سهرةٌ مع ملاك- حسن النواب

حسن النواب

 

‭(‬‮١‬‭)‬

كثيرون لا يعرفونَ مَنْ هو الرسَّام»صاحب أحمد»؟ على مدى ثمانية شهور في الوطن كنتُ أبحثُ عنهُ. وقبل سبع سنوات حين زرتُ البلاد، أعطاني أحد الأصدقاء رقم هاتفه، وعندما كلَّمتهُ، لم يكنْ متحمِّساً للقائي؛ فحزنت؛ هذه الليلة اقترح صديقي القاص علي حسين عبيد التجوال معي في المدينة، كأنَّهُ شعر باختناقي، جاءَ بسيَّارتهِ المتواضعة وأخذني، ولأنَّ مركبته لا يُسمح لها بالدخول؛ أركنها عند أطراف المدينة، وسلكنا الطريق على الأقدام نحو المرقدين المقدَّسين، بعد مسافة قليلة لمحتُ كائناً نحيلاً مثل فرشاة الرسم، قميصهُ الخاكي كأنَّهُ قماشة لوحة لم تُرسمْ بعد، يحملُ بيديه ماتيسَّر من مؤونةٍ تسدُّ رمقَ جوعه؛ هتفتُ من أعماق أوجاعي:

– هذا صاحب أحمد

استغرب صديقي من لهفة ندائي؛ حين دنوتُ منهُ سألتهُ مشاكساً:

– عندك حليب سباع؟

سؤالي لم يستفزَّهُ؛ لكنَّهُ رمقني بنظرةٍ عجلى، وأدركتُ أنَّهُ لم يعرف هذا الطارئ عليه، أجابني بيأس:

– آهٍ لو كان عندي

– هل عرفتني؟

تأمَّل وجهي باهتمام للحظات وهزَّ رأسهُ بأسى ثُمَّ قال محبطاً:

– ما عدتُ أعرفُ نفسي.

رفعتُ القبَّعة عن رأسي عسى أنْ يقول اسمي، لكنَّهُ لم يكترث وحرَّك قدميهِ للانصراف، أمسكتُ بذراعه اليمنى وقلت بهدوء:

– رويدك، لنْ أدعكَ تذهب وحيداً.

– ماذا تريد بالضبط؟

– أنْ نسهر معاً هذه الليلة.

– « الله وإيدك»

طلبتُ منهُ التريث قليلاً لكي أجري مكالمة عاجلة مع صديق بوسعه أنْ يحصل لنا على ابنة الكروم، بعد دقائق جاء الرد من صديقي مطمئناً، فأخبرتهُ بثقةٍ:

– سنحملك معنا في سيارة القاص علي حسين عبيد، هي قريبة من هنا.

حملنا لوازمهُ، كانت عبارة عن بطيخة في كيس نايلون، والكيس الآخر حاجيات بسيطة ربَّما كان بينها علبة جبن للفطور وبعض أرغفة الخبز، انطلقتْ بنا مركبة صديقنا القاص، جلس صاحب في حوضها الخلفي بجوار مؤونته، في حين جلست بجوار صديقي سائق المركبة المتهالكة؛ حتى هذه اللحظة لم يعرف من أنا، لكنَّهُ استجابَ لرغبتي مادامت هناك سهرة تنتظره، فجأة قال بصوت واهن:

– أسكنُ وحدي، حبَّذا لو تكون السهرة عندي.

سألتهُ بحنان جارف:

– أين منزلك؟

– في حي الحُسين.

