سهرة مع ملاك- حسن النواب

حسن النواب

‭‬‮٢‬

ملأتُ‭ ‬كؤوسنا؛‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬انتشلتُ‭ ‬من‭ ‬ثلَّاجةٍ‭ ‬هرمةٍ‭ ‬في‭ ‬مطبخهِ‭ ‬الأنيق‭ ‬برغم‭ ‬تواضعهِ،‭ ‬صحناً‭ ‬احتوى‭ ‬على‭ ‬عنب‭ ‬ذابل‭ ‬ونصف‭ ‬رمانَّة‭ ‬كساها‭ ‬الصدأ؛‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬ابتاع‭ ‬صديقي‭ ‬القاص‭ ‬علبتي‭ ‬لبن‭ ‬زبادي‭ ‬من‭ ‬حانوت‭ ‬قريب،‭ ‬ارتشفَ‭ ‬الرسَّام‭ ‬صاحب‭ ‬جرعةً‭ ‬صغيرةً،‭ ‬ونهض‭ ‬متكاسلاً‭ ‬لفتح‭ ‬تلفاز‭ ‬صغير،‭ ‬كانت‭ ‬صورته‭ ‬بالأبيض‭ ‬والأسود؛‭ ‬يا‭ ‬إلهي؛‭ ‬حتى‭ ‬هاتفه‭ ‬النقَّال‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يحملهُ‭ ‬في‭ ‬الأردن‭ ‬قبل‭ ‬‮١٨‬‭ ‬عاماً،‭ ‬في‭ ‬الكأس‭ ‬الثانية‭ ‬عرضتُ‭ ‬أمام‭ ‬عينيه‭ ‬الكليلتين‭ ‬صورةً‭ ‬من‭ ‬هاتفي‭ ‬النقَّال‭ ‬تجمعني‭ ‬بالقاص‭ ‬عبد‭ ‬الستار‭ ‬ناصر‭ ‬قبل‭ ‬ليلة‭ ‬من‭ ‬رحيلي‭ ‬إلى‭ ‬أستراليا؛‭ ‬حيث‭ ‬أقامت‭ ‬حركة‭ ‬الوفاق‭ ‬الوطني‭ ‬أمسيةً‭ ‬شفيفة‭ ‬لوداعي،‭ ‬حالما‭ ‬شاهد‭ ‬الصورة‭ ‬تبسَّم‭ ‬وقال‭ ‬بسعادة‭:‬

‭- ‬هذا‭ ‬المخبول‭ ‬حسن‭ ‬النوَّاب‭  ‬مع‭ ‬عبد‭ ‬الستار‭ ‬ناصر‭.‬

‭- ‬ومن‭ ‬الذي‭ ‬يجلسُ‭ ‬أمامك‭ ‬الآن‭.‬

ضحكَ‭ ‬مثل‭ ‬طفل‭ ‬في‭ ‬عيد‭ ‬وهمسَ‭ ‬مبتهجاً‭ ‬إثر‭ ‬كأسٍ‭ ‬ثانيةٍ‭ ‬من‭ ‬ابنة‭ ‬الكروم‭:‬

‭- ‬لا‭ ‬أدري‭!‬

حينها‭ ‬تأكَّد‭ ‬لي؛‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الرسَّام‭ ‬‮«‬الملاك‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬أبهر‭ ‬الوسط‭ ‬الفني‭ ‬والثقافي‭ ‬بلوحاته‭ ‬التي‭ ‬تشبهُ‭ ‬أحلاماً‭ ‬مستحيلة،‭ ‬وتخطيطاتهُ‭ ‬النادرة،‭ ‬يعيش‭ ‬بذاكرةٍ‭ ‬واهنةٍ‭ ‬على‭ ‬وشك‭ ‬الأفول؛‭ ‬لكنَّهُ‭ ‬يبقى‭ ‬خالداً‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬الفن‭ ‬العراقي‭ ‬وأصدقائه‭ ‬الأوفياء‭. ‬عندما‭ ‬احتسى‭ ‬‮«‬صاحب‮»‬‭ ‬الكأس‭ ‬الرابعة،‭ ‬سألتهُ‭ ‬بانتشاءٍ‭:‬

