صدى الطبول وذاكرة الوجدان – عمار عبد الواحد

صدى الطبول وذاكرة الوجدان – عمار عبد الواحد

انقضت أيام الشهر الفضيل وطويت سجادات التراويح لكن عبق تلك الليالي العامرة لا يزال يسكن الزوايا ويؤثث ذاكرة الروح بحكايات لا تمل وجمال لا ينضب فبينما نودع رمضان سائلين المولى القبول والعتق.

تبقى في مخيلتنا ملامح شخصية استثنائية طبعت طفولتنا وبهرت حواسنا وهي شخصية ذلك المنادي الذي يشق سكون الليل ليوقظ فينا الرغبة في الطاعة والقيام «’فالمسحرجي « في عراقنا الأصيل ليس مجرد عابر يحمل طبلا بل هو ركن حصين من أركان الموروث الشعبي الذي يأبى النسيان وتلك الشخصية التي تتعدد أسماؤها وتتحد رسالتها تجدها في مصر باسم «المسحراتي» وفي بلاد الشام والمغرب العربي وإسطنبول بأسماء تختلف في نطقها وتتفق في جوهرها الروحاني العميق.

إنها حالة من الإرث العابر للأجيال حيث كان «المسحر» قديما يحمل نكهة الوقار والهيبة والخشوع يذكر الغافلين ويحيي في القلوب هدوء الطمأنينة بعيدا عن صخب الحداثة الذي شوه بعض ملامح هذه المهنة في وقتنا الراهن فالفرق بين الأمس واليوم يكمن في ذلك الصدق الفطري الذي كان يحرك أقدامهم في الأزقة الضيقة واليوم ونحن نغادر تلك الأيام المباركة ندرك أن «المسحر» لم يكن مجرد منبه للجسد بل كان منبها للقيم والألفة الاجتماعية التي جعلت من شعوبنا نسيجا واحدا يجمعه صوت الطبل ودعاء السحر فسلام على تلك القلوب التي لا تزال تحفظ للتقاليد هيبتها وللذكريات عطرها الذي لا يزول بمرور السنين.