شهوة الإنسان للكراهية والتدمير – مقالات – معتصم السنوي
حتى يمكن للناس أن يحددوا أنفسهم، فإنهم يحتاجون إلى آخر، فهل هم يحتاجون أيضاً إلى عدو؟ من الواضح أن بعض الناس يفعلون ذلك، قال (جوزيف جوبلز Josef Gobbles) أوه، يالروعة أن تكره، وقال (أندريه مالرو Andre Malraux) أوه، ياله من شعور بالارتياح أن تحارب أعداء يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، أعداد يقظون. هذه تصريحات (متطرفة) تعبر عن حاجة إنسانية منتشرة ولكن يتم كبتها بوجه عام، وقد أعترف بها أثنان من أعظم عقول القرن العشرين، وقد كتب (ألبرت أنيشتاين Albert Einstein) إلى (سيجموند فرويد Sigming Freud) عام1933 فقال إن كل محاولة لإنهاء الحرب قد أنتهت بفشل ذريع.. فالإنسان لديه في داخله شهوة للكراهية والتدمير.! وقد وافق (فرويد) على أن الناس مثل (الحيوانات) فهم يحلون المشكلات باستخدام القوة، ولا يمكن أن يمنع ذلك من الحدوث سوى دولة عالمية في يدها كل القوة. كان هذا هو رد (فرويد). وأضاف (فرويد) أن البشر لديهم نوعان من الغرائز “تلك التي تسعى البقاء والوحدة… تلك التي تسعى للتدمير والقتل”. وهذان النوعان من الغرائز جوهريان ويعملان معاً ومن هنا، “فلا جدوى من محاولة التخلص من الميول العدوانية للبشر”.وهناك علماء آخرون في علم النفس الإنساني والعلاقات الإنسانية أدلوا بتصريحات متشابهة قال (فاميك فولكان Vamik Volkan) هناك حاجة إلى أن يكون لك أعداء وحلفاء. “ويبدو هذا الاتجاه في النصف الأول من المراهقة” عندما ينظر إلى الجماعة الآخر بشكل مؤكد على أنها عدوّ والنفس البشرية هي التي تخلق مفهوم العدو.. فطالما بقيت جماعة الأعداء على بعد (سيكولوجي) على الأقل، فإنها تعطينا العون والراحة، وتدعم تماسكنا وتجعل المقارنات مع أنفسنا مدعاة للرضا فالأفراد يحتاجون إلى أحترام النفس، والاعتراف بهـــم، والرضا، وهو ما أسماه (أفلاطون (Thymos واسماه (آدم سميت (Vanity أي الزهــــو بالنفس، وقـــــــد ذكرنا بــــذلك (فرانسيس فوكوياما Francis Fukuyama) والصراع مع العدو يعزز هذه الصفات في الجماعة. إن حاجة الأفراد إلى احترام الذات يؤدي بهم إلى الاعتقاد بأن جماعتهم أفضل من غيرها من الجماعات وشعورهم بالذات (يرتفع وينخفض) تبعاً لحظوظ الجماعات التي ينتمون إليها وتبعاً لاستبعاد الناس الآخرين من جماعتهم، وكما يقول (ميرسر Mercer) فإن الأثنية هي المعادل المنطقي للتمركز حول الذات، وحتى عندما تكون جماعتهم تحكيمية مؤقتة وفي حدها الأدنى، تماماً فإن الناس، ما زالوا، كما تتنبأ (نظرية الهوية الاجتماعية)، يميزون لصالح جماعتهم مقارنة بجماعة أخرى، ومن هنا فإنه في عديد من المواقف يختار الناس أن يضحوا بمكاسبهم المطلقة حتى يمكن أن يحققوا مكاسب نسبية، وهم يفضلون أن يكونوا على أسوأ حال تماماً، ولكن أفضل إذا قورنوا بآخرين يرون أنهم منافسون، بدلاً من أن يكونوا في أحسن حال ولكن ليسوا بأحسن من منافسيهم، إن ضرب الجماعة الأخرى أهم من مكسب خالص، وهذا التفضيل يدعمه بشكل متكرر الدليل المستمد من التجارب (السيكولوجية) واستطلاعات الرأي العام، فضلاً عن الفطرة السليمة والخبرة اليومية، وقد حير علماء الاقتصاد ما يقوله الأمريكيون من أنهم يفضلون أن يكونوا أسوء حالاً من الناحية الاقتصادية. ولكن متقدمين على اليابانيين، بدلاً من أن يكونوا أفضل حالاً، ولكن متخلفين أمام اليابانيين، والتعرف على الاختلاف لا يولد بالضرورة المنافسة، ولا الكراهية إلى حد كبير، ولكن حتى الناس الذين ليس لديهم حاجة (سيكولوجية) للكراهية، يمكن أن يجدوا أنفسهم متورطين في عمليات تؤدي إلى خلق الأعداء، فالهوية تتطلب المفاضلة، والمفاضلة تتطلب المقارنة، والتعرف على الوسائل التي تجعل “جماعتنا تختلف عن جماعتهم” والمقارنة بدورها، تولد التقويم، هل وسائل جماعتنا أفضل أم أنها أسوء من وسائل جماعتهم؟ والأنانية الجماعية تؤدي إلى التبرير، إن وسائلنا أفضل من وسائلهم ولما كان أعضاء الجماعة الأخرى يقومون بعملية مماثلة، فإن التبريرات المتناقضة تؤدي إلى المنافسة، وعلينا أن تظهر تفوق وسائلنا على وسائلهم والمنافسة تؤدي إلى العداوة وإلى توسيع الهوية لما قد يكون قد بدأ على أنه خلافات ضيقة ليصبح خلافات عميقة وأساسية، ويتم خلق القوالب النمطية، ويوصف الخصم بأنه (شيطان) ويتم مسخ الآخر ليصبح عدواً.
