عذاب الركابي الشاعر العراقي العاشق
قراءة في ديوان بغداد هذه دقات قلبي
محمد محقق
عذاب الركابي الشاعر العاشق ركّز في ديوانه على معاناته وآلامه الشخصية ومعاناته لما تحس به ذاته الشاعرة وما تراه في مجتمعها من مظاهر الأسى والألم، فقدم تجربته الإبداعية بقصائد دالة موحية، تؤكد ترابطها الجميل المتمثل في تعلقهـا بعروبتها وقوميتها وبلدها وذاتها، والثورة والتمرد على كل مظاهر الألم والفساد. ويظهر في الديوان تمسكه بعروبته ووطنه، وأنه يرفض أنصاف الحلول، لكنهُ قبل بالواقع كما هو. وكان قادرا على تشكيل الحدث بأسلوب تصويري بديع، يظهر فيـه الانتمـاء والصبر والعشق للحياة وللوطن وللأمة وللإنسانية، لكنه في كثير من الأحيان طوق نفسه بالماضي الحزين الذي لم ينطفئ على مرّ الزمن ،يقول في قصيدته(في انتظار ما لا يجيء):
أنا لا أحد
أبحث عني.. ولا أجدني
خطوتي..انتظار
ولحظة ميلادي..غيابْ
حياتي : كتابة
وعالمي المخملي: كتاب
وقتي الطفولي..قلق(ص:67)
فقد أكد عذاب الركابي فـي ديوانه أن (هو/ الذات) الانسانية يحبّ ويغضب كما الجميع تماماً، وعبّر فيه عما في داخله مـن عشقٍ ورفضٍ وكرهٍ وثورةٍ.وقد خلع أحاسيسه على الطبيعة ، وأشار إلى أن له دوراً لا حدود له في الحياة ، فهو يعتبر نفسه ليست مجرد ذات وحيدة بل كيان قومي حضاري، ولا بد من استيعاب أبعاده ” . ويثير هذا الديوان كثيراً من الأسئلة الإشكالية، علماً أنه ” لا يوجد معنى حقيقي للنص ” (3) كما يرى بول فاليري. ثانياً: صرخة رجل تربط الذات الشاعرة بين الرجل/ المرأة/ البطل والورود والملحمة والأسطورة في ديوانه..يقول في قصيدتهِ (جلجامش لا يغيب طويلا):
يا أبا العالم
يا سيدي الرابض في إيقاع
ولادتنا الصعبة
أيها الشاهد الأزلي
على موتنا المستحيل
هذي أناشيدك الكونية
قد استباحوا حقلها القرنفليّ(ص:55)
ويعبر عما في داخله من عشق أو كره أو رفض أو ثورة كما الأبطال تماماً، ولعل هذا جاء حصيلة مجموعة من المواقـف أو علـى الأرجح ارتبط بتجربة ذاتية خصبت لديه شعوراً بأن النفس البشرية الغيور فاعلة في مجتمعها، ومن ثم فإن صرخة الشاعر الغاضب في ضوء تجربته الشعرية لا تُحقِّق كينونة مفقـودة أو طموحاً مغيباً، وإنما تشير إلى حالة من الرفض لظروف اجتماعية طارئة…
إنّك تقرأ في قصائد الشاعر ثنائيات ضدية عميقة وكثيرة، فكان رافضا ومتحديا وعاشقا في آن. وقد أسس أول قصيدة في الديوان لحالة غضبٍ أو ثورة على ما أصاب بغداد من دمار وحصار ومحو لعالمها وحضارتها وتاريخها…معلنا ذلك في التجربة الشعرية، إذ بها وحدها كانـت تفتتح القصيدة، وعليها وحدها بكى العربي وجداً وحدادا… وسالت دموعه حزناً، وخلفها وحدها استمرت رحلته هابطاً ومرتفعاً بين السهول والأودية الجبال والسفوح، فأراد عذاب الركابي أن يعيد للذهن المعاصر ما تعانيه بغداد في بعض صورها المؤلمة. يلحظ قارئ هذا الديوان أن الذاكرة عند الشاعر مخصبة تخصيباً عـالي الحركة والقوة، فالقهر في كل مكان، وملايين الشموس المستنفرة كما يقول تختبـئ تحت جلدها ؛ إشارة إلى أن بدائل القهر المضادة جاهزة للخروج والولادة والتصدي، وفيها خلاص وحرية وضياء ومحبة ومساواة، والجلد عنده حدوده قصوى، كأنـه فضاؤه..
