شهقات العزلة – حسن النواب

حسن النواب

‭ ‬تظنُّ‭ ‬هو‭ ‬لا‭ ‬يحبها؛‭ ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬أنَّ‭ ‬صورها‭ ‬ملأت‭ ‬جدران‭ ‬قلبه‭.‬

‭ ‬لا‭ ‬فرق‭ ‬بين‭ ‬أنْ‭ ‬تستمر‭ ‬بالفقر‭ ‬أو‭ ‬الثراء؛‭ ‬كلاهما‭ ‬يؤديان‭ ‬إلى‭ ‬الموت‭.‬

‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الكاتب‭ ‬شجاعاً‭ ‬في‭ ‬نصهِ؛‭ ‬فأن‭ ‬القارئ‭ ‬أكثر‭ ‬شجاعة‭ ‬منه‭ ‬عندما‭ ‬يقرأه‭.‬

‭ ‬في‭ ‬المعارك‭ ‬التي‭ ‬خاضها؛‭ ‬لا‭ ‬يتمنى‭ ‬الجندي‭ ‬أن‭ ‬يُجرح،‭ ‬لأنه‭ ‬سيظل‭ ‬ينزف‭ ‬وليس‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يسعفهُ‭.‬

‭ ‬الكاتب‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬ينتم‭ ‬لحزب،‭ ‬ولا‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬وصاية‭ ‬أحد،‭ ‬قلمهُ‭ ‬يبقى‭ ‬حرّاً‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭.‬

‭ ‬الواقعية‭ ‬ليست‭ ‬أن‭ ‬تكتب‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬فقط،

إنما‭ ‬الأهم‭ ‬أن‭ ‬تكتبَ‭ ‬ما‭ ‬سيحدث‭.‬

‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يفصّل‭ ‬ثوب‭ ‬الحروف‭ ‬ويرتّق‭ ‬زي‭ ‬الكلام‭.‬

‭ ‬جيل‭ ‬قاتلَ‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وآخر‭ ‬إيران،‭ ‬جيل‭ ‬قاتل‭ ‬أمريكا،‭ ‬جيل‭ ‬يقاتل‭ ‬الدواعش‭ ‬وجيل‭ ‬يقاتل‭ ‬وطنه‭ ‬الآن‭.‬

‭ ‬كانوا‭ ‬مرغمين‭ ‬بالدفاع‭ ‬عن‭ ‬الطاغية‭ ‬في‭ ‬جبهات‭ ‬الحرب؛‭ ‬وعندما‭ ‬يعودونَ‭ ‬في‭ ‬إجازة‭ ‬يلعنونهُ‭ ‬سّراً‭ ‬في‭ ‬الحانات‭.‬

‭ ‬المختلف‭ ‬وحشتهُ‭ ‬عظيمة‭ ‬ويكرههُ‭ ‬العاديون‭.‬

‭ ‬صادفَ‭ ‬الموتَ‭ ‬في‭ ‬المعارك‭ ‬والحياة،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬ينل‭ ‬منهُ،‭ ‬لأن‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يكتبهُ‭ ‬بعد‭.‬

‭ ‬الكتابة‭ ‬بلا‭ ‬خوف‭ ‬بلسماً‭ ‬لجراح‭ ‬الفقراءْ،‭ ‬وحراباً‭ ‬في‭ ‬صدر‭ ‬الطغاة‭.‬

‭ ‬استرجاع‭ ‬الثروة‭ ‬من‭ ‬الطغاة‭ ‬وساسة‭ ‬الفساد‭ ‬خيرٌ‭ ‬من‭ ‬ألف‭ ‬صلاة‭.‬

‭ ‬الصادقون‭ ‬ليسوا‭ ‬شجعاناً‭ ‬فحسب؛‭ ‬إنما‭ ‬يتجنبون‭ ‬تأنيب‭ ‬ضمائرهم‭.‬

‭ ‬الحرية‭ ‬لا‭ ‬يقتلها‭ ‬الطغاة‭ ‬إنما‭ ‬الجُبن‭.‬

‭ ‬الغربة‭ ‬هي‭ ‬زوجة‭ ‬الأب‭.‬

‭ ‬العزلة‭ ‬هي‭ ‬قبرٌ‭ ‬في‭ ‬المنزل‭.‬

‭ ‬نشر‭ ‬ذكرياتهُ‭ ‬على‭ ‬حبل‭ ‬الغسيل،‭ ‬غربت‭ ‬الشمس‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬تقطر‭.‬

‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬يثرثرُ‭ ‬مع‭ ‬نفسهِ‭ ‬طويلاً،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تسمعهُ‭ ‬يوماً‭.‬

‭ ‬من‭ ‬كثرة‭ ‬تشرّدهم‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬صارت‭ ‬آثار‭ ‬خطاهم‭ ‬بوصلات‭ ‬للتائهين‭.‬

‭ ‬ليس‭ ‬أمامهُ‭ ‬سوى‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬الكتابة

