
مكاتيب عراقية
أمّا جان دمّو فلقد صاح بليلةٍ من ليالي حديقة اتحاد الأدباء العراقيين بساحة الأندلس ببغداد العليلة ، ائتوني أيها الصحب بعزلةٍ لا تكلّف جسدي المهزول مشيَ ذراعين ، فأصنع لكم من الشعر ما قد تحسبونهُ سحراً لم تأتِ عليه قامات الأولين ولا المتأخرين .
في الصباح التالي جاءته العزلة الطيبة ، محمولة على يمين حكمية الجرار صاحبة دار الأمد وراعية صعاليكها النبلاء ، فتدبرت له غرفةً أو غريفةً مزروعة بأرض محاطة بعشر حانات رخيصات ، وجعلت عليه حسين علي يونس ساقياً وطاعماً وأنيساً ممكناً في حال هبّت على الشاعر ريح الوحشة ولغوة الصحب وأيام مشفى ابن رشد العظيم .
مع كلّ اسبوع ينفني من زمان الغرفة المرفهة بقياسات جان ، كان يطلّ عليه حسين الصعلوك أو فاضل جواد أو منذر عبد الحر أو علي النجدي ، ليسألونه عن مولد قصيدة منتظرة ، فيردّ عليهم بما تيسّر فوق لسانه من مزامير الفشار والشتائم المحببة ، فيريح السائل عجيزته ليشارك جان دمو كأس عرقٍ لا تثنى أو تثلّث وفق شرط الانتباذ العزيز .
بادت وانفنت ليالي النقاهة والتنبلة ، ولم ينتج الشاعر حتى بعض قصيدة ، وفي اللحظة التي ترك فيها جان المكان بعد مكوث دام نحو شهر ، بدأت رحلة طريق الأوجاع التي خاضها صحب كثيرون ، وهم يفتشون عن قصائد معتقات كان كتبها جان بمراحل مختلفة من حياة الفوضى والتشرد والعوز ، حتى ولد ديوانه الأول من بطن دار الأمد وبركات حكمية ، وكان عنوانه الأولي هو « أسمال الملوك « لكن الرقيب فضّل محو الملوك وترك أسمالهم فظهر الكتاب قائماً تحت اسم « أسمال « وكان أنيقاً بغلاف ورق غير مقوى وبلمسات جميلة من فاضل جواد ، لكن الأمور لم تسر كما أريد لها من قبل الدار وصاحبتها والأصدقاء الجامعين لقصائد جان ، الذي رأى أن بهجة الإصدار قد انثلمت بالمقدمة التي كتبها له منذر عبد الحر .
كانت كتابة منذر بأول المجموعة كتابة رائعة وفيها الكثير من الحب والحميمية والشعر ، لكن هذا لم يطفىء نيران الغضب الجانوي الكبير ، وفي ظني الشخصي أنّ جان لم يكن معترضاً وغاضباً بسبب مقدمة عبد الحر الطيبة ، لكنه قد يكون رأى بعض إهانة له وهو الذي كان يعتبر نفسه واحداً من أبرز الهة الكتابة والشعر والثقافة في جماعة كركوك المشهورة ، لذلك كانت المقدمة فائضة وربما أشعرته بأنه بائع بضاعة فاسدة لن تباع إلّا على ظهر إعلان .


















