شهادة روائية عن عذراء سنجار.. عندما تكون الأسئلة باطنية وحساسة وذات طبيعة مشوهة

شهادة روائية عن عذراء سنجار.. عندما تكون الأسئلة باطنية وحساسة وذات طبيعة مشوهة

وارد بدر السالم

قبل أيام سألتني إحدى القارئات أسئلةً حساسةً جداً ربما كنت أتوقعها حينما كتبتُ روايتي عذراء سنجار .. وهي : لماذا كتبتَ رواية عن سنجار وعن الأيزيديين ولم تكتب عن فاجعة الفلوجة أو احتلال الموصل والرمادي وتكريت؟ ما الذي أوصلك الى الأيزيديين وأنت المسلم الجنوبي الذي نعرف علاقتك بالأهوار على وجه الخصوص ؟

ألم تُثِرْكَ كارثة الفلوجة ؟ ولا مأساة الموصل ؟ ولا تدمير الرمادي ؟ حتى ذهبتَ الى سنجار والى آخرين لا نعرف عنهم شيئاً ؟ والى مدينة صغيرة قياساً للمدن الكبيرة التي احتلتها داعش وعاثت بها فساداً !

لماذا كتبتَ عن (عبدة الشيطان) ولم تكتب عن عبدة الله ورسوله في الموصل والفلوجة وغيرها من المحافظات التي أسقطتها داعش ؟

1

هذه أسئلة حساسة ومقصودة ومُربكة من قارئة مجهولة لا أعتقدها أسئلةً عفويةً بشكلٍ نهائي ولا أضمن براءتها في الأحوال كلها ؛ لكنها تحتاج الى إجابات تفصيلية ودقيقة وواضحة لإقناع الآخر الذي ينظر الى الوطن على أساسٍ ملتبسٍ دينياً أو اجتماعياً وطائفياً ومناطقياً، وبالتالي فالإجابة يجب أن تتوفر على قدرٍ كبيرٍ من المسؤولية الأخلاقية والأدبية والوطنية ، مبنية على الصراحة والوضوح والمباشَرة في تقديم الحقيقة والوثيقة للوصول الى منطقة آمنة في القناعة واعتبار إن كل ما جرى في الموصل وتكريت والرمادي والفلوجة وبيجي وسنجار وبعشيقة وبحزاني وكركوك وسهل نينوى هو جريمة واحدة وكارثة ومأساة فظيعة ولاسيما إن داعش هي عدو مشترك وشرس لكل هذه المناطق مهما كان دينها وطائفتها وقوميتها وألوانها المختلفة.سؤال القارئة صريح ومباشر واستفزازي الى حد كبير .. وسأغض النظر عن هدف السؤال وما ترمي اليه في باطنه ، لكن مثل هذا السؤال قد يتكرر لاحقاً من قرّاء تعوزهم خبرة الحياة وخبرة القراءة المحايدة  فلابد من إيضاح ما يمكن إيضاحه وإزالة الإلتباس عن هذا السؤال الذي قد يدور في أذهان آخرين ولاسيما الذين تابعوا رواياتي الماضية ووجدوا في “المكان” الذي اكتب فيه حاضنة جنوبية ثرية بكنوزها الأسطورية والتراثية والخرافية ولم يحصل إنْ كتبتُ عن مكانِ غيره.. سوى بغداد.فما الذي قادني الى سنجار فعلاً ؟ وأنا الذي لم أر سنجار حتى اليوم !ما الذي أدار بوصلة كتابتي من جنوبها الى شمالها ؟هل هناك أسرار في الكتابة تقودنا من حيث لا ندري ولا نتقصد ؟

هل كنت واثقاً من قدرتي الفنية على كتابة رواية سنجارية في ظروف احتلال داعش لها ؟ما الفرق بين الداعشي الذي دنّس الفلوجة والداعشي الذي دنّس سنجار؟كيف كان يفكر الداعشي وهو يحتل الموصل وكيف كان يفكر وهو يحتل سنجار؟هل داعش تكريت يختلف عن داعش سنجار ؟هل دواعش الرمادي لا يشبهون دواعش سنجار؟ما هي قصة سنجار فعلاً .. هذه المدينة الصغيرة التي جعلتني اكتب رواية طويلة عنها ولم أكتب عن فواجع الموصل والرمادي والفلوجة مثلا ؟؟مَن هي العذراء ؟ ومَن هي سنجار في الرواية ؟

