قصة قصيرة
ساتر الموت
ركضت لاهثاً خافضا رأسي بعد أن وصلت فجراً مