شوقي وأم كلثوم ونيل المطالب بالتمني-د. نزار محمود

وما‭ ‬نيل‭ ‬المطالب‭ ‬بالتمني

ولكن‭ ‬تؤخذ‭ ‬الدنيا‭ ‬غلابا

لست‭ ‬شاعراً‭ ‬أو‭ ‬متخصصاً‭ ‬باللغة‭ ‬العربية،‭ ‬ولست‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬تفسير‭ ‬لغوي‭ ‬بحت‭ ‬أو‭ ‬نحوي‭ ‬لهذا‭ ‬البيت‭ ‬الشهير‭ ‬والواسع‭ ‬التداول‭ ‬في‭ ‬الأحاديث‭ ‬والكتابات‭.‬

أحاول‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬ان‭ ‬اتناول‭ ‬بيت‭ ‬الشعر‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬سياسي،‭ ‬وحتى‭ ‬اداري‭ ‬أو‭ ‬اقتصادي،‭ ‬هذا‭ ‬مع‭ ‬الاشارة‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬موضوع‭ ‬بيت‭ ‬الشعر‭ ‬ليس‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬العلوم‭ ‬الأخرى‭ ‬كعلم‭ ‬النفس‭ ‬والاجتماع‭ ‬وغيرها‭ ‬في‭ ‬تطبيقاته‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬الشاعر‭ ‬موفقاً‭ ‬ودقيقاً‭ ‬في‭ ‬اختياره‭ ‬لكلمة‭ ‬التمني‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الرجاء،‭ ‬ليعبر‭ ‬بها‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬التمني‭ ‬بعينه‭ ‬غير‭ ‬المستند‭ ‬الى‭ ‬الاشتراطات‭ ‬والعزم‭ ‬والتوكل،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬يصل‭ ‬بها‭ ‬المرء،‭ ‬غالباً،‭ ‬الى‭ ‬مطالبه‭ ‬ولا‭ ‬يحقق‭ ‬معها‭ ‬أهدافه‭. ‬وفي‭ ‬شطر‭ ‬البيت‭ ‬الشعري‭ ‬يعود‭ ‬الشاعر‭ ‬ليكمل‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تؤخذ‭ ‬الدنيا،‭ ‬وهنا‭ ‬عبر‭  ‬بكلمة‭ ‬الدنيا،‭ ‬الا‭ ‬بالغلبة‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تعنيه‭ ‬وتستلزمه‭ ‬الغلبة‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬العلم‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والادارة‭ ‬والتنظيم‭ ‬والعدل‭ ‬والمنافسة‭ ‬الشريف‭ ‬في‭ ‬اجواء‭ ‬البيئة‭ ‬الإنسانية‭ ‬النظيفة‭.‬

ان‭ ‬تحرر‭ ‬الشعوب‭ ‬هو‭ ‬فعل‭ ‬كرامة‭ ‬إنسانية،‭ ‬وأن‭ ‬بناء‭ ‬الدول‭ ‬هو‭ ‬فعل‭ ‬الانجاز‭ ‬البشري‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬عناصره‭ ‬التي‭ ‬اشرت‭ ‬اليها‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬القوة‭. ‬وهكذا‭ ‬يبقى‭ ‬التحرر‭ ‬فضفاضاً‭ ‬تعبث‭ ‬به‭ ‬الريح‭ ‬اذا‭ ‬ما‭ ‬ادارته‭ ‬عقول‭ ‬قاحلة‭ ‬وقلوب‭ ‬قاسية‭ ‬وكروش‭ ‬وفروج‭ ‬شهوة‭ ‬ونفوس‭ ‬ضعيفة‭ ‬وعملاء‭ ‬قدموا‭ ‬آخرتهم،‭ ‬ليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬في‭ ‬معناها‭ ‬الديني،‭ ‬فداءً‭ ‬لحياتهم‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬أمير‭ ‬الشعراء‭ ‬“‭ ‬أحمد‭ ‬شوقي”‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬قصائد‭ ‬ديوانه‭ ‬إحساساً‭ ‬سياسياً‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬حراك‭ ‬الشعب‭ ‬المصري‭ ‬وأمته‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬إنتمى‭ ‬اليها‭ ‬روحاً‭ ‬وثقافة‭. ‬ورغم‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يقف‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬امته‭ ‬الا‭ ‬أنه‭ ‬بقي‭ ‬متفائلاً‭ ‬عازماً‭ ‬منيراً‭ ‬لابناء‭ ‬شعبه‭ ‬درب‭ ‬الهداية‭ ‬الى‭ ‬المجد‭ ‬والعلا،‭ ‬حين‭ ‬يكمل‭:‬

وما‭ ‬استعصى‭ ‬على‭ ‬قوم‭ ‬منال

اذا‭ ‬الاقدام‭ ‬كان‭ ‬لهم‭ ‬ركابا

وبهذه‭ ‬الأبيات‭ ‬صدحت‭ ‬أم‭ ‬كلثوم،‭ ‬وهي‭ ‬تلهب‭ ‬بطبقات‭ ‬صوتها‭ ‬الرخيم‭ ‬مشاعر‭ ‬مستمعيها،‭ ‬ويا‭ ‬ليت‭ ‬كذلك‭ ‬عقولهم،‭ ‬وياليت‭ ‬كان‭ ‬اسم‭ ‬الاغنية‭ ‬سلوا‭ ‬قلبي‭ ‬وعقلي،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬سلوا‭ ‬قلبي،‭ ‬لوحده‭!‬

برلين،