2

هذه هي بعض معطيات السؤال الأول وتفريعاته التي يمكن أن نستنجها من سؤال القارئة المشار اليها في أول الكلام ، وهي أسئلة ممكنة إذا فرّغناها من القصدية المضمرة وسوء النية التي يمكن استشفافها من السؤال بصراحة ..لأنها ستبقى أسئلة مطروحة على مستقبل الرواية وفي أي مكان ..قد لا تكون الإجابة هنا وافية مثلما أريد لأني لا أطمح أن أكون باحثاً في الشؤون الدينية او المذهبية او السياسية أو القومية ، فهذا من قبيل تضييع الوقت بالنسبة لي لأمور سيختلف عليها أهل العمائم والسراويل والدشاديش أوقاتاً طويلة من دون أن يصلوا الى قناعات مشتركة من أجل وطن واحد تتعايش فيه الأديان والقوميات والطوائف مثلما كان على مر تاريخه الطويل.ولحصر الإجابة في موضوعنا ومراقبة أسئلة تلك القارئة المبطّنة حول عذراء سنجار أود تقديم الشهادة المبسطة التالية :

3

سابقاً وحتى وقتٍ قصير لم أعرف عن الدين الأيزيدي شيئاً سوى قراءاتٍ تعريفية عابرة . كان الدين الأيزيدي بالنسبة لي – وربما لكم أيضاً- أمراً غامضاً تدور حوله الأسئلة والتكهنات والشائعات والإفتراءات وقِصَر النظر؛ ولم يحدث إن خالطتُ الأيزيديين بسبب الجغرافية وشؤون الحياة المختلفة ، وكل ما نعرفه نحن العراقيين عن هذه الطائفة وهذا الدين كان عبارة عن معلومات فوضوية شفاهية ليست علمية ولا منطقية إنما هي تكريس قصدي ” إسلامي” قديم  يقضي بأنّ الأيزيديين قومٌ كفار ويعبدون الشيطان!هذه معلومة شفاهية متداولة أولى وردت في بالي وأنا أتابع أحداث احتلال سنجار وأقرأ وأرى وأسمع ما حدث للأيزيديات من فواجع أخلاقية في السبي والاغتصاب وامتهان للشرف والكرامة ومسخ الشخصية الإنسانية والهوية الدينية ، وبيعهنّ في سوق الرقيق بتسعيرات معلنة ووقحة تشير الى سلوك انحطاطي من الطرف الآخر – وهو داعش –  بطريقة تكاد تكون فيلمية لم نرها الا في افلام الأسود والأبيض القديمة.

هذه المشاهد التي لا يمكن تصديقها في أول الأمر حدثت فعلاً وصدقناها  في نهاية الأمر ، بل رأينا منها الأكثر ألماً ومأساةً لصبايا ونساء يُعرضْنَ للبيع علناً في حلب والرقة والموصل على وجه الخصوص بطريقة فيها امتهان للكرامة البشرية تشفُّ عن همجية وحيوانية وعقد نفسية فظيعة مارسها عناصر داعش بطريقة “إسلامية” وقحة خارجة من فتاوى سوداء جاهلية أكل الدهر عليها وشرب .. هذا الأمر الذي أوجع من كان فيه ضمير وقدر من الإنسانية وأدان هذا السلوك المنحرف بعرض المرأة العراقية – الأيزيدية بهذه الطريقة التي تدل على تفسخ أخلاقي وديني مثلما تدل على انحطاط سلوكي وهراء في الفكر الذي يحمله هؤلاء الشاذون أخلاقياً .