وبينما توضح الحاجة إلى أعداء وجود الصراع في كل مكان بين المجتمعات الإنسانية وبداخلها، فإنها لا تشرع أشكال الصراع ولا أماكنه. فالمنافسة والصراع لا يمكن أن يحدثا إلا بين كيانات موجودة في العالم نفسه أو الساحة، وكما يقول (فولكان Volkan) فإن (العدو) يجب أن (يكون مثلنا) بمفهوم معين، إن فريقاً لكرة القدم قد يعتبر فريق كرة قدم آخر منافساً له، ولكنه لن ينظر إلى فريق الهوكي النظرة نفسها، وقسم الدراسات التاريخية في إحدى الجامعات سيعتبر أقسام الدراسات التاريخية في الجامعات الأخرى منافسين له بالنسبة لهيئة التدريس، والطلبة، والهيبة في إطار التاريخ، ولكن لن ينظر إلى قسم الطبيعة في الجامعة نفسها على هذا الضوء. ومع هذا، فقد ينظر إلى قسم الطبيعة كمنافس من ناحية التمويل داخل الجامعة.إن على المتنافسين أن يلعبوا على طاولة (الشطرنج) نفسها ومعظم الأفراد والجماعات تتنافس على عدة طاولات شطرنج مختلفة وطاولات الشطرنج لابد أن تتواجد، ولكن اللاعبين قد يتغيرون، وتتابع المباريات، ومن هنا، فإن أحتمال وجود سلام عام ودائم بين الجماعات الأثنية أو الدول، أو الأمم هو احتمال يعيد، وكما تدل التجربة الإنسانية، فإن نهاية حرب ساخنة أو باردة تخلق الظروف لحرب أخرى، وكما تقول لجنة من الأطباء النفسانيين “إن جزءاً من كون الإنسان إنساناً كان دائماً البحث عن عدو لتجسيد مؤقت أو دائم للجوانب من حياتنا التي نتنصل منها””. وجميع نظريات أواخر القرن العشرين مثل نظرية التميز ونظرية الهوية الاجتماعية ونظرية البيولوجيا الاجتماعية والخصائص إنما تدعم النتيجة بأن جذور الكراهية والمنافسة، والحاجة إلى الأعداء، وعنف الأفراد والجماعات والحرب كامنة بشكل حتمي في عالم النفس الإنساني والوضع الإنساني..!رؤية إجمالية: ليس مجرد صدفة إصرار أوائل علماء البشرية-على رأسهم (ماركس) على مستوى الكيانات الاجتماعية، و(فرويد) على مستوى علم النفس- على التضامن بين النظري والتطبيق العملي وتأكيدهم بأن الإدراك- الجماعي أو الخاص ينطوي في ذاته على فعالية خاصة، ويتـــــــضمن عامل تحويل وتقدم.
ولكن، كما أن كل تطبيق عملي هو متضامن ضمناً على الأقل، مع إحدى القواعد الأخلاقية، فإن كل تكوين يستند إلى فكرة مكونة عن الإنسان وإلى مشروع يتعلق بالقيم الأخلاقية، لذلك فإن استعمال التقنية الخاصة بعلم النفس الاجتماعي ولاسيما اللجوء إلى ديناميكية كمركز وكدافع للتدخل، يتضمان بنظرنا بعض المبادئ الموجهة، وبسبب الشكوك التي تثقل كامل التطورات الراهنة لتكون العلاقات البشرية.يأتي في المقدمة “قيمة الإيضاح” بجميع أشكاله: كالإعلام الشامل، مجابهة المناهج، وإدراك طرائق العمل المتداخل وبيان عللها، ويقتضى التنبيه إلى أنه في بعض الحالات الخاصة بالتكوين، يعتبر هذا الإدراك أمراً مغايراً لمجرد تقديم الأنباء أو طريقة ذهنية صرفة، لأنه يتم من خلال ديناميكية تلزم الفرد والجماعة مع ميولهم العاطفية، ولهذا السبب يمكن أن يصبح مصدراً لتطور المواقف.ويتعلق المبدأ الرئيسي الثاني بنفي الإجراءات المنطوية على الخديعة والتي تبنى على تصرف يتم يدون علم الأشخاص المعنيين، أي دون أن يشعروا بها، حالياً على الأقل، أو يوافقوا عليها، ان مثل هذه التصرفات قد تأخذ، حسب الأوضاع، شكل استراتيجية معقدة لبلوغ بعض الأهداف المرغوب فيها، كما يمكن أن تتخذ شكل إغراءات مباشرة تتم في جو من التواطؤ، غير أن الجهد يتجه دائماً نحو أحداث ورعاية حالة تنطوي على إقصاء الأشخاص والجماعات، إلى نقاط تتعارض مع الإيضاح البناء. ومهما كان الأمر، فإن عالم النفس الاجتماعي لا يستطيع أن يعتبر نفسه مجرد رجل فني، بل أنه يحمل على التساؤل عن حقيقة معنى تدخله، أما نحن فتسطيع أن نبين بأنه يرمي إلى مساعدة الآخرين، ومساعدة أنفسنا على الأتصال والتعاون عبر عدة طرائق خاصة بالتطور، وجدير بالاهتمام أن نحترز من مكانتنا، كيلا ننساق، في ظل قصد واضح، في الأسترسال بطيبة خاطر في محاولات آلهية أو ارتجالات محفوفة بالشك..!

















