شيخ للإيجار – جليل وادي

كلام أبيض

شيخ للإيجار – جليل وادي

 

من غير المعقول لوم الناس عندما تحتمي بالعشيرة في وقت يغيب فيه القانون، او عندما يكون بمقدور المعتدي التأثير في سير العدالة بأمواله وعلاقاته وسلطته، هذا ليس دفاعا عن الولاء العشائري، ولا تفعيل له بينما نريد للمواطنة ان تكون معيارا في التعامل مع أفراد المجتمع في دولة مدنية لا تمييز فيها على أساس الدين او المذهب او القومية او الجنس، بل التسليم بحقيقة ان المجتمع الذي لم يقفز على العشائرية بوصفها ولاء أبعد ما يكون عن التحضر، لان ذلك يعني ان المجتمع مازال في مرحلة ما قبل الدولة، والدولة التي ينتعش فيها الفعل القبلي ليس لها من سمات الدولة سوى شكل الهيكل . فحضور العشيرة يعني غياب الدولة ، ولكن عندما تتلاشى مظاهر الدولة وأولها هيبة القانون وسلطته، فلا بد لجهة أن تملأ هذا الفراغ لتكون قوة ضبط اجتماعي بديلة للقانون، فالمجتمعات في أوقات الأزمات وحالات عدم الاستقرار بأمس الحاجة لقوة الضبط تلك حتى وان كانت غير مقتنعة بجهاتها، فالأمن كما الغذاء، تغدو الحياة بدونه مرا علقما .لذلك تبرز الى السطح في مثل هذه الظروف ولاءات فرعية كالطائفية والقبلية والمناطقية وغيرها، وفي الغالب يكون لهذه الولاءات تداعيات كارثية، بل بمقدورها تمزيق المجتمع وتهديد كيان الدولة، وجعلها نهبا لكل الطامعين والشامتين والذين أجسادهم في العراق وأرواحهم على شواطيء المتوسط .

ولا يمكن التصدي للجوانب السلبية لهذه الولاءات بالمناشدات والدعوات، بل بالعمل المتكامل بين قوة القانون وهيبة الدولة والعمل الثقافي . فالمذهب والقبيلة راسخان في وجدان العراقيين ولهما تاريخ طويل في مسيرتهم، وفي جوهرهما جوانب ايجابية تقتضي تفعيلا واستثمارا واعيا لخدمة المجتمع، فلا اعتراض على مذهب بجوهره، فهو قراءة للوجه الاخر من الحقيقة، لكنه يغدو عاملا مميتا اذا وظف سياسيا ليتحول الى طائفية، وقد وظف سياسيون المذهب من دون ان يدركوا مشكلاته اللاحقة، او دفعتهم اغراءات الوصول الى السلطة بصرف النظر عن الخسائر .

فالعشيرة من الأوهام التي لها كيان اجتماعي في الواقع، بمعنى ان المقوم الأساس لها والمتمثل بوحدة الدم الذي يغذي وحدة النسب، لا وجود له، وهو كما يقول المفكر ساطع الحصري (مسألة ايديولوجية وليست حقيقة بايولوجية) فالمجتمعات تداخلت مع بعضها عبر المصاهرات وغيرها من التفاعلات، ومع ان الدم النقي الواحد وهم، لكن هذا الوهم له كيان ومنظومة ثقافية من قيم وعادات واعراف وآليات عمل ورموز بشرية واخرى معنوية . ومن مظاهر وجوده تحكّمه بحياتنا وفي مسارات الدولة سلبا وايجابا، وفي أحيان كثيرة تفوق سلبياته ما نجنيه من منافع .

ما هو خطير في الامر ليس البعد الاجتماعي للعشيرة، فضمير الرموز العشائرية الحقيقية ما زال نبيلا في غالبه، بل الخطورة تكمن في تعشيق المصالح الاقتصادية للعشيرة بعمل الدولة، وكذلك عندما توظف العشيرة لغايات سياسية، وما قاله أحد شيوخ عشائر البصرة في مؤتمر صحفي ينم عن وعي عميق بالظاهرة، اذ قال (ان الصراعات العشائرية الجارية في المحافظة باطنها سياسي واقتصادي وظاهرها عشائري)، هذه هي الحقيقة التي يجدر بنا تأملها، اما الصراعات الاخرى فذات ابعاد اجتماعية وتداعياتها طفيفة، ورجالات العشائر قادرون على حلها وببساطة .

ستغدو مصالح العشيرة مع غياب هيبة الدولة وتراجع أدواتها ككرة الثلج تتضخم طالما هي في حالة تدحرج بما يحّول العشيرة الى دولة داخل دولة، ومعها ستكون الدولة عاجزة امام سطوة العشيرة وتجذر ثقافتها في واقع متأزم بالاصل .

اللافت للنظر في هذه الايام، الحركة الدؤوب لبعض السياسيين في الأوساط العشائرية، بما في ذلك تفعيل (دبلوماسية العزائم) ذات السعرات الحرارية العالية.

أمس همس في اذني أحد الاخوان مبتسما (اذا حدثت لك مشكلة عشائرية لاسمح الله، اعرف شيوخا ولديهم مسلحين بسيارات حديثة (جكسارات) مستعدين للدفاع عنك مقابل اجور يتفق عليها)، ما شاء الله.

ديالى