4

اقول – هذه المشاهد الفيلمية المسرّبة من تنظيم دولة الخرافة الإسلامية بقصدية تؤشر على مدى انحطاطهم الأخلاقي جعلتني كمواطن أن أشعر بأن كرامتي – كعراقي- مهانة وإن كل أيزيدية تعرضت للسبي وأذلّت وأهينت هي إما إبنةٌ أو أختٌ أو زوجة وقبل كل هذا هي إنسانة لها حياة وأمل وطموح وجمال ، ثم ألقي عبء آخر بالكاد تحملته وهو إني أحسبُ نفسي كاتباً وروائياً ولي اسمي المتواضع بين الأسماء العراقية ، وهذا موضوع حساس بالنسبة لي فلا يكفي أن نشجب ونستنكر ونتعاطف ونتألم ونبكي وندبّج المقالات ونرسم الأمل في القصائد العابرة ونشتم داعش ومَن والاهم من العراقيين الأقزام في حواضن محلية معروفة.تدرجت قليلاً في معرفة الأيزيديين لأرى لماذا وقع عليهم مثل هذا الظلم ولم يقع على أهل الفلوجة مثلا او الموصل او تكريت ! وهل هم كفرة يستحقون مثل هذه القسوة ؟ مع يقيني التام والمطلق الذي لا أتنازل عنه هو إن داعش عصابة دولية لا علاقة لهم بالدين الإسلامي ولا بأي دين آخر انما هم تجمعات جاسوسية عالمية مدرّبة ومرسومة لهم أهداف كبيرة في المنطقة .. ولكن لهذا موضعٌ آخر.

5

اقتربت الى حد ما عبر وسائل متعددة ليس أقلها مواقع التواصل الاجتماعي لمعاينة النوع الديني ومن ثم النوع الاجتماعي عند الطائفة الأيزيدية الغامضة علينا بصراحة والتي باعدتنا الجغرافية عنها وضربت سوراً عالياً بيننا وبينهم .. لكن الشائع من الافتراءات والاتهامات القديمة استطاعت داعش ومن معها من الخونة العرب أن توظفه بطريقة (إسلامية) متوحشة لا نظير لها في التاريخ البشري المعاصر حينما عدّت الأيزيديين جماعات كافرة يستوجب سبي نسائها وقتل رجالها واحتلال أراضيها وعمل الفواحش في أهلها.. وبالتالي فإن داعش ومن معها من خونة العرب المتطرفين أباحوا سفك دماء الرجال وقتل الأطفال واغتصاب النساء وسبيهنّ سواء أكنّ عذراوات أم متزوجات ، فهذا الدين الداعشي لديه تبريرات سلفية مختلفة وأحاديث تافهة تبيح له مثل هذه التصرفات اللاأخلاقية التي بتنا نعرفها جميعاً..تشعّب الموضوع عندي حينما كنت أرى الكثير من الأفلام المسرّبة عن سنجار المنكوبة وأكثرها كان يسربها التنظيم الداعشي فهالني أن أرى عذاب الفتيات الصغيرات تحت رحمة هؤلاء الأنجاس ـ والألم الأكبر حينما كان هذا التنظيم المجرم يسرّب افلام بيع وشراء الأيزيديات بطريقة فيها إذلال فظيع لكرامة المرأة العراقية – الأيزيدية واعتبارها سلعة رخيصة قابلة للبيع حينما تنتفي الحاجة منها ..لهذا كنت أراقب الحالة كلما أتيحت لي فرصة أن أقرأ كثيرا وأتابع الفضائيات الأجنبية وتقارير المراسلين هنا وهناك ..

6

ومع توطيد علاقاتي بالأيزيديين والأيزيديات في صفحات الفيس بوك كنت قد أسستُ قاعدة إنسانية صغيرة مع بعض الشعراء والأدباء والقراء ايضاً وأخذت أنشيء صداقاتي الخالصة على أساس تبادل المعرفة والثقافة وصولاً الى فهم نوعي الى هذه الشريحة العراقية التي تكشّف لي شيء بسيط عنها أحالني الى قراءات كثيرة متواصلة لمصادر متعددة تتحدث عن الأيزيديين والدين الأيزيدي ومناطق سنجار وبعشيقة وبحزاني وهذه مناطق أيزيدية تامة ..في فرصة نادرة وثمينة لي قبل أكثر من سنة زرت فيها مخيمات إيسيان وباعذرا ومعبد لالش النوراني قريباً من محافظة دهوك والتقيت بشكل سريع ببعض الناجيات من الأسر الداعشي ووقفت على الكثير من القصص المؤلمة جداً لهذه الفتيات اللواتي اغتصبهنّ عناصر داعش لكنهنّ تمكنّ من الهرب في نهاية الأمر وهنّ بضع عشرات من الفتيات لا أكثر فالأسيرات حتى الآن الباقيات يقدر عددهنّ بأكثر من 3000 آلاف أسيرة أيزيدية مجهولات المصير..