حتى‭ ‬إذا‭ ‬أصبح‭ ‬في‭ ‬قبره‭.‬

‭ ‬كلّما‭ ‬تراكم‭ ‬صدأ‭ ‬البلاد‭ ‬على‭ ‬قلبهِ،‭ ‬أزاحهُ‭ ‬بجنونهِ‭.‬

‭ ‬الفشل‭ ‬هو‭ ‬إنكَ‭ ‬أصبحتَ‭ ‬بلا‭ ‬منفعة،‭ ‬وهذا‭ ‬لن‭ ‬يحدث‭ ‬معهُ‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭.‬

‭ ‬الخمر‭ ‬يكرههُ،‭ ‬لأنهُ‭ ‬يعشقهُ؟‭!‬

‭ ‬الشعر‭ ‬يعشقهُ‭ ‬ويطاردهُ؛‭ ‬لأنهُ‭ ‬يتجاهله‭ ‬على‭ ‬الدوام‭.‬

‭ ‬سيسعى‭ ‬للتمتع‭ ‬بحياتهِ،‭ ‬لأنَّ‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬منها،‭ ‬أقصر‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬وردة‭.‬

‭ ‬كأس‭ ‬دمع‭ ‬ٍعلى‭ ‬الريق،‭ ‬بوسعه‭ ‬طرد‭ ‬كل‭ ‬ظلام‭ ‬يحاول‭ ‬غزو‭ ‬روحك‭.‬

‭ ‬كأنَّهُ‭ ‬يرى‭ ‬دخان‭ ‬سيجارته‭ ‬يرسم‭ ‬صورتها‭ ‬في‭ ‬عزلته‭.‬

‭ ‬يتوضأ‭ ‬بأحزانهِ‭ ‬قبل‭ ‬أنْ‭ ‬يكتب‭.‬

‭ ‬ما‭ ‬أصعبَ‭ ‬كتابة‭ ‬همسات‭ ‬القلب‭ ‬وحسرات‭ ‬الروح‭.‬

‭ ‬لم‭ ‬يرها‭ ‬يوماً‭ ‬لكن‭ ‬ذكرياته‭ ‬الحلوة‭ ‬معها‭ ‬ما‭ ‬أكثرها‭!‬

‭ ‬كلّما‭ ‬ابتعدَ‭ ‬عنها‭ ‬اقتربَتْ‭ ‬أنفاسها‭ ‬منهُ‭.‬

‭ ‬العصفوران‭ ‬اللذان‭ ‬أكملا‭ ‬بناء‭ ‬العش

لم‭ ‬يسكناهُ‭ ‬؟‭!‬‭ ‬إنما‭ ‬ذهبا‭ ‬يتوسّلان‭ ‬الريح‭ ‬حتّى‭ ‬لا‭ ‬تطوّحهُ‭.‬

‭ ‬المرأة‭ ‬الخائنة‭ ‬تفاحة‭ ‬فاسدة؛‭ ‬لا‭ ‬يأكلها‭ ‬سوى‭ ‬الرجل‭ ‬الخائن‭.‬

‭ ‬الوطن‭ ‬الذي‭ ‬يكره‭ ‬صراحة‭ ‬أبنائه‭ ‬ليس‭ ‬بوطن‭.‬

‭ ‬سيفقدُ‭ ‬الأصدقاء‭ ‬تباعاً‭ ‬من‭ ‬شدَّة‭ ‬وضوحه‭.‬

‭ ‬محظوظٌ‭ ‬من‭ ‬يموت‭ ‬في‭ ‬وطنه‭.‬

‭ ‬لولا‭ ‬الذاكرة‭ ‬والألم‭ ‬لما‭ ‬كتب‭ ‬حرفًا‭.‬

‭ ‬هو‭ ‬بوجهٍ‭ ‬واحدٍ‭ ‬مهما‭ ‬تعدَّدت‭ ‬المرايا‭ ‬أمامه‭.‬

‭ ‬ما‭ ‬أكثر‭ ‬الذين‭ ‬يخافون‭ ‬منهُ،‭ ‬وما‭ ‬أكثر‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يخاف‭ ‬منهم‭.‬

‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬نفسهُ‭ ‬فوق‭ ‬السحاب،‭ ‬كيانهُ‭ ‬محض‭ ‬سراب‭.‬

‭ ‬الدمع‭ ‬الذي‭ ‬ينهمر‭ ‬من‭ ‬عيون‭ ‬الفقراء،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أمطار‭ ‬الشتاء‭.‬

‭ ‬الذي‭ ‬في‭ ‬قلبهِ‭ ‬على‭ ‬لسانهِ،‭ ‬ثقْ‭ ‬به‭ ‬حتى‭ ‬الرمق‭ ‬الأخير‭.‬

‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬تملكهُ‭ ‬يمكن‭ ‬أنْ‭ ‬يكون‭ ‬لغيرك،‭ ‬إلاّ‭ ‬ما‭ ‬تبدعهُ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أنْ‭ ‬يكون‭ ‬لسواك‭.‬

‭ ‬حرارة‭ ‬قلبهُ‭ ‬مرتفعة‭ ‬جداً‭ ‬من‭ ‬الفراق‭.‬

‭ ‬سامحيني‭ ‬يا‭ ‬زوجتي‭ ‬الغالية؛‭ ‬لقد‭ ‬اقترنتُ‭ ‬بامرأةٍ‭ ‬أخرى،‭ ‬اسمها‭ ‬الوحشة‭.‬

حسن‭ ‬النوَّاب‭ ‬