شخصية الدهر.. الأم والمعلم – مقالات – طالب سعدون

  شخصية الدهر.. الأم والمعلم   – مقالات – طالب سعدون

كادت مناسبة عيد المعلم أن تمر دون أن أكتب شيئا ، يوفي حق المعلم  ، لولا أن ذكرني أحد الاصدقاء ، بعد أن إستذكرنا سوية ، أيام طفولتنا في المدرسة ، وما علق  في الذاكرة ، ولا ينسى من مواقف نبيلة لمن كان له الفضل علينا ..

 وعذري أن الاحتفاء بالمعلم لا يقتصر على يوم بعينه ، وانما له الدهر كله ، ومن علمني حرفا جعلني حرا طليقا من أسر التخلف والجهل والظلام ..

وحسنا فعل من سن سنة يوم المعلم ، فهو تكريم للكلمة والعلم ، وتقليد جميل ، وعرفان بالفضل ، ووفاء لدين في عنق المجتمع تجاه المعلم ، الحالم ، الذي يسعى جاهدا أن يرى حلمه قد تحقق في طلابه ..

والتعليم قبل أن يكون تلقينا ، ودروسا ومحاضرات ، يتبعها نجاح ورسوب ، هو في الاساس تربية وبناء للشخصية ، تبدأ من المرحلة الابتدائية ..

وهذا التوصف ينطبق على كل دولة ، تريد أن يكون لها مكان لائق تحت الشمس ، و لن يتحقق  الا من خلال تعليم متطور يتناسب ومهمته الريادية في صناعة الانسان .

ويمكن أن تحكم على المجتمع من خلال مستوى التعليم ، فهو يعكس طموحات ذلك المجتمع وآماله وفلسفته .. والمعلم هو من يحقق تلك الامال ، ويجسد تلك الطموحات ، ويطبق فلسفة  الدولة بمناهج مقرونة بالتربية ، ونشاطات متنوعة ، لاعداد ما يصطلح عليه بالرأسمال البشري ، من خلال مدرسة  تكون بمثابة بيئة مناسبة تشد الطالب الى الدراسة والتعلم ، والاهتمام به علميا وثقلفيا ، وزرع حب الوطن في نفسه منذ الصغر كونه عماد المستقبل ، وأحد البناة الاساسيين للبلاد بعد تخرجه ..

 والانفاق على إعداد الطـــــــالب ، وتوفير مستلزمات العمــــــلية التربوية  يعد استثمارا واعدا بربح وفير، ويعود على البلاد بالخير العميم ..

 فأين مدارسنا اليوم من هذه المهمة ، وهي تفتقر الى أبسط مستلزمات الراحة للطالب ، والبيئة العلمية والثقافية والتربوية التي تناسب مهمة المدرسة ..؟

ومما يبقى في الذاكرة ، أن مدراسنا الابتدائية في الخمسينات والستينات عندما كنا طلابا في المرحلة الابتدائية ، كانت ترعى الطالب ، بما في ذلك تغذيته بما يناسب جسمه ، ولا يقتصر إهتمامها بالدروس والمناهج فقط ، وانما تعنى بالنشاطات التي يصطلح عليها ب ( اللاصفية ) حالها حال الدروس المنهجية ، لانها تنمي موهبة الطالب وقابلياته الفكرية والبدنية ..

وانا اتابع التقارير والاخبار من على الشاشات التلفزيونية بمناسبة عيد المعلم ، كانت طلبات المعلمين ، تكاد تجمع على توفير مدارس تلبي حاجة الطالب ، وتكون عنصر جذب له للمدرسة ، ومن بينها انشاء حدائق في المدارس ، وهي لا تكلف شيئا أمام أهميتها النفسية والتربوية ، وتنمية الذوق والجمال عند الطالب ، وهي وليست بتلك الصعوبة وذلك التعقيد .. فقد قام معلم الجغرافية والتاريخ في مدرستنا كميت الابتدائية  انذاك المرحوم عبد الزهرة عاتي الطائي،  شقيق الشاعر حسن عاتي الطائي بإنشاء حديقة جميلة في المدرسة ، كانت من لمساته التربوية ، ناهيك عن سعيه لإعداد  طالب متسلح بالعلم والثقافة ، فكان يتوسع كثيرا في المادة ، وكأننا لسنا بذلك العمر ، ويعلمنا كيفية قراءة الكتب ، ويشجعنا على الاستعارة من مكتبة الناحية ، اضافة الى وجود مكتبة صغيرة في المدرسة ، ويغرس في ذهن الطالب المفاهيم الوطنية والقومية وحب تاريخه العريق بكل رموزه الدينية والوطنية والقومية  .

فكيف يمكن أن يقوم المعلم اليوم بمثل هذه النشاطات ، وهو لا يستطيع إكمال المناهج  المقررة ، لأن البناية تشغلها أكثر من مدرسة ، ناهيك عن ظروفه ، وظروف الطالب المعيشية والنفسية ومتطلبات الحياة  الكثيرة .

شخصيتان نبقى نتذكرهما طول الدهر ، وليس في يوم بعينه ، هما الأم والمعلم .. وكلاهما مدرسة في الحياة تخرج الاجيال ، وتكون الثمرة حسب جهدهما وإعدادهما وتربيتهما ..

تحية للمعلم في عيده ، ودعوة الى الاهتمام به ، وتوفير الرعاية له بما يناسب دوره الوطني  ، واعداده بما يؤهله لاداء مهمته النبيلة ، وهو اللبنة الاساسية في بناء وتطور المجتمع ، وتوفير بيئة سليمة للطالب ، وبناية مدرسية جيدة ، تتوفر فيها المستلزمات الضرورية ، لكي تشجعه على مواصلة تعليمه ، وتفوقه ، والحفاظ على صحته ، وتنمية مواهبه وهواياته الاخرى التي تحول البنايات المدرسية اليوم  دون ممارستها ..

وكاد المعلم ان يكون رسولا .