ميدانياً :بقيت سنجار غامضة علي باستثناء قراءاتي المتواصلة ومشاهداتي لأفلام قديمة يحتفظ بها السنجاريون وظلوا يعرضونها على مواقع التواصل الاجتماعي واليوتيوب كنوع من الحنين الى المكان..

دينياً :قرأت كل ما يتعلق بالأيزيدية بحدود أكثر من 100 كتاب عدا المقالات المتناثرة في الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي وهي بالعشرات إضافة الى حصولي على مكتبة إلكترونية ثمينة تختص بالشأن الأيزيدي ، فأوصلتني القراءات المركزة الى حقيقة عظيمة وثمينة أيضاً الى أن الأيزيدية دين موحَد . وان الأيزيديين يؤمنون بوجود الله سبحانه وتعالى ويعبدونه كما يؤمنون بيوم القيامة وإن هناك جنةً للصالحين وناراً للِأشرار غير الصالحين ولا يوجد في الدين الأيزيدي شيء اسمه (شيطان) بل الشيطان موجود لدينا نحن المسلمين وهو الذي فرقنا الى طوائف وملل ونحل ومذاهب وفرق ناجية وغير ناجية . أما الأيزيديون فلهم طاووس ملك وهو كبير الملائكة الذي لم يسجد لآدم لأنه لم يرضَ أن يعصي أمر الله بالسجود لغيره وهذه فلسفة أيزيدية خالصة أدعوكم لمتابعتها وقراءاتها والتحقق منها ..وهذا يعني إن القوم ليسوا كفاراً كما تقول داعش وفرمانات التكفير السابقة ولا يعبدون الشيطان كما تسرب الينا سابقاً وانهم بشر أولاً وأخيراً ، لهم دينهم  الوضعي وللآخرين أديانهم الوضعية والسماوية ؛ ولهم العيش الكريم والحياة الآمنة في وطن تتعايش فيه الأديان والطوائف والقوميات ..قرأت كتابين دينيين للأيزيدية هما كتاب الجلوة وكتاب مصحف رش – الكتاب الأسود .. كما زرت معبد لالش مرتين وزرت بعض المخيمات للمهجرين الأيزيديين وذهبت الى مخيم شاريا والتقيت بأصدقاء وأسر أيزيدية كريمة وعمقت علاقاتي بالجميع نساء ً ورجالاً وصادقت الكثيرين من الجيل الجديد الذي فتح عينيه على هذا المصيبة الداعشية وفي كل مرة أتوصل الى حقائق عن هذه الطائفة وأزداد إعجاباً بقدرتها على الصمود آلاف السنوات بالرغم من فرمانات التكفير والكراهية وفتاوى العهر التي بلغت مع داعش 74 فرماناً . أي 74 غزواً خارجيا على مر تاريخ الأيزيدية .. وكلها فرمانات كراهية وتكفير وسبي وغزو جنسي واغتصاب البريئات..

ثقافياً :الدين الأيزيدي دين مغلق . ولا يمكن لأحد أن يطّلع على أسراره ومكنوناته سوى رجال الدين من طبقات معينة . وعلم الصدر أي الحفظ كان من موجبات العامة بحفظ التعليمات والقوانين والأطر الشخصية لهذا الدين .. وفي فترات سابقة حُرّم على الأيزيديين تعلم القراءة والكتابة الا أبناء الخاصّة من رجال الدين بغرض التجهيل وعدم انتشار الوعي الثقافي بين الناس . وهذا أمر معروف بين الأيزيديين لكن الحياة تمضي كثيرا بوعي آخر لا علاقة للدين به ، فالوعي ضروري في الحياة والثقافة العامة مطلوبة والعالم يتقدم ويتطور .. وهكذا وجد الأيزيديون في وقت قريب ان التعلم يبدأ من القراءة والكتابة وان المدارس الأولية هي التي تزرع لبنات الوعي الأول وتكرس النوع الثقافي المحلي ومن ثم العام.

