طائرتي الورقية – فارس السردار

 فارس السردار

في الماضي كنا اذا جاء الصيف توجهنا بمصروفنا تجاه شراء طبقات من الورق الأسمر، الذي هو مخصص لتغليف كتب ودفاتر المدرسة، لكنه الصيف وقد اغلقت المدرسة ابوابها، وكنا أيضاً في نفس الوقت نستقصي عن بقايا المكانس القديمة لنستخرج من قبضاتها التي هي بالأصل سعف نخيل عيدان نحيفة لها مرونة عالية، وسعيد حظ من يعثر له على قصبة طويلة يقوم بتنحيتها ليشكل منها قوساً ومدادة كقطعة واحدة من كل منهما. كانت امهاتنا تواري علبة بكرات خيوطها عن اعيننا خشية اختطاف بكرة أو بكرتين. لأنها ستكون  مستهدفة بالنتيجة. ومع انكسار عامود الشمس، أي عند رفع اذان العصر تجدنا توزعنا على اسطح المحلة كل منا يجر طائرته الورقية آملين استدعاء النسمة لما اتيح لنا من مساحة للأتصال مع السماء في بيوت قدر لها ان تكون متواطئة مع بعضها ليسند كل منها جدار البيت المجاور. وما ان تحلق طائرتنا الورقية الا ونكون قد حلقنا معها. بعضنا يرسم عيناً مفتوحة اوسع ما تكون لتطل علينا من فوق. آخرون يرسمون وجوهاً لا يزيع بصرها عن التحديق، وحتى يمكن قراءة ما يرتسم على ملامحها من دهشة. ربما من غرابة ما تراه وما يبيحه لها الارتفاع من مشاهد اوسع من المعتاد واقرب الى البارونامية.بعض الوجوه المرسومة تكون ملامحها خائفة قبل التحليق، لكن ما ان ترتفع وتغدو بعيدة عندها يصعب تميز ما يتشكل من انطباع لان الطائرة برمتها لا تبدو اكبر من كف اليد.  ولا صلة لها بنا الابذاك النبض الذي يحمله الخيط وبعض الميلانات المربكة والمثيرة للتحفيز خشية أن تهوي الطائرة بدورانات متتابعة حول نفسها اذا ما شدتها الريح في الاعلى بقسوة وافقدتها الارتفاع الذي كانت عليه. المتعة كانت في التحدي والتغلب على الضروف الصعبة المحيطة بكل التفاصيل منذ لحظة انتاجها حتى تحليقها في الجو وبقائها محلقة بل راسخة بصدر السماء تلاعب النسمات لاطول فترة ممكنة، عند ذلك تذهب بنا المخيلة الى مساحات واسعة وتجعلنا نتقمص ونتبادل الادوار، فالعين المرسومة على جسد الطائرة هي عيننا التي حلمت بالتحليق منذ لحظت الاجنحة تحلق بالطيور، بغية التمكن من الرؤية من فوق، والوجه وجهك ايضا، فبقيت الصورة تاتينا عبر المخيلة مشوهة تفتقد الدقة، تعتمد الاستعادات الذاكراتية لاي موقف مسبق اطل من عليٌ، قريبا للتوقعات فتركب صورة فوق اخرى وينتج المشهد المتوقع النهائي. لكن اذا بقيت الطائرة محلقة حتى المساء، عندها تنام عين التخيل لأنه بالاساس لا يوجد ما يشير في قاموسنا المعرفيالى ما هو رؤية ليلية انذاك، او القدرة على استخدام لاشعة ما تسهل الرؤية او نستعين بضوء النجوم. كان العالم بسيطاً وله حدود يتحرك وفقها العقل ويعمل بها. ومع ذلك كنا لا نميل الى القناعة كثيرا بل نصر على ان ثمة مايكون ممكناً. لذلك علقنا بالخيط  «فرنات « كأنها الفوانيس تتراقص بضوئها الملون على طول الخيط قد يبلغ عددها ثلاثة، تتكون من شمعات صغيرة  تحاط بورق ملون شفاف  وتربط بالخيط لتتارجح  في السماء بالوان ازرق احمر اصفر ناشرة البهجة والتحدي لباقي اقراننا من الصبية اضافة لما تبدده من ظلام. هذه الخبرات علمتها لأولادي  وطيروا بها طائراتهم الخاصة. ما تغير في زمنهم ان الطائرات باتت تجيئ مسلفنة، وتاخذ شكل سبايدر مان أو سوبر مان او الرجل الوطواط وحتى شكل نسر او فراشة. بالوان واحجام مختلفة وبملمس بلاستيكي. هي اذهلتهم، لكن ما اذهلهم بقسوة هو ماريو والالعاب الاليكترونية التي اكتسحت مخيلتهم وهيمنت على عالمهم الذي لم يعد بسيطا بالنسبة لي بالمرة على اقل تقدير. الا أن احفادي اليوم يحدثوني عن طائرات مسيرة بالاسلكي أو ما يشبه الجويستك الخاص بالعاب الفيديو  وبلا خيوط وبلا انتظار لنسمة هواء وفي الوقت الذي تحلق فيه طائراتهم تنقل لنا شاشة التلفاز او التاب او الهاتف الذكي صوراً لمشاهد من اعلا تصور اسطح بيوتنا وحدائقنا والشوارع المحيطة بنا وحركة العامة. والمهارة كل المهارة تكمن بالتغلغل من بين الاشجار والوقوف في السماء والهبوط ببطئ والانطلاق بسرعة تسابق العصافير وتطارد الطيور والمرور في الازقة الضيقة، واذا ذهبنا الى الطبيعة تحررنا من وجلنا وخوفنا وتدفع بحماسنا لنجعلها تحلق بجانب قطوع وسفوح جبلية يصعب ارتيادها او تسلقها، وتحلق فوق اسطح الانهر والبحيرات او تراوغ موج البحر وتاتي مبلله برذاذه، او تدخل كهفا  او تهبط وادي. كل هذه المشاهد تصورها وترسلها الينا لنستمتع برؤيتها هذا ما تحدث به احفادي عبر الانترنيت عندما وعدتهم باني ساصنع لهم طائرة ورقية حالما نلتقي  في البيت الذي ولد فيه اباؤهم عندما ياتون للزيارة من دار هجرتهم في الصيف القادم.   وفي الوقت الذي انتظر عودتكم كانت واحدة من هذه الطائرات تحلق في فضاء حديقتنا كنت اراها عبر زجاج نظاراتي الا انها القت شيئا ما هبط سريعا حجبه سياج الدار عني لكن ضجيج انفجاره عصف بسمعي وشضاياه طالت اغصان واوراق شجرة اليوسف افندي التي تحبون.