فالحاضر الأول والأكبر في الديوان، هو الوطن والواقع الأليم ..وانتظار الغد الجميل ، والحاضر الثاني في هذه اللوحـة هو الشاعر، فقد وقع عليه فعل الواقع والمكان ، فثنائية الـأنا والـهـو حاضـرة لا تغيـب، وثنائية الفعل الحركي الجميل بين القهر والبشاعة الذي يعني الألم وبين الاستشراف الذي يعني الحياة الجميلة، وبين اللملمة والبعثرة تسيطر على تفكير الشاعر، وكانت النتيجة أنه يختبـئ بين يدي الشعر بإرادته، وهو ينظر إليه بأنه القوي القادر على الحماية. لأنه يرتبط بفعل هبوط المطر،وشروق الشمس،وانتشار الابتسامة والضحكة الحلوة… فلمعان وهطول المطر وغناء الأرض للمطر، ترتيب تقبله النفس وتفرح به، ولا يرفضه العقل، فتكون الغاية بهذا الفعل حركة عطاء دائمة، وفرح لا ينقطع.. ففيه جماليات لا تخفى على أحد، فيـه الخير والدفء، وفي الشجر العطاء، وتحت ظلاله تكون أوجاع العـشاق، وهمـسات الكلام الدافئ، هذا كلّه لم يعد في ذاكرة الشاعر، لأنه يسكن في سؤال جلجامش وفي انتظار لا يجيء مثل انتظار جودو…!
ويلحظ القارئ في قصائده استخدام ألفاظ من واقع معاناة الإنـسان العربي في العصر الحديث، ترددت في كل مكان ، فاستخدم ألفاظاً قاسية جارحة ، ليعبر عن موقفه من الآخر والفضاء والواقع العربي المتردي… وحول هذه الكلمات من عدم القبول والرفض والامتعاض إلى الرضا بها عنده وعند المتلقـي، فقد استطاع الشاعر أن يجعل لهذه الكلمات قبولاً، لأنه غير مدلولاتها، وأعطاها بعداً معنويا جديداً… وجعل كلماتها طفلا يولد أو يحبو أو يكبر أو يبني لا يمكن لأحد ألا يراه…
بلد في المزاد
بتوقيع جنّ الأرض
واستكانة أنس البلاد
مملكة الضياع
حين تغيرتِ الطباع
وصارتِ الشهامة ذكرى
واستهجنت بطولة الآباء والأجداد(ص:70)
ويزداد أنينه حين يرى أن أباه قدْ ملّ الحياة مبكراً..ويرى أمّه وفيةً لحزنها وموت زوجها…وأن إخوته قد كبروا هكذا دونما طعم حياة…وأنّ الزمان يكاد يشبهُ زمن الأنبياء..!!فنجده يصرخ بكلّ ما يراه في رؤيته دامياً ومحرقاً على مَنْ يسمع صوته يستفيق بهذا الألم الذي يصطخب في داخله:
لي أبٌ
ملّ مبكراً من الحياة
وأمّ وفية لحزنِها..حتى الممات
لي أخوة وأخوات
كبروا..وأنجبوا رغم شراسة الفقر
وسخرية الطغاة(ص:68)
ورغم كل هذا يبقى عذاب الركابي من شعراء العرب المبدعين ..وهو ذو صوت ألمعي مائز..في شعره تجد الإنسان…وتجد الحياة…فهو يصوغ كل ذلك في لغةٍ شاعريةٍ جميلةٍ.. وحسّ شعري عالٍ يجعلان منه شاعراً عراقياً عربياً مميزأ…!
*” بغداد .. هذه دقات قلبي” – شعر – عِذاب الركابي – دار الأدهم للنشر – القاهرة 2013م .


