اجتماعياً : الاجتماعي الأيزيدي لا ينفصل عن الديني الأيزيدي وأحدهما يقوّي الآخر بطريقة مثالية ، وبالرغم من الملاحظات المتوقعة على آلية هذا الدين وثوابته القديمة ، إلا إن الحياة الأيزيدية تمضي بطريقتها الموضوعة سلفاً من دون تغييرات جوهرية تطرأ عليه وبقيت قارّة على الأسس التي وضعها الشيخ عدي بن مسافر كمطوّر للدين الأيزيدي ومشرّع لقوانينه الاجتماعية لاسيما باستحداث الطبقات في المجتمع الأيزيدي وهو أمر سيخرج عن نطاق موضوعنا إذا وقفنا عليه تفصيلياً ، لكن بإشارة سريعة تتعلق بالمرأة الأيزيدية وكفاحها التاريخي الطويل، يبدو إنها التزمت بهذه الطبقية بالرغم من قسوتها.الدين الأيزيدي دين مغلق بمعنى ليس تبشيرياً . لا يأخذ ولا يعطي . لا يسمح بالتلاقح مع أديانٍ أخرى على مستوى الزواج مثلا لا أخذاً ولا عطاءً . والمرأة الأيزيدية لا تتزوج من دين آخر وإذا فعلت فهي خارجة عن الأيزيدية وربما تتعرض الى القتل . كما لا تتزوج من غير طبقتها وهذا أمر يثير الانتباه ولنا فيه ملاحظات ليس وقتها الآن .قوانين الدين صارمة في هذا المجال . وقوانين المجتمع وهي تطبّق هذا السلوك الديني صارمة أيضاً ، لذا تجد في المرأة الأيزيدية نظاماً اجتماعياً وروحياً صعباً جداً لا يمكن لها أن تتخطاه أو تتمرد عليه تحت أي ظرف كان ..وهو أكثر من مفهوم شرقي عام انما هو مفهوم أيزيدي – عراقي – شرقي – ذو طبيعية دينية خاصة ، لهذا سيكون من الصعب على الأيزيدية العراقية أن تنشيء علاقات رومانسية مع أشخاص من غير دينها بل ومن غير طبقتها أيضاً وهذا طوق قد يحدد من خياراتها الإنسانية والاجتماعية لكنه طوق ديني – اجتماعي متفق عليه ولا يمكن خرقه تحت أي تبرير ..

وطنياً : الأيزيديون عراقيون وهم من أقدم الأقوام التي استوطنت المكان ويرجع تاريخهم الى حوالي سبعة آلاف سنة ، أي هم أقوام أقدم من الأقوام اليهودية والمسيحية ومن ثم الإسلامية ، ولا أحداً يزايد على وطنيتهم ودفاعهم عن الوطن لكن الظروف عادةً ليست بصالحهم بسبب أقليتهم  وعدم اختلاطهم بالديانات الأخرى حفاظاً على نقاء الدم الأيزيدي مثلما نقرأ.لغتهم هي اللغة الكردية وكما تشير الأبحاث التاريخية فهم أصل اللغة الكردية الكرمانجية ، وأهل سنجار يتكلمونها حتى اليوم عدا أهل بعشيقة فهم يتكلمون اللهجة الشامية العربية بسبب معايشتهم للمكان في الهجرات التي تمت بعد الفرمانات الكثيرة التي طالتهم وقليل منهم يتكلم الكردية بالمجاورَة والمعايشة.أظن هذه الخلفية الميسرة تكفي لوضوح الصورة عن أقلية دينية لم نفهم طبيعتها الاجتماعية ولا مرجعيتها الدينية انما كنا نتلقى شفويات متناثرة وهي كما بدا هامشية مقصودة لتغييب الأيزيديين عن المشهد الوطني العراقي والحياة الاجتماعية العامة ، وكل هذا الذي ذكرته هو جواب للسائلة عن سبب كتابتي لهذه الرواية ، لأني بصراحة وأظنكم تتفقون معي لم نشهد سبي النساء العراقيات ولا اغتصابهنّ ولا إذلالهن ولا بيعهنّ في سوق النخاسة لا في الفلوجة ولا الموصل ولا تكريت ولا الرمادي ولا بيجي ولا أي مكان وطأته داعش عدا سنجار ومن هنا جاء التميز واختيار الموضوع ، فالسنجاريات عراقيات وشرف وطني عام علينا أن نولي هذا الموضوع عناية كبيرة واستثنائية بالكتابة والمطالبة بتحرير فتياتنا وأخواتنا الأيزيديات اللواتي بقين حتى اليوم أسيرات داعش بالرغم من تحرير سنجار..ذكرت لكم كيف إن الدين الأيزيدي صارم بموضوعة العلاقات الاجتماعية لاسيما في الزواج المحرم من خارج الدين او من غير الطبقة الأيزيدية ذاتها.. فكيف الآن ومئات الأيزيديات الشابات بل الآلاف تم اغتصابهنّ والكثيرات منهن أصبحن حوامل وبعضهن ربما أنجبن الآن.. واللواتي استطعن الهرب من داعش وعدن الى مخيمات دهوك معظمهنّ عدنَ حوامل لكن تم إجهاضهنّ بناءً على طلبهنّ لأنهنّ يخجلن أن يحملنَ هذا العار الذي حملته بالإكراه والاغتصاب ..لاحظوا كيف اخترقت داعش هذا الشرف المحافِظ من نقاط الحياء فيه ومن نقاطه الأخلاقية الحساسة ..وكيف انتهكوا عفّة العراقيات الأيزيديات وهم من أجناس مختلفة ولغات مختلفة ومناشيء مختلفة ودول مختلفة .. لكنهم جميعاً اشتركوا في هذه الجريمة البشعة بحق نسائنا وأخواتنا وبناتنا ..

