سعادات الأمكنة والأنساق السردية
خط مستقيم يحتضن العنوان والتفاصيل
حسام جابر
القاص باسم الشريف قدم لنا انساقا سردية متنوعا في مجموعته القصصية( سعادات الامكنة المضاعة) المعنى الداخلي والجوهري لقصصه القصيرة في المجموعة هي منطلق الانساق السردي من حيث التداخل والتفاعل والنتائج التي تعطي ذوقا جميلا عند القراءة، الاسلوب الذي استخدمه القاص هو في غاية الدقة متأثرا بالواقع الذي تقمص منه الكثير، يلجأ دائما الى اختيار الافكار من ذلك الواقع الذي يحمل بداخله العاطفة والخيال والرثاء والحالة الاجتماعية، القاص كان حريصا على اظهار حقائق واقعية ومن ثم ربطها بالانساق السردية كي يوضح المادة الاصلية التي بنيت عليها القصة، القاص لم يعتمد على الانساق السردي في بنية القصة فقط بل ارتكز بشكل واضح على الموضوعية والنفسية والتعبيرية دائما ما يمهد لعناصر الانساق السردية عن طريق الموضوعية والنفسية والتعبيرية فعل هذا حتى يظهر تجربته الواقعية المبنية على عدة انساقات منها انساق المكان، نجد نماذج كثيرة في المجموعة تحتوي على هذا من حيث ارتباطه واهتمامه بالمكان الاصلي الذي يعتمد علية القاص في سرد قصصه فالنسق المكاني من الضروري وضعة في السرد القصصي ويعتبر الوثيقة الاصلية للأحداث، كما في قصة (صانع الرؤى )( ماتزال أصداء رؤاه تستوطن لبنات جدران مقهى الشابندر العريقة، ربما اغتال التفجير الأخير الذي حدث هناك الكثير منها وأودى بالعديد من حيواتها التي امتزجت مع أشلاء الضحايا. في لقائي الأخير به في باب المعظم كانت علامات الوهن والشيخوخة قد تمكنت منه على الرغم من أن عمره لم يتجاوز الخمسين بعد ) بهذا النموذج نجد كلمتين وضعهما القاص في الانساق المكاني وهما مقهى الشابندر وباب المعظم وكيفية توظيفهما في النص، النسق المكاني لدى القاص هو مهم يعتمد عليه في توضيح معالم القصة، واختيار مقهى الشابندر وباب المعظم لا يقتضي من القارئ البحث عن اسميهما فهما اسمان او مكانان واضحان دائما القاص يختار نسقا مكانيا واضحا سهلا للتعريف، وايضا وظف باسم الشريف هذا النسق في تصوير الاحداث وابرازها فهاتان الكلمتان لهما دور بارز في قصة (صانع الرؤى )، لا يهرب القاص باسم الشريف من نسق البدائية هي اصل كل حدث او كل تصور، عندما يقوم القاص بسرد القصة دائما ما يلجا الى الفعل او الوهلة الاولى المتمثلة بهذا النسق كما قدم نموذجا مبنيا على النسق البدائي في قصة (المسفن )(ارتعش جسده، كما لو كان كتلة من التوترات عندما داهمته تلك الرائحة، احس من خلال اضطجاعه بأن الشوائخ بدأت تنجذب اليه، ترددت في فضاءات النخيل اصطفاقات فزعة ) نجد بهذا النص ان باسم الشريف لا يروم الرحيل بكينونته الى الضياع اوالى الهجر بل جمالها البدائي وشكلها ومعالمها نسجت بداخل جسده وخصوصا بمركز ذاكرته الانفعالية هذا الحس لا يستطيع الخروج منه لازمة في جميع قصصه القصيرة والقصيرة جدا حتى سجل كل التفاصيل والدلالات الجوهرية التي تختص بالبدائية، اختيار اسماء شخوص القصة او الحدث تكون حتمية لا خروج من هذا النسق يجب ان يضع او يوظف الشخصيات بأسماء بشكل مباشر حتى يتمكن من البناء الصحيح للقصة ويوصل للمستلم حقيقة ما يقوم به دائما هذا النسق ما يؤدي دورا مهما في بنية القصة هو موجود في جميع القصص او الروايات فالأسماء عند القاص تعيش حيوية تامة موظفة بدقة كما نشاهد في قصة (صانع الرؤى ) اسم صباح العزاوي كان له حركة واضحة في احداث القصة وايضا في قصة (برنارد شو ..صديق والدي) نجد مكي وادي سلمان الذي عرجت روحه بسبب العولمة الاخيرة وايضا صفاء عبد العظيم الذي كان عونا وسندا لباسم الشريف، نحن كقراء يجذبنا الاسم الحقيقي للشخصية او اسم مستعار فكلا الحالتين ينتج لدينا صورة واضحة للقصة لا تضارب في الشخصيات هو دائما ما يضع اسماء ملائمة للفعل ويبعد عنا الازدواج والتخبط، القاص باسم شريف يوثق في مجموعته( سعادات الامكنة المضاعة ) للحدث او للصورة زمن معين لا خروج منه وهذا ما يميز التجربة القصصية عند القاص، عندما يبدأ القاص في السرد القصصي لبناء القصة لا يمكن نسيان او ترك نسق الزمن هذا له شأن عظيم في الحركة والتناغم بين احداث القصة هو الخط المستقيم الذي يسرد علية القاص كل ما يتعلق بزمن الحادثة او الحالة المراد تكوينها هو مرتبط ارتباطا وثيقا بالوحدة الموضوعية المكونة لنا انجاب في غاية الجمال ويستشهد بنماذج كثيرة اهمها في قصة (بورتريه) (على مدى عام كنت قابعا ًهناك بين جدران تلك المراحيض.