‭- ‬ماهو‭ ‬انطباعك‭ ‬عن‭ ‬الجلسة؟

‭- ‬كأنَّي‭ ‬في‭ ‬الجنَّة‭…‬

أدهشني‭ ‬أنَّ‭ ‬ذاكرتهُ‭ ‬بدأت‭ ‬تتوهَّج‭ ‬في‭ ‬أقبية‭ ‬رأسه؛‭ ‬راح‭ ‬يحدثُّني‭ ‬عن‭ ‬أصدقائه‭ ‬القدامى،‭ ‬حازم‭ ‬كمال‭ ‬الدين،‭ ‬سمير‭ ‬عبد‭ ‬الجبار،‭ ‬علي‭ ‬الحمداني‭.. ‬وحين‭ ‬سألتهُ‭ ‬عن‭ ‬عبد‭ ‬الأمير‭ ‬علوان؛‭ ‬كاد‭ ‬يضع‭ ‬رأسهُ‭ ‬بين‭ ‬ساقيه،‭ ‬سقطتْ‭ ‬دمعةً‭ ‬من‭ ‬عينهِ‭ ‬اليمنى‭ ‬فتلقَّفتها‭ ‬براحة‭ ‬يدي،‭ ‬كأنَّ‭ ‬دمعة‭ ‬صاحب‭ ‬اشتعلت‭ ‬شمعةً‭ ‬في‭ ‬ظلام‭ ‬المكان؛‭ ‬فجأةً‭ ‬انتقل‭ ‬بالحديث‭ ‬عن‭ ‬موقف‭ ‬آخر،‭ ‬كان‭ ‬يتحدَّث‭ ‬بلغة‭ ‬مدغمة،‭ ‬غلبت‭ ‬عليها‭ ‬الإشارات‭ ‬من‭ ‬يده‭:‬

‭-‬أنزلني‭ ‬أحدهم‭ ‬في‭ ‬سيطرة‭ ‬لأني‭ ‬أحمل‭ ‬الخمر‭ ‬في‭ ‬حقيبتي،‭ ‬سألني‭ ‬عشرات‭ ‬المرَّات،‭ ‬كنتُ‭ ‬أهزُّ‭ ‬رأسي‭ ‬فقط،‭ ‬حتى‭ ‬رقَّ‭ ‬قلبه،‭ ‬أوقف‭ ‬مركبة‭ ‬ودعاني‭ ‬للصعود‭ ‬مع‭ ‬خمري،‭ ‬كان‭ ‬رائعاً‭ ‬وفكَّرت‭ ‬أنْ‭ ‬أرسمه‭ ‬في‭ ‬لوحة‭ ‬قادمة،‭ ‬ولكن‭ ‬كما‭ ‬ترى‭ ‬المكان،‭ ‬أين‭ ‬أضع‭ ‬اللوحة‭ ‬وأين‭ ‬هي‭ ‬الألوان‭ ‬حتى‭ ‬أرسم،‭ ‬اشتاق‭ ‬للرسم‭ ‬كثيراً،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬جدوى‭ ‬اللهفة‭ ‬إنْ‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬يشبهها‭.‬

صمت‭ ‬قليلاً،‭ ‬ونهض‭ ‬ليفرغ‭ ‬منفضة‭ ‬السجائر‭ ‬في‭ ‬سلَّة‭ ‬المهملات،‭ ‬نظر‭ ‬نحوي‭ ‬وقال‭ ‬متهكماً‭:‬

‭-‬أخشى‭ ‬أنْ‭ ‬يكون‭ ‬مصيري‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬السلَّة‭.‬

فاض‭ ‬قلبي‭ ‬بدمع‭ ‬ساخن،‭ ‬لكني‭ ‬تماسكت‭ ‬ودلقتُ‭ ‬ابنة‭ ‬الكروم‭ ‬في‭ ‬كأسه؛‭ ‬شرب‭ ‬جرعةً‭ ‬باطمئنان،‭ ‬والتقط‭ ‬منديلاً‭ ‬ورقياً‭ ‬ومسح‭ ‬شفتيه‭ ‬باتزان‭ ‬وثمَّة‭ ‬لمعان‭ ‬بدأ‭ ‬يتوهج‭ ‬في‭ ‬عينيه‭ ‬الذابلتين؛‭ ‬عدتُ‭ ‬أسأله‭:‬