بعد كل هذا هناك سؤال مهم وخطير:ما هو موقف رجالات الدين الأيزيديين مما حدث ويحدث وهم المتشددين بتطبيق الدين وآلياته وشروطه ؟كيف ينظرون الى حالات الاغتصاب الجماعي التي تمت على أساس ان الأيزيديات سبايا داعش وهنّ كافرات بمفهومهم وأصبحنَ مُلك اليمين وما الى ذلك من توصيفات إسلامية مزيفة مجحفة؟هذه الفجيعة البشرية التي طالت الأيزيديات العراقيت حتى الآن لم تقع في الفلوجة والموصل والرمادي وتكريت إنما وقعت في سنجار فقط وعلى الطائفة الأيزيدية حصرياً من دون غيرهم كما هو واضحٌ لكم ..

هذه لمحة عن اهلنا الأيزيديين بشكل خاطف وأرجو أن تكون واضحة الى حد ما حاولت فيها تقريب الصورة الممكنة لهذه الطائفة وهو أمر لابد أن يُفهَم في سياق الحديث عن عذراء سنجار وتذكيركم بسؤال القارئة التي سألت : لماذا تكتب عن الأيزيدية وعن سنجار..!

الرواية

الآن نأتي الى عذراء سنجار – الرواية ..إزاء هذه المقدمات والمعلومات المتوفرة ومشاهدة الكثير من الألم السنجاري من زاويته النسائية تحديداً .. ماذا أكتب عن الأيزيديات العراقيات الطاهرات بنات الشمس والجمال ؟ وكيف أكتب رواية تنتصر لهذه الطائفة المغلقة وقد استباحتها داعش علناً فقتلت رجالها وأطفالها واستباحت نساءها واغتصبتهنّ وباعتهنّ في سوق النخاسة ؟أية رواية يمكن أن تتحمل مثل هذه القسوة وهذه الوحشية ؟ وكيف أسلك الطريق الفني لابتكار رواية تصمد طويلاً وتكشف عورات مجتمعية وسياسية كثيرة ؟ وكيف أكتب أثراً سردياً يعبّر ولو على نحوٍ متواضع عن هذه المأساة الجماعية ويلبي حاجته الفنية من دون أن يقع في فخاخ التهويل والمباشرة والنقل المباشر للحدث القاسي ؟وكيف أتخلص من واقعية الحدث الجلل وأمضي لكتابة رواية فيها تقنية فنية مقبولية من دون الإخلال بموضوعة سنجار وما ترتب على احتلالها من أذىً كبير طال السنجاريين جميعاً رجالاً ونساءً وأطفالاً .. مع إن حصة النساء كانت هي الأكبر والأقسى والأعنف ..؟

