شكر على إهداء – جليل وادي

jalil wadi

كلام أبيض

 شكر على إهداء – جليل وادي

لا أظن ان سياق ( الشكر على الاهداء ) الذي تعتمده جامعاتنا في مكافأة الأساتذة الذين ألفوا كتبا في مجالات تخصصهم يتناسب مع مقدار الجهد الذي يبذلونه في تأليف كتبهم الذي يستغرق انجازها سنوات طويلة ، وما يرافق تلك السنوات من سهر وتضحية بأوقات الراحة وانشغال عن الاسرة ، فضلا عما ينفقه المؤلفون من مال في اصدار كتبهم .

ومع ان الشكر على الاهداء ينطوي على تقدير من ادارة المؤسسة ، لكن هذا لوحده غير كاف بما يشكل دافعا لبذل المزيد ، ما لم يترتب على ذلك اجراءات ادارية ، كحصول المؤلف على قدم وظيفي لمدة شهر اذا كان الشكر صادرا من رئيس الجامعة كما كان معمولاً به في سنوات سابقة ، بينما الآن الغيت مكافأة القدم الوظيفي ، ولا أظنه اجراء موفق لما يخلفه من احباط لدى الأساتذة  ، وبذلك أصبح تأليف كتاب أقل قيمة من منظور هذا السياق حتى بالعمل في لجنة بسيطة تشكل في الجامعة ويحصل أعضاؤها على شكر وتقدير من رئيس الجامعة ، مع ان الفرق بين الاثنين لا يقارن ، من حيث طبيعة العمل ، ولا من حيث نوع الانجاز  .

ان دوافع كثيرة تقف وراء العمل بتأليف الكتب منها: تأكيد الحضور العلمي للاستاذ الجامعي ، واضافة الجديد الى المعرفة العلمية ، ومواكبة ما يستجد في مجال التخصص ، وتبسيط العلوم لطلبة العلم  ، والأهم هو المسؤولية الأخلاقية والوطنية التي يفرضها الواقع الذي تمر به البلاد ، ما يستدعيه الى اخضاع مشكلات الواقع للدراسة والتحليل وايجاد الحلول لها ، بوصفه المسؤول قبل غيره في التصدي للتحديات التي يتعرض لها مجتمعه ، ومن ثم لا يشكل حصوله على القدم الوظيفي بوصفه دافعا الا نسبة لا تكاد تذكر قياسا بتطلعه الى اعلاء سمعة جامعته وبلاده ، والمساهمة في زيادة مرتبتها في المؤسسات الدولية المعنية بتصنيف الجامعات وغيرها من الدوافع .

وازاء كل ذلك ، اظن ان انتاج المعرفة وفي هذه الظروف التي تعد غير مؤاتية بكل المقاييس يقتضي من المؤسسة الجامعية تقديم اشكال الدعم المختلفة للأساتذة الفاعلين في هذا المجال ، لكننا لم نلحظ دعما واضحا في هذا الشأن بالرغم من ان انتاج المعرفة يشكل وظيفة أساسية من وظائفها ، وتبقى قيمة الجامعة ناقصة اذا اكتفت بالدرس الاكاديمي وأهملت البحث العلمي ، ويعرف المعنيون ان الدول المتقدمة والسائرة في طريقها رصدت للبحث العلمي من الأموال ما يفوق ميزانيات بعض الدول ، بينما نبخل على علمائنا بقدم وظيفي لمدة شهر ، فلا يمكن تفسير ( الشكر على الاهداء ) بغير هذا التفسير من الآخرين ، وقد احيله الى عدم التأمل في السياقات التي نعتمدها ، او معالجة أمر والوقوع في مشكلة اخرى لم تكن بالحسبان ، وفي هذا الاطار أخبرني رئيس احدى الجامعات ، بأن هذا الاجراء جاء تلافيا لمشكلة ادارية ومالية تترتب على مجموعة كتب الشكر التي يحصل عليها مؤلف الكتاب لاهدائه نسخا من مؤلفه الى اكثر من رئيس جامعة قد تتيح له الحصول على قدم لاكثر من سنة ، واظن ان هذه المشكلة يمكن تلافيها بسهولة من خلال اعتماد القدم على الشكر الصادر من معالي الوزير او رئيس الجامعة التي ينتسب اليها الاستاذ فقط ، وما يحصل عليه من جهات اخرى يدرج في اطار (الشكر على الاهداء) الذي لا تترتب عليه تبعات ادارية او مالية ، ويُكتفى بالحفظ في ملفته للتوثيق .

أتمنى على وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إعادة النظر بهذا السياق ، بل والبحث عن سياقات عمل اخرى من شأنها حث الاستاذ الجامعي على التأليف والنشر ، بما يحّول الأساتذة المفكرين الى نماذج للاحتذاء وليس الى مثار تندر الفاشلين والكسالى ، كيف نذلل العقبات التي تحول دون ايقاف مسيرة الانتاج العلمي هو السؤال الذي يفترض ان نضعه قبالة الأعين دائما ؟ لان أول أهداف أعداء العراق ايقاف مسيرته العلمية ، والنيل من شموخ منارته ، وتكبيل ارادته الوطنية ، وليس من درب فاعل لتحقيق ذلك من ابقائه رازحا تحت وطأة التخلف .

ديالى