كنتُ أعرفُ منذُ سنواتٍ بعيدةٍ أنَّ والد « صاحب « ميسور الحال؛ وقد تكفَّلَ بمعيشتهِ على حسابه الخاص عندما أوفدَ من دار الجماهير للصحافة لإكمال دراسة الماجستير في فن الگرافيك إلى أمريكا. ولذا خمَّنتُ أنَّ المنزل الذي سنسهر فيه يعود لتركة والده الحاج أحمد خضير الأمارة، توقفَّنا لدقائق في حي الإسكان حتى أقبلَ صديقنا يحملُ زجاجتين من ابنة الكروم ومن النوع الممتاز، كان سعرهما باهظاً، لكن هذا لا يهم مادمنا سنمضي الليلة مع ملاكٍ فارقتهُ منذُ ١٨ عاماً، لقد تركتهُ لشظف العيش  في الأردن، وسافرت كلاجىء مع عائلتي إلى أستراليا، كان ذلك في أواخر عام ٢٠٠٣، وحين وصلت إلى عمَّان هذه القرية الأمريكية في شباط من عام ٢٠٠١، كان صاحب أحمد خير ناصح لي في بِركة الضفادع؛ فقد أزعجني وأربكني نقيقها المتواصل حولي ومحاولتهم تحطيم صبري وعنادي والتقليل من شأني، وقف معي مؤمناً بموهبتي التي أحرجت الفاشلين منهم، حينَ توالتْ مقالاتي في جريدة الزمان، كان فخوراً بما أكتب، فتوطَّدتْ علاقتنا، برغم كُنَّا نعرف بعضنا عن كثب في العراق، وجمعتنا جلسات كثيرة في نادي الأدباء، كانت واحدة منها قد تركتْ شرخاً في علاقتنا، حين ثملتُ وهجمت عليه بسيل من الشتائم لأنَّهُ لم يستجب لطلبي بربع عرق إضافي، تلك الليلة كان يجلس معهُ على المائدة الرسَّام علي رضا، الذي ذاع صيته برسم بورتريهات للأدباء في مجلة الأقلام، في حين كان صاحب أحمد ينشر أجمل التخطيطات مع النصوص التي تُنشر في جريدة الجمهورية، كانت خطوطه في الرسم مثار إعجاب الوسط الثقافي برمَّتهِ؛ بما فيهم رئيس تحريرها في ذلك الوقت الشاعر سامي مهدي، ثمَّة سر في تخطيطات صاحب أحمد لا يعرفهُ الكثير، هو أنَّ جميع رسوماته في الحبر الصيني كان ينجزها من دون رفع الفرشاة مطلقاً، بمعنى يرسم التخطيط في متوالية مستمرة حتى يكملهُ، وقد تأكَّدَ لي ذلك، حين ضاقتْ به السبل في الأردن وسكنَ معي بمنزلي في حي نزَّال لأكثر من شهرين، قبل وصول عائلتي، إذْ راقبتهُ عن كثب كيف كان ينجز التخطيطات برشاقة وسرعة مذهلة، مثلما كان في منتهى النظافة وهادىء وحزين مثل ملاك مظلوم؛ يحرص بعد انتهاء الجلسة على تنظيف ما تركناهُ على المائدة، وقد تعلَّمتُ منه تلك « النزاكة « فيما بعد.

حين دخلنا إلى منزله الكبير، فوجئت أنَّ ما يستطيع التصرف به من المنزل، لم يكن سوى مشتمل متواضع يتألف من غرفةٍ بائسة مثل أحلامه الآن، ومطبخ لا يسع لتحرّك أكثر من شخص واحد في مساحته الضيِّقة مثل سجن انفرادي. صدمني الشقاء الذي يعيشه هذا الرَّسام المبدع؛ فخاطبتهُ منكسراً:

– مأواكَ هذا، يذكّرني بالغرف الكئيبة التي عشنا فيها في الأردن؟

صفن قليلًا وسألني باهتمام:

– هل كنت معنا هناك؟

نفدَ صبري فانفجرت:

– أنا حسن النوّاب

سحب نفساً عميقاً من سيجارته، وأمعن النظر في ملامحي وقال بارتيابٍ واضح:

– يستحيل أنتَ حسن النوَّاب!

حسن النوَّاب