‭-‬ماذا‭ ‬تتمنى‭ ‬من‭ ‬طعام؟

‭- ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬

‭-‬الطعام‭ ‬الذي‭ ‬تحبَّهُ

‭-‬‮«‬‭ ‬معلاگ‮»‬

كدتُ‭ ‬أجلبُ‭ ‬الزجاجة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬مركبة‭ ‬صديقي‭ ‬القاص،‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬أصبحتُ‭ ‬الزجاجة‭ ‬الأولى‭ ‬ممتلئة‭ ‬بالفراغ،‭ ‬نهضنا‭ ‬وتركنا‭ ‬المنزل‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬أحكم‭ ‬إغلاق‭ ‬مقصفه‭ ‬الكئيب،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬محفظتي‭ ‬حتى‭ ‬فلساً‭ ‬واحداً،‭ ‬طلبت‭ ‬من‭ ‬صديقي‭ ‬القاص‭ ‬أنْ‭ ‬يذهب‭ ‬إلى‭ ‬شارع‭ ‬السناتر؛‭ ‬حيث‭ ‬الصرَّاف‭ ‬الآلي،‭ ‬كانت‭ ‬بحوزتي‭ ‬بطاقة‭ ‬إإتمان‭ ‬أسترالية،‭ ‬كنتُ‭ ‬أعرف‭ ‬أنَّ‭ ‬سحب‭ ‬المال‭ ‬نقداً،‭ ‬سيكون‭ ‬مضاعفاً،‭ ‬لأنَّ‭ ‬ما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬رصيد‭ ‬يعود‭ ‬للبنگ‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬حسابي‭ ‬الخاص،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬سحبتُ‭ ‬أوّل‭ ‬مرَّة‭ ‬مبلغاً‭ ‬فائضاً‭ ‬عن‭ ‬ثمن‭ ‬عشائنا،‭ ‬وحين‭ ‬تركت‭ ‬الصرَّاف‭ ‬الآلي،‭ ‬عدتُ‭ ‬لهُ‭ ‬بعد‭ ‬خطوات‭ ‬وسحبتُ‭ ‬مبلغاً‭ ‬لا‭ ‬يستهان‭ ‬به‭ ‬لشأنٍ‭ ‬آخر،‭ ‬فقال‭ ‬مندهشاً‭:‬

‭-‬ماذا‭ ‬تفعل؟

‭-‬لا‭ ‬تفسد‭ ‬نشوتي‭ ‬يا‭ ‬صاحب

في‭ ‬المطعم‭ ‬تناول‭ ‬الملاك‭ ‬وجبة‭ ‬المعلاگ‭ ‬بصمت‭ ‬لذيذ،‭ ‬وشربنا‭ ‬الشاي،‭ ‬عدنا‭ ‬إلى‭ ‬منزله‭ ‬نغني‭ ‬يا‭ ‬حريمه،‭ ‬هبط‭ ‬من‭ ‬المركبة‭ ‬واثقاً،‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬ودخل‭ ‬ولم‭ ‬يقل‭ ‬لنا‭ ‬أية‭ ‬كلمة،‭ ‬وفي‭ ‬لحظة‭ ‬عاد‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬مبتسماً‭ ‬وقال‭:‬

‭-‬متى‭ ‬نذهب‭ ‬إلى‭ ‬نادي‭ ‬الأدباء؟

‭-‬الأسبوع‭ ‬القادم

أغلق‭ ‬الباب،‭ ‬حين‭ ‬وصلتُ‭ ‬إلى‭ ‬منزل‭ ‬بيت‭ ‬أختي‭ ‬هاتفتهُ‭.. ‬كنتُ‭ ‬في‭ ‬منتهى‭ ‬السعادة‭ ‬لأنَّهُ‭ ‬عرفني‭ ‬أخيراً‭ ‬حين‭ ‬قال‭:‬

‭-‬ليتَ‭ ‬كلُّ‭ ‬المخابيل‭ ‬مثلك‭ ‬يا‭ ‬حسن‭ ‬النوَّاب‭.‬

فبكيتُ‭ ‬فرحاً‭…‬

‭ ‬