على خطى الذكريات

على خطى الذكريات

بعد أن رسم الشيب لونه الابيض الناصع على خصلات شعره…. وحاكت خطوط الزمن ملامح التقدم بالسن على وجه…. جلس في الركن الاخير….كرسي من الخشب المتأكل….جدران اكتضت بالصور القديمة تكاد لا تميز اشكال شاغليها…. اصوات الزبائن المعتادين على الدخول والخروج بفترات متقاربة…. يجلس لساعات طويلة لا من أجل شيء….فقط لأنهاء ساعات يومهِ ليستعد ليوم جديد…. تعالت اصوات الصفير دفعته لتذكر محطات حياتهِ….السير عبر قطار الصبا والشباب….التخبط بهوى النفس….وتحمل متاعب الحياة…. محطات التنازل والقوة والضعف اخذت مأخذها منه….لم يستطع التحمل ليعلن عن هبوطه في محطة الشيخوخة…. مرَ الوقت لتنبعث رائحة عطره….لتذكره برائحة طفلهِ الصغير الممزوجة بأولى صرخاتهِ حيث الفرحة والبهجة….حياة جديدة ومشاق كثيرة….تدافع وصراع من أجل العيش….على أمل رؤية ذلك الطفل بهيئة شاب يحمل تلك المتاعب فيما بعد…. بعد الصفير و الرائحة….سقطت عيناه على ذلك الشكل شبه المستدير….حنين الى باحة الدار المستديرة حيث يتوسطها نخلة شامخة يجني ثمرها كل عام…. أخذ نفسا عميقا وأغمض عينيه…. يا رجل من فضلك غادر المكان….حان وقت رحيل…. أبتسم….دفع الطاولة التي امامه ببطء….اخرج من جيبه بعض القطع المعدنية من النقود….ليضعها بيد النادل….ويهمس بأذنه…. شكراً لأنك أيقظتني من الحلم…. ليخرج ويفكر بمكان أخر يقضي فيه ليلتهِ….حيث المقهى ورائحة الشاي وصفارات الابريق وشكله….أطاحت به أمام ذكريات الماضي….فلم يكن يعلم أن نهايته ألقت به للمجهول لا منزل ولا طفل….بل أصبحت أرصفة الشوارع هي الكفيلة بتلك الاحلام….

مريم الكناني- بغداد