طيّ السنين – نوري جاسم

طيّ السنين – نوري جاسم

هناك لحظات في حياة الإنسان لا تُقاس بالساعة واليوم، بل تُقاس بما تحدثه في الروح من تبدّل وطمأنينة. ليست كل السنين سواء، فبعضها يمرّ ثقيلاً بطيئًا، وبعضها الآخر يُطوى طيًّا، فيعطي صاحبه من البركات ما يعوّضه عمّا فات. هذا ما يسميه الناس، بحسّهم الصادق وإيمانهم العميق، طيّ السنين ليس مجرد تعبير لغوي، بل تجربة إنسانية وروحية عميقة، يشعر فيها المرء أن الله قد جمع له خيرات أعوام طويلة في زمن قصير. بعد طول انتظار وصبر ومحاولات متعثرة، يتفتح أمامه بابٌ واحد، فإذا به يقوده إلى أبواب أخرى تتوالى كأنها ظلال رحمة تتسابق إليه. وظيفة يحلم بها منذ سنوات، شفاء بعد مرض طال، زواج بعد تأخر، أو سكينة قلب بعد اضطراب طويل… كلها صور مختلفة لمفهوم واحد: أن الله إذا أعطى أدهش.

في جوهره، طيّ السنين ليس تسريعًا للوقت بقدر ما هو جبر للقلوب. هو رسالة إلهية خفية تقول للإنسان:

لم يضع صبرك، لم يذهب انتظارك سدًى، كانت كل دمعة تُكتب، وكل دعاء يُحفظ، وكل خطوة متعثرة تمهّد لطريق قادم. وما ظننته تأخرًا كان إعدادًا، وما حسبته حرمانًا كان حماية، وما رأيته انسدادًا كان تحويلاً لمسارك نحو ما هو خير لك. والسنوات التي تمتلئ بالتجارب والمحن لا تُمحى من الذاكرة حين تُطوى، لكنها تتحول إلى وقود نور، إلى حكمة، وإلى بصيرة تُمكّن الإنسان من تذوق النعمة حين تحضر.

فطيّ السنين لا يختصر الوقت فحسب، بل يختصر الغفلة أيضًا، ويوقظ القلب إلى أن العطاء الحقيقي يبدأ من لحظة الرضا، ويكتمل بلحظة الفتح. ونحن نعيش بين خوف من الغد وحنين إلى الأمس، لكن طيّ السنين يعلّمنا أن الله قادر أن يغيّر معالم العمر في لحظة، وأن ما يأتي من عنده لا يُقاس بمنطق الأرقام بل بمنطق الرحمة.

ومن فهم هذا المعنى أدرك أن تأخر الأمنيات ليس فشلًا، بل انتظارًا للحظة المناسبة التي يتسع فيها القلب لتلقيها.

ولذلك نقول بصدق القلب لا بلسان الكلام: اللهم إن كانت في أعمارنا سنوات ثقيلة قد مضت، فاطوِها عنا، واجعل ما بقي من أيامنا عامرًا بالرضا والخير والبركة. واجبر كسر القلوب التي طال انتظارها، وافتح لها من أبوابك ما تعلم أنه الخير لها، وامنحها من فيض لطفك ما يعوضها عن كل ما فات.

ففي لحظة واحدة قد تتغير الحياة كلها…

وتُطوى السنين، وتولد البداية من جديد.

وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.