أ

قبل الشروع بكتابة عذراء سنجار وبعد هذا العرض العام استطيع أن أقول إنه توفرت لديّ مهيمنات (اجتماعية ودينية وأسطورية ) وأنساق (تاريخية وجغرافية وثقافية) مثلما أصبحت لدي موضوعات متعددة عن الشأن السنجاري تقع بين هذين الخطين كانت كفيلة بأن تجعلني أباشر في هذه المهمة الصعبة.إثناء الشروع بالكتابة وضعت المهيمنات والأنساق على خطين متوازيين يسيران الى جانب بعضهما ، وبما إن الخطين المتوازيين لا يلتقيان حسب النظرية الرياضية الإقليدية القديمة التي درسناها في مراحل مبكرة من حياتنا الدراسية فهذا يعني إن كل مهيمنة تسير الى أفق خاص بها وكل نسق يجري الى مستقره ، وبما إني – فنياً- أريد لهذين الخطين أن يلتقيا فهما حالة واحدة لا يمكن فصلها بالنتيجة ، لذا استعنتُ بالنظرية الرياضية الحديثة التي تقول ان الخطين المستقيمين المتوازيين يلتقيان في النهاية وإن لم يلتقيا فإنهما يقطعان مسافة معينة ويدوران حول نفسيهما ليعودا ويلتقيان في نقطة الشروع ، باعتبار إن الأرض كروية ولا يمكن لأي خط أن يبقى مستقيماً الى الأبد .

ب

هذه النظرية الممكنة وفّرت لي فرصة ثمينة أن أقود النص الى سياقات تالية يفترعها الواقع من جهة والخيال من جهة ثانية ، أي ابتكار خطين متوازيين من الواقع والخيال ، أحدهما يحتوي على المهيمنات الدينية والاجتماعية والأسطورية والآخر يحتوي على الأنساق التاريخية والجغرافية ليسيرا مع بعض الى هدف سردي معين لتثوير الحالة السنجارية في بُعدها المأساوي ومن خلال عيّنات مجتمعية التقطتها من واقع المدينة الأسيرة حتى يلتقيا في مصير مشترك ونافذة مشتركة ورؤيا واحدة في دوران أعرفه متعباً وشاقاً الى حد كبير .اذن عذراء سنجار مكتوبة بهذه الطريقة ، واقع وخيال ، مهيمنات وأنساق ، رؤية ورؤيا بطريقة توزيع الأدوار على السنجاريين الأسرى والسنجاريات الأسيرات في سنجار متضامناً مع الحالة الوطنية التي يعيشها الجميع في أعماقهم سراً .

ج

خيال الرواية حاول أن يخفف من ثقل الواقع وبشاعته ، لهذا كانت فصول الخيال أكثر حرية في الحركة والتأويل وإيصال المعلومة بطريقة سحرية وربما عجائبية تختزل الكثير من التفاصيل.ففي الرواية صقرٌ عاشق ؛

وحمامة زاجل سماوية ؛

وغرابٌ يتحدث ؛

وكلب يتفهم ما يدور حوله ؛

وفراشة أسطورية ؛

ونجمة تراقب وتتكلم ؛

د

هذه الشخصيات القليلة هي عماد الرواية وعمودها الفقري ، وهي شخصيات حوصرت في سنجار ولم تستطع الهرب بدخول داعش الى المدينة فامتثلت لأوامرها مضطرة لكنه امتثال موارِب ، ففي كل فصل قصة ولكل شخصية فعلها المقاوِم مع إن لكل شخصية صدمتها الخاصة ، لكن الجميع يعيشون في مشتركات عامة ويحافظون على نسقية وجودهم سراً مع إن داعش فرضت عليهم الإسلام أو الذبح ..عذراء سنجار رواية مقاومة أيزيدية  في المقام الأول . تدور معظم أحداثها في سنجار المحتلة . أشخاصها ايزيديون يعيشون تحت الاحتلال الداعشي . كتبتها من داخل مدينة سنجار التي لم أرها حتى اليوم.

هـ

عذراء سنجار امتزاج الأنساق والمهيمنات والتاريخ والجغرافية والأسطورة والخيال في حاضنة مكانية اتسعت كثيراً وحافظت على حدودها الإنسانية بالرغم من وحشية الحياة وقسوتها غير المعقولة التي بدت في الرواية وكإن سنجار الصغيرة هي الوطن الأوسع الذي يحاول أن يتخلص من كابوس داعش الثقيل .

{ نص الشهادة التي قدمها الروائي وارد بدر السالم في الجلسة الحوارية التي أقامتها دار الثقافة الكردية.