سرديات القاصّة تماضر كريم – جاسم عاصي

رصانة السرد  والحبكة في النص

سرديات القاصّة تماضر كريم – جاسم عاصي

ما نعنيه بالرصانة والحبكة ؛التوازن بين الأسلوب بما فيه اللغة القصصية ورسم الشخصية وما يُحيطها كالمكان مثلاً وفق نمط منفتح ومتحرك .

أي يخضع لجدلية الحدث في القصة بشكل عام .هذه الاعتبارات المساهمة في خلق النص ،هي إشارات فنية موضوعية تُسهم في خلق نص معني بمتشكلاته  معمار البناء وفنيته،مما يضعنا أمام تشكّل مقنع بممكناته الذاتية والموضوعية.فالنموذج (الشخصية) هي مجموع علاقاتها بما يُحيطها هو ما يخلق الاشكالية في السرد إذا ما أُحسنت إدارتهما .

لذا نجد ثمة افتعال في خلق تفاعل تصوغه الارتجالية بما فيها اللغة الواصفة والطاغية على أجواء النص وهي علل يعاني منه النص القصصي في بعض مفاصل تفاصيله.لعل أهم ما يستلزم المعادلة الفنية والموضوعية،هو النظر إلى مسار النص بروح الهدوء في تحقيق رؤية معنية بمستلزمات بناء النص السردي .سقنا هذه الملاحظات لنجب قصص الأديبة(تماضر كريم) ،لأنها تتميّز في الأداء من بين الكثير من الكتابات .

لعل ما سقناه كاستهلال لقراءتنا لقصص ضمتها مجموعتين(إيلا /تاتو ).حيث تجسد فيها المستوى المتوازن في السرد والتركيز على فضاءات متنوعة وحيوية تقدود إلى تعدد مستويات القراءة المرهونة بالزمن والاجتهاد النقدي ،ونعني العلاقة البنيوية بين الشخصية ومستلزمات القص الذي تشكله موهبة الكاتب الممسك بموضوعته القصصية وفكره المسيطر والناظم لألأحداث التي يُديرها .

هذه (المتوازنة) القصصية شكلت سمة واضحة دفعت السرد نحو تلقائية مدروسة وكاشفة لخفايا النماذج الإنسانية وانفعالاته ضمن تعاملها مع واقع يكشف أيضاً عن مجموعة من سلوكيات وأفعال وانفعالات تمارسها الشخصية مع وجودها ضمن هذه الحاضنة الاجتماعية والسياسية .إن مجموع مكملات بناء النص ،تتطلب الموازنة في البناء وجعل مفردات البناء النصي الذي خضع للتلقائية المتميزة والنظرة الدقيقة للحادث القصصي .

إن أي عبور لمكنون على آخر في بناء النص يخلق تبايناً ونشازاً ومفارقة ،حيث لا نجدها مؤثرة في نصوص القاصّة التي تميزت بالتنوع والاثراء والتمكن من الأداء القصصي .فهي نصوص توسلت بالحبكة وهي وحدة مهمة صعبة في بناء النص.ثم والتوازن بين اللغة القصصية وطبيعة الشخصية ووعيها الخاص .لعل ما أدى إلى ذلك هي مجموعة خصائص نجملها بما يلي:

وأهمها: العناية بالبنية النفسية للنموذج ،كونه يعيش بين حملة مؤثرات ، كالعلاقات الأُسرية والاجتماعية ،مما كونها تضعها وسط محرك دائم ومؤثر يساهم في خلق الشخصية وتقديمها بصورة تلقائية تؤثرعليها المكونات الأُخرى ومنها طبيعة المكان ومستوى العلاقات الأُسرية والاجتماعية ،يقابلها سمة الشخصية النفسية المبنية على مجموع العلاقات تلك .فالقاصّة تخلق نوعاً من الموازنة من خلال التحكم باللغة القصصية والابتعاد عن الإنشاء في اللغة ،لأنه يُحدث شرخاً بين الشخصية وواقعها كالمحيط الذي تسكنه ،والبنية الأُسرية والاجتماعية المتحكمة بسلوكها .نعتقد أن هذه السمة السردية هي أهم ما يشكل النص عبروضعها موضع خلق القناعة الفنية والموضوعية عند المتلقي  بكل مستوياته.

