، والمستعارة من الاخوان والأصدقاء ، لكننا بعد حين سنجني من الثمار ألذها ، ومن الحياة أبهجها .
فلا قيمة لجيوش بلا عقيدة ، ولا لذوق رفيع أن يكون بلا تحضر ، ولا اعتدال بلا قناعة ، ولا ولاء بلا انتماء ، ولا انتماء بلا شعور بحب الأوطان ، وكل ذلك مرهون بالثقافة ، والا كيف لقطاع طرق احتلال مدن عامرة بتاريخها ، وكيف يغرر ببعض أبنائها ليسهموا في تدمير صروحها ، أليس هذا يؤشر فشلنا في بناء الانسان ؟ لقد فشل من قبلنا المؤسسون ومن وصفوا أنفسهم بالمناضلين ومن بعدهم المجاهدين ، وما زلنا على الدرب ذاته نسير ، من دون ان نلتفت الى الثقافة ، وهذا يريده من لا يسعده أن يعود العراق منارة ، فشغلوا قصار النظر بما يسيل له اللعاب ، فصارت الثقافة في منظورهم ترفا ، ومن يتحدث عنها بطرا . وقبل هذا وذاك ، عن أية ثقافة نتحدث ؟ ، فكما ترون بأعينكم ، تتوزعنا ثقافات عديدة بدلالة الولاءات المتناثرة والتي غدا بعضها على حساب الولاء للوطن ، تتراوح بين المتطرف والمتخلف في غالبها ومساحة المستنير فيها ضئيلة ، ومع ان حب الأوطان راسخ في الوجدان لكن الولاء حصيلة الثقافة . فالتحلي بثقافة المواطنة ، وشيوع المحبة والتسامح والاعتدال ، والتصدي للتطرف والكراهية ، ونبذ العنف ومحاربة الفساد ، والارتقاء بالأذواق وحسن استخدام الديمقراطية واستثمار فضاءات الحرية ، وتعزيز الانتماء للوطن وامتلاك ناصية المستقبل ، كل ذلك يقتضي ثقافة معاصرة تطمح الى مواكبة الآخر ، فيها من المرونة ما يجعلها قادرة على تمثل المستحدث من القيم التي تفرزها ثقافات الشعوب ، وتستحضر المشرق من ماضي الامة لتحتفظ بأصالتها ، وفيها من القيم ما يمكّنها من مواجهة الراهن والمحتمل من الأزمات ، وبغير ذلك ، فأول الخسائر شبابنا وهويتنا التي يظن البعض انه يصارع من أجلها ، ومثل هذه الثقافة لن تتحقق ان لم تنتظم بمشروع وطني ، يحدد العملي من الاجراءات ، ويوفر ما تقتضيه من مستلزمات ، وقبل ذلك تفترض أرادة صادقة وهمة واثقة، وفي هذا الاطار حاولت وقدمت مشروعا ، لا أدعي انه امتلك من الكمال تمامه ، لكني بذلت فيه من الجهد ما استطعته ، وأرى ضرورة طرحه على ذوي الاختصاص لانضاجه وترصينه ، وهو الأن على طاولة وزارة الثقافة ، لعله يحظى بقراءة متمعنة من معالي الوزير .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




















