
عقدة الإسقاط أو التشهير – عبد الهادي البابي
هي عملية نفسية ينسب الشخص من خلالها ويحوِّل صفاته أو مشاعره أورغباته أو نزواته أو أفكاره التي لا يرغبها ويخجل من الوعي بكونها جزءاً من ذاته يحولها إلىشخص آخر…..فهو يتهرب لاشعورياً منها بطردها عن نفسه أولاً ، ثم إلصاقها بالغير أو إتهامه بها ثانياً كنوع من تبرئة الذات أو الدفاع السلبي عنها ..! إنه عبارة عن تخلص من كل ما هو سيء في الذات بإتهام الآخرين به ..أوعملية أو حيلة نفسية دفاعية مزدوجة… وهذه العقدة تتخذ في الخارج مظهرين : أولهما : أن ننسب عيوبنا ونقائصنا ورغباتنا المستكرهة المكبوتة إلى غيرنا من الناس وذلك تنزيهاً لأنفسنا وتخففاً مما نشعر به من قلق أو خجل أو نقص أو ذنب ، وكل ذلك يتم بطريقة لا شعورية…! فالإنسان الكاذب أو الجاحد أو الحاقد أو الحاسد أو الأناني أو المتعصب أو الجاهل الذي لا يفطن إلى وجود هذه الخصال في نفسه، تراه يسارع إلى أن ينسب الكذب والجحود والأنانية والتعصب والفشل إلى غيره !!! ومن هذا الباب فأن الكّذاب لا يُصّدق ما يقوله الناس ، لأنه يرى فيهم نفسه المطبوعة على الكذب !! ومن أمثلة ذلك : الأب الفاشل في عمله يميل إلى إتهام إبنه بالإهمال في دراسته ، والزوج الذي تنطوي نفسه على رغبة مكبوتة في خيانة زوجته يميل إلى إتهامها بالخيانة ، والمدرس الكسول لا يغفر لتلاميذه الكسل، لأنهم يصورون له الناحية التي يكرهها من نفسه، كذلك نرى القاضي الذي تعتلج في نفسه ميول إجرامية يميل إلى الصرامة في أحكامه ، وكذلك رجال الدين من البخلاء تراهم دائماً يهاجمون البخل والبخلاء وينعتونهم بأشد النعوت خلال خطبهم ومجالسهم ..وكذلك بعض المثقفين والأدباء الذين يتهمون حتى أصدقاءهم بإنهم يتكلمون عليهم أو يتآمرون عليهم من وراء ظهورهم أو يكيدون لهم..لإنهم هم يفعل كل تلك الموبقات ولكنهم يسقطونها على أقرب المنافسين منهم حتى وإن كانوا من شريحتهم !.
ومتى رأينا عيوبنا في الناس ملنا إلى وعظهم وإشتددنا في محاسبتهم على عيوب نتسم بها نحن ولا ندري، فيكون الوعظ والنشر والإرشاد في هذه الحالة مظهراً للإسقاط ، ولهذا نرى أن أحكامنا على الغير كثيراً ما تكون أحكاماً على أنفسنا، فهي إعترافات أكثر من أن تكون إتهامات، ولكن أكثر الناس لا يشعرون.! أما المظهر الثاني للإسقاط : فهو لوم الغير على ما نلقاه من صعوبات وفشل وما نقع فيه من أخطاء، فكثيراً ما نعزو الرسوب في الإمتحان إلى صعوبته، والفشل في المشروعات إلى الحظ، وسوء سلوك الطفل إلى وراثته لا إلى سوء تربيتنا إياه !! من ذلك نرى أن الإسقاط يؤدي غرضاً مزدوجاً ، ففيه نتخفف من مشاعرنا ودوافعنا البغيضة، وفيه نكون في حلّ من نقد الآخرين ولومهم وتوجيه الأذى إليهم قبل أن يوجهوه إلينا.. والإسقاط يختلف عن التبريرالشخصي للتصرفات الفردية ، لأن التبرير يدخل في باب الدفاع والإعتذار، بينما الإسقاط إتهام وقذف وإعتداء على خصوصيات الآخرين ورميهم بأشياء غيرموجودة فيهم والعمل على أسقاطها عليهم، ولكنها أكيد موجودة في شخصية من قام بعملية الأسقاط والتشهير …!!


