قصص مشحونة
وقتها لم يرق لهم استبدال حكم الاعدام الصادر بحقك من قبل احدى المحاكم العسكرية الدائمية التي استبدلته بقرار لاحق ) بهذا النموذج نسق الزمن واضح وكيفية تفاعله مع وحدة الموضوع وهذا التناوب الواقعي ما هو الا اظهار عمق جوهرية القصة، وهناك نسق اخرى يساعد نسق الزمان، الطبيعة التي تربط القاص باسم شريف بالإحساس والشعور الذاتي وهو نسق مكمل لبنية الانساق السردية والمحرك الاساسي في ثورة الحدث، فالطبيعة تعطي جوا قصصيا مشحونا بالشوق ولهفة عند القارئ هي تعمل على اظهار الخامة الاصلية التي تمكن القاص من السرد بصورة متكاملة متميزة وهذا يظهر أيقونة النصوص بالوان جميلة تحاكي الواقع بنسق جديد هو الكلمات فنسق الكلمات هو يفتح الابواب امام المؤلف وكيفية مزج الكلمات مع المعنى العام وكيفية اختيار المفردات المناسبة التي تكون سهلة التفسير فهذا النسق يدخله القاص بقوة في جميع قصصه ويظهر من خلاله جمال التعبير ووصف الاشياء الحسية المرتبطة بنسق الكمات بأنها مثل للقيمة اللغوية الدقيقة خالية من الاشياء التافهة التي تجعل القارئ يشمئز من ترابطها ، استخدم باسم الشريف كلمات لا تكن غريبة بل هي مصدر لجمال القصة مثل في قصة (الزمن الحميم )استخدم مفردة كورتزار هي شخصية كانت تدير احد المعارك بحكمة ودراية وظف هذه المفردة كي يعطي قيمة لغوية حقيقية وايضا كلمة بورترية هو الوجه الفتي الذي عاد بالقاص الى هواجس وهموم السجن، القاص يبث هذا داخل مجموعته القصصية( سعادات الامكنة المضاعة )على شكل وردة ذات رائحة وشكل جميل جدا كي يعطي للقارئ تيارات الهدوء والعاطفة فالكلمات المختارة في المجموعة لها ابعاد وصدى واضح، لا تخلو مجموعة باسم الشريف القصصية من التاريخ الواقعي الذي وضعة واعتمد علية بشكل عام فالتاريخ دائما ما يعطي للقارئ انطباعا عاما وصورة واضحة عن الاحداث التي تجري في السرد القصصي وهذا النسق ادخله القاص بجميع قصصه كي يعطي دلالات وانطباعات تامة، سنجد الكثير من المشاهد الجميلة التي يربطها القاص بنسق التاريخ والتي يعتمد بها على شواهد تاريخية واحداث قد مضى عليها مئات السنين(احتشدوا بكامل عدتهم وعتادهم، مبتهجين لغياب صوته الهادر، الذي اسكتته نيران غدرهم .بعد أن أتموا الدفن سرا ً…عسكروا داخل المقبرة متخذين من القبور مأوى لهم…
تاريخ واقعي
لم يبرح أحداً منهم مأواه : أما صاحب الصوت، فقد عاد حيث الضمائر مأواه) فالتاريخ الواقعي دائما ما يوظفه القاص بشكلا عام لا يخفي شيئا ما سواء كان هادئا او ملتهبا او شيئا يثير القلق والدهشة، التاريخ في مجموعة القاص مكون أتلاف واضح مع جميع الانساق التي وضعها القاص في المجموعة، باسم الشريف دائما ما يكون اشياء مغرية من حيث التنوع في الانساق وهذا يعطي كما نوعيا من الجماليات المتصارعة في المجموعة التي تنتج السعادات وكيف توظيفها وايضا الامل الذي يعطي مقاما رفيعا داخل المجموعة. يستذكر باسم الشريف القاص والروائي والناقد والمترجم الراحل محمود عبد الوهاب الذي كان عنصرا مهما في قصة (الزمن الحميم )استطرق الى ذلك الناقوس الذي يضرب برأسه واظهار تلك العلاقة الروحية وايضا الادبية، عبد الوهاب كان احد اقطاب الابداع في السرد القصصي كانت له بصمة واضحة في مجال القصة القصيرة كتب الكثير في هذا المجال منها ( رائحة الشتاء)و(القطار الصاعد الى بغداد)و(تحت اعمدة النور)، دائما عبد الوهاب يضيف انتاجات ادبية متنوعة في القصة والرواية والشعر والمسرح والنقد وحتى الترجمة التي اخذت حيزا كبيرا في الخمسينيات والستينيات منها قصة (قطة من المطر) لأرنست همنغواي و(النار العالية)لكالدويل، هذه الاعمال التي قام بها محمود عبد الوهاب تعطي افاقا جميلة متقاربة ما بينها، مازال باسم الشريف يقتدي بتلك الجوهرة الفذة التي هي ينبوع التنوع الادبي في التعامل الحسي والتعبيري، القاص باسم الشريف اشرك في مجموعته ( سعادات الامكنة المضاعة ) شهادات قصصية لجماعة البصرة أواخر القرن العشرين، ونصوص، وعشرة قصص قصيرة جدا هذه لا تخلو من تلك الانساق التي اعتمد عليها القاص في تكوين المجموعة، حافظ وبشكل دوري على الحركة التعبيرية ووحدة الموضوع التي هي الصبغة الاساسية في المجموعة فالأصالة الادبية تمثل لدية حقيقة واحدة ومدخل واحد وضمير حي واقعي فعل هذا كي يعطي ايقونة حيوية متكاملة في المجموعة .



















