عجائب الإنسان توازي عجائب العالم – مقالات – معتصم السنوي
يرى الغزالي – كغيره من المفكرين العرب- أن صورة الإنسان الكامل لا تتحقق لنا إلا إذا حللنا النفس الإنسانية أولاً فتراه يهيب بالباحث أن يعرف نفسه كأنه في ذلك (سقراط)، فيقول: أعرف نفسك يا إنسان تعرف ربك، كما يروي في هذا السياق حديثاً شريفاً: “أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه”. ثم يقرر لنا في السياق أن معرفة النفس ومعرفة الله أمران متلازمان: “من رحمة الله على عباده أن جمع في شخص الإنسان على صغر حجمه من العجائب ما يكاد بوصفه يوازي عجائب كل العالم، حتى كأنه نسخة مختصرة من هيئة العالم، ليتوصل الإنسان بالتفكير فيها إلى العلم بالله”. لكنه إذ يحلل النفس إلى قواها، يأخذ بالتحليل نفسه الذي نقل إليهم عن (اليونان)، وهو أن يجعل فيها شهوة تطلب اللذة، وغضباً يطلب الغلبة، ثم عقلاً يسوس السير ويضبط الخطى، فإذا أراد ذكر الفضائل جعلها أربعة: فالحكمة فضيلة القوة العقلية، والشجاعة فضيلة القوة الغضبية، والعفة فضيلة القوة الشهوانية، ومن توافر هذه الفضائل الثلاث، تنشأ الفضيلة الرابعة وهي (العدالة). تلك صورة للإنسان الأكمل صورها السالفون، فإن يكن عسيراً على الطبع أن يجر بها في معاملات الحياة الواقعية، فلا أقل من أن نرفعها أمام الأبصار نموذجاً، وإن القوم ليعرفون بمثُلُهم العليا كما يعرفون بتاريخهم الواقع، قد يعابون بهذا ويمدحون بذاك، لكن الجانبين معاً يكون الصورة الحق إذا أردنا الإنصاف. وعجائب إنسان هذا العصر لا يمكن مقارنته بالإنسان الذي صوره (الغزالي) يوازي العالم! أو كما وصفه (سقراط) الذي كان يراه أروع لوحة رسمتها ريشة الله، وكان يدعوه ليؤدي دوره الإنساني في تطوير الحياة من خلال معرفته لنفسه التي عادة ما تكون أمارة بالسوء! ويحذره من أن يكون معولاً لتهديم ما شيده الآخرون وبالتالي يهدم نفسه ويتلاشى من الموجود! ويضيع كما ضاع (حمدان) في متاهات غربة (الهند) التي تبلغ مساحتها ربع قارة آسيا وسكانها تجاوز المليار نسمة حينما أضطررته الحروب العبثية في الثمانينات الهرب بجلده خارج العراق ليجد نفسه في أحدى الولايات (الهندية) يبحث عن العمل في بلد تبلغ نسبة البطالة 30 بالمئة والفقر 50 بالمئة من أجل ان يستمر في الحياة، وبشق الأنفس يجد عملاً بعد أن وصل حد اليأس والتفكير بالانتحار حرقاً على الطريقة (الهندوسية)..! ويتقبل العمل مرغماً في (ماخور) لممارسة الدعارة التي تقع في أحدى العمارات وعمله ينحصر في أنه يمارس دور (الكاشير) الذي يجلس خلف ماكنة النقود، يتسلم المبالغ من الذين يمارسون (الجنس) في الغرف المخصصة، ولسوء حظ (حمدان) يكتشف أمره وطبيعة عمله من قبل أحد العراقيين الذي كان موفداً للهند بمهمة رسمية، وجاء (للماخور) ليمارس الجنس حسبما قاله (لحمدان) بعد أن تعرف عليه، وبعد أن قام (حمدان) بواجب الضيافة وإجراء تخفيض عن الأسعار المعتمدة في يافطة معلقة على الجدار، وبعد عودة (الموفد) إلى بغداد قص حكاية (حمدان) لمن يعرفه ليصل (الخبر) كالبرق إلى أقرباء (حمدان)! ليعقد اجتماع برئاسة عميد الأسرة، ويتقرر في الاجتماع ارسال أحد أفراد عمومته إلى (الهند) ليتأكد عما روي عنه، لكي يتخذ القرار العائلي المناسب ضده! وبالفعل ذهب ابن عمه إلى الهند ومعه عنوان العمارة والماخور من أجل (كبس) حمدان بالجرم المشهود! وفي أوج زحمة (الماخور) يدخل ابن عمه إلى القاعة وشرر الغضب يتطاير من عينيه، ليجد (حمدان) يجلس وراء آلة الحاسبة ويوزع الأبتسامات على الذين يخرجون من الغرف المخصصة لممارسة الجنس وبعد أن يتم دفع المبلغ المقرر حسب التسعيرة، يقول لهم (حمدان) (نرجو أن نراكم قريباً) وهي عبارة تُعدْ جزءا من أداء عمله، وعادة ما يدفع له مبلغ إضافي (بخشيش) لحسن استقباله! وتقديمه النصح للبعض بإختيار الفتاة الجميلة التي تجعلهم يشعرون باللذة المفرطة! ويفاجئة (أبن عمه) بالجرم المشهود كالصقر الذي ينقض على فريسته، ويقابله (حمدان) بهدوء تجعل (أبن عمه) يكاد يفقد صوابه، يقول لأبن عمه أستريح وأهدأ سوف أشرح لك طبيعة عملي، وسترى بأنني بعيد عما يفعلون ويمارسون في الغرف المكعبة! وعملي كما ترى يتحدد في هذه (الآلة) التي تخزن فيها الدولارات والروبيات التي تدفع ثمناً للجسد الأنثوي المعروض للبيع، والتي عادة ما تتحدد وفق الأعمار والأشكال..! وموجهاً كلامه (لأبن عمه) وكأنه وجَدَ المبرر القوي والحجة الدامغة التي تبعد عنه تهمة (القواد)، ليقول وكما ترى بأم عينيك (هندي (يركب) هندي) ودوري كمن يتفرج على مسرحية تتحدث عن الرذيلة في عالم متهالك يعيش فيه الإنسان في ضياع وتيه، وهو يحاول التشبث بطوق نجاة ينقذه من الغرق في بحر ليس له قرار! وقضية حمدان وكغيره من الذين يتيهون في القارات الخمس من المهاجرين العراقيين ينطبق عليها القول المأثور: الجابك على المُرّ غير الأمْرّ منّه!! والدنيا في هذا الزمن فيها العجائب والغرائب لتوازي عجائب الإنسان عجائب العالم بعد أن أصبح الإنسان غريباً في وطنه وشريداً ومنبوذاً في بلدان الغرباء!!


