كما نجد أن القاصّة تهتم في الأجواء التي تُحيط بالنموذج في النص واعتبارها الخالقة لكل ردود الأفعال ،ونقصد تلك العلاقات بين الشخوص ،مما نقف على المؤثر الأساس في بناء النص ؛وهو تأكيد رؤى الأُنثى المتسيدة بحق ذاتي وموضوعي على مكونات السرد ،وهي خاصية تحلت بها كتابات كل من(لطفية الدليمي /ميسلون هادي).لذا يكون فعل القاصّة مستند إلى تجارب أجيال من القاصّات سواء العربيات أو العراقيات .فانص لابد أن يخرج من بين يد تستطيع ترك أثر أُحسنت إدارة الأفعال وردودها فيها ،كذلك يشمل الشخصية وبناءها ،بعيداً من تأثير الانفعال وسيادة إنشاء اللغة .

فالمتلقي من خلال النص يجد نفسه أمام مجموعة أفعال موصوفة بدقة ،كما نجدها في قصص المجموعتين لـ(تماضر) ،مما يُتيح لنا القول أننا أمام خلق متوازن كما أشّرنا هذا في الاستهلال .

فالتعدد في الموضوعات دال على تنوع في الرؤى الفنية والموضوعية ،ثم قوة وبلاغة وعي الظواهر بكل تشكلاتها ومكوناتها ومؤثراتها .فالنموذج هنا نتاج واقع اجتماعي وأُسري تشوبهما الإشكالية الوجودية ،لذا لابد من الاهتمام بأسس المعادلة الموضوعية التي صاغت وتصوغ الشخصية ،ومن خلال النظر إليها بتوازن يبتعد عن الانفعال في تشديد التراكم الانشائي في اللغة ،المهم في البناء اللغوي(السردي) هو رصد الأثر والتأثير اللذان يخلقان لنا النموذج في النص .إن القاصّة كثيرة الاهتمام بهذا المنحى الموجب في صياغة القص.

في قصة(عوّدة) نقف على مجموع المؤثرات في بناء الشخصية .فتشوه الجسد كفيل بخلق البنية النفسية غير المستقرة ،وهذا ما أجرته القاصّة سردياً متزناً وهي تُعالج ظاهرة جديدة تواجهها الشخصية ،حث خلقت ظاهرة نفسية عكست طبيعة الشخصية وهي تداوي علّة مستدامة كالرجوع إلى الجذور. فالشخصية تعالج ذلك من خلال مشاهداتها(أنا نفس تعجبت من اللذة الغريبة التي كانت انتابني وأنا أُشاهدهما معاً يلعبان بالثلج) .

في قصة(فيتر) وهو عناون يكشف عن طبيعة موقعها في الواقع ،لكن المهم في الكيفية التي بنيت فيه العلاقة وكالآتي:(ضغطت عليها بطريقة ما .كأنها أرادت أن تقول شيئاً جميلاً) وفي هذا دهشة ايجابية دلت على ضربة فنية موفقة .كذلك كان الطرح في نصوص منها(ذات السنوات التسع /الغريب)لما كانت الكيفية التي تناول من خلالها البنية النفسية عند الشخصية وهي تعيش وسط حامل لتناقضاته .

فقد تمكنت القاصّة من إدارة المحتوى وقوة ومرونة المتخيل للصعود بالنص إلى مستوى القبول والقناعة التي يندر تواردها من دون هذه القابلية على الأداء .في قصة(الرحيل فجراً) تستوقفنا سمة البساطة في الطرح وعمق الدلالة في التعبير ،والقدرة على الأداء القصصي ،مما أتاح في ذلك فرصة التعبير وعمق الدلالة .فالقصة انطوت على مجموعة متناقضات وقتية كان الزمن والحدث المفاجئ عاملان مسيطران على تغيير المصائر ،حيث لعبت المخيلة دوراً في صياغة مجريات الأحداث التي بنت عمارتها على التصور والتوجس .إن معمار القصص اعتمد على مجموعة من المُعينات في بناء النص ،لعل أهمها فتح المجال أما السرد ليحقق ما هو جديد ومشتبك مع الظواهر اليومية ،وهي عبارة عن مجموعة توقعات مندفعة بصيرورة التوجس والمحتمل .وهو ما يمنحنا حقيقة متطورة تقول أن المساحة التي يخلقها المخيال كفيل بملازمة التجديد في المشهد من جهة ،وتوفر إمكانية التنوع في الطرح .هذه الممكنات خلقت نصوصاً ً مشدودة إلى جدلية التوقع والمحتمل ثم الحدوث الفعلي الذي تفرضه حقيقة المجرى الطبيعي للفعالية الاجتماعية .في قصة(إيلا) تتحقق معادلة العلاقة بين الانتماء إلى الأصول والتشبث بعلاماته المزالة .وهي قصة تدور حول حياة فتاة(يهودية) مرّحلة عن جذورها الاجتماعية والوطنية .سيما الانتماء إلى المكان .العودة تعني عند الفتاة الالتصاق بما افتقدته في الغربة:

 ـــ (بعد دقائق كانا أمام الاعدادية ،تناهت إلى أسماعهما أصوات الطلبة)

  ــ (أرته الصورة الباهتة التي بحوزتها ،ثمة زقاق ضيّق بشرفات متقاربة لبيوت متقاربة )

  ــ ( ــ ما اسمك؟

       ــ عمار .

       ــ إنه اسم جميل ..إسمي إيلا .

       ــ إيلا هل هو اسم يهودي ؟

       ــ نعم … يعني شجرة البلوط .)

هذه اللمسات وغيرها التي بناها العقل القصصي ،كفيل بوضع النص ضمن مصافي النصوص المكتملة كما هو في معظم النصوص التي كتبتها القاصّة .إن المعمار الذي اعتمدته النصوص مجتمعة هو مبدأ عدم التفريط بقوة النص دلالياً بما تستلزمه البنية الفنية البانية للوحدة العضوية لكتابة النص السردي من جهة ،والتوفر على القناعة الموضوعية لمسار الحادثة أو الحدث المكثف .فالنص السردي وكما هو في مجمل خصائصه يتمكن من وحدته من جهة ، وقدرته على البث بقوة  مستلزماته من جهة أُخرى .لقد حاولت القاصّة الاحتفاظ بوحدة موضوع النص ،كذلك التوفر على بناء متماسك يُلغي الفجوات التي قد يخلقها  المسار المغري في التعبير ،خاصة الانشاء في اللغة والهيمنة من خلالها على وجود الشخصية .من هذا توخت القاصّة حالة الوقوع في هذا المطب الخطير،لذا ألزمت نصها على التشبث بوحدة تعبير شاملة تتمسك بشعرية السرد وتنوعات الطرح المتوازن الأطراف .ومثل هذا تبرز ظاهرة الفعل ورد الفعل لحظة وقوع أو احتمال الوقوع للحدث ،أي الفعل ورد الفعل .وهي بنية نفسية خالصة تم التركيز عليها في القصص ،خاصة في قصة(غرق) معتمدين على مجسات دالة على هذه الظاهرة مثل:

ــ (لم تكن تلك فكرة جيدة ،أن أتبرع بأعضائي الداخلية بعد موتي ،كنت أُريد

                             لجسدي أن يُدفن كاملاً)

ــ( كنت حزينة جداً ،وبدأت أشعر أن هذا الجسد لا يعود لي)

وفي غير ذلك كانت  تُحافظ على تماسك النص والشروع في تعميق دلالة التعبير في استعمالات لمفردات اللغة على نحو عميق ودال .فالنص هنا يمتاز بتماسك ووحدة موضوعية .غير أن المخيلة عند القاصّة عمقت النص بناء ومعنى كما في نص(تحت الأنقاض)فالمتخيّل السردي من خلق طبيعة الحلم وحيويته ثم تطويره كحدث.

في نص(سبعة عشرة يوماً في العزلة) توزعت مناحي النصوص المستقلة بذاتها والمجتمعة على بعضها عبر وحدة المكان(المشفى) حيث نكون بمواجهة مجموعة نصوص تجمعها وحدة موضوعية عبر ساردة نزيلة في المستشفى .هذا التنوع ساعد عبر فقراته السردية لعبي  عن أحاسيس النزيلة ،ومجموع مشاهداتها للنزلاء .لقد خلقت مخيلة الساردة جملة مشاهد راصدة لما يدور داخل المشفى باعتبارها سجّل احتوى يوميات تنوعت في بنائها نبرات الأحداث وطبيعة النزلاء . فالصدفة هنا حالة  خالقة للمشاهد  المفاجئة  ، حيث رسمت على شكل قصص ترصد مشاهد متغيرة تصب في مركز واحد هو يوميات المشفى والنزلاء مجتمعة في نص واحد شكل سردية طويل الفصول ،ساهم  المتخيّل المبني على طبيعة الحياة التي تعيشها الحيوات .

إن بنية القصص مجتمعة اندرجت تحت مسار واحد ومتنوع ،اعتمد مبدأ دراسة الشخصية من لجانب النفسي .لذا كانت الأفعال وردودها معتَمداً في كتابة النصوص بتلقائية موضوعية وفنية .القصص جميعاً تُبشر بجهود سوف تجد مجاورها متوفرة ،لأن ــوكما نرى ــ إن العقل القصصي عند القاصّة يهتم بما هو تلقائي وضروري في حياة النماذج التي هي جزء من تاريخ شخصي وجمعي في آن واحد .