ساعة السودة

ساعة السودة

دائماً ما يطلق على مرحلة ما بعد النظام السابق بمرحلة (سقوط النظام) دون أن يعي الكثير ما لهذه الكلمة من مدلولات أثبتت صحتها على مدى مرور أكثر من عشر سنوات عاشها العراقيون بمرارة أشد من مرارة العهد السابق ، فقد سقط النظام فعلاً وأصبح المجتمع العراقي (مجتمع غاب) تحكمه القوة التي يمتلكها الفرد أو الجماعة فلم يعد للقانون أو للنظام الجديد سلطة قوية تستطيع أن تنظم الحياة الاجتماعية للأفراد لأنه لم تعد هناك هيبة للقانون من قبل أصحاب القوة من الأفراد أو الجماعات ، بل إن هيبة القانون فرضت على من لايملك من أسباب القوة شيئاً والشواهد على ذلك كثيرة فقد استنزف أصحاب القوة ثروات البلد تحت مسميات عدة دون أن يستطيع القانون أو النظام أن يحاسبهم وهذه الشواهد اطلع عليها المواطن البسيط من خلال وسائل الإعلام القليلة المتبقية من غير السائرة في ركاب النظام الجديد والتي لا زالت تمتلك بقايا وطنية وغيرة على البلد، فالقانون الذي أوجده النظام الجديد سوف يشتعل غضباً فيما لو قام المواطن البسيط بفعل ما يتنافى مع القواعد القانونية الجديدة وخصوصاً لو كان موظفاً ، فمهما كان ذلك الفعل بسيطاً أو كان عن خطأ حتى لو كان دون قصد أو نية سيئة عندها سوف تقوم الدنيا ولا تقعد ليطبق القانون مواده وبصرامة شديدة (براس المواطن أو الموظف البسيط)الذي لايملك من أسباب القوة شيئاً وفي ذات الوقت سوف يرتدي القانون نظارة سوداء قاتمة كي لا يرى فعل المتنفذين من الأفراد أو الجماعات الذين يمتلكون كل أسباب القوة مهما كانت شدة وقوة وشراسة تلك الأفعال،،، والشواهد أيضا كثيرة عرفها أبسط المواطنين لوزراء وسياسيين كبار سرقوا الوطن وهم آمنون لا يردعهم وازع لا من قانون ولا من ضمير ، من قائمة تطول لو أسهبنا في تبيانها قد يلاحقنا القانون متهماً إيانا بعدم الوطنية والنزاهة أو ضد العملية السياسية الديمقراطية أو التعرض والتطاول على من هم فوق القانون من أصحاب القوة ،،،هذه الكلمات البسيطة القليلة التي تعرضت لها في هذا الموضوع ما هي إلا نقطة سرقتها من بحر الغضب الذي يملأ صدور العراقيين الذين لايمتلكون من أسباب القوة شيئاً وهم غالبية على من سرق أحلامهم وآمالهم بالعيش في بلدهم أحراراً متنعمين بمالهم الوطني الذي سرقه منهم أصحاب القوة والمنعة، ففي جلسة ضمتني مع بعض أبناء عمومتي في مضيف أحدهم قرأت عليهم هذه الكلمات القليلة والبسيطة التي لاتحتاج لأصحاب الشهادات والألقاب العلمية كي يفهموها وانما تحتاج الى من يتفاعل معها من أجل الدفاع عن حقوق المواطنين التي سلبها من يعتبرون أنفسهم فوق النظام والقانون وكأنهم مالكون لهذا البلد ، لم يجبني أحد منهم أو يبدي رأيه وإنما تسارقوا النظر فيما بينهم وكأنني تعرضت بالسوء لشيء مقدس لا يمكن المساس بقدسيته وحرمته ، عندها همس أحد أبناء عمومتي الذي يجلس بجانبي وهو يهز فنجان قهوته قبل أن يشربه (إنهم يمتلكون بعض أسباب القوة) حينها لفت نظري قيام رجل عجوز يرتدي (دشداشة وشماغ فقط) دون عقال أو عباءة حتى لو كانت بسيطة لا تشبه عباءات الجالسين المطرزة بخيوط ذهبية والذي كان جالساً قريباً من موضع (أحذية أصحاب القوة) أجلكم الله، وهو ينظف دشداشته من الخلف مكان جلوسه مما يوحي أنه لم يكن يجلس على بساطهم فصاح بصوت بان فعل السنين فيه موجهاً حديثه للجالسين في المظيف (ساعة السودة) وخرج وهو (يدردم) كما نقول في لهجتنا العراقية عندها استأذنت للخروج وأنا اردد بصوت سمعه القريبين مني (إي والله) ساعة السودة .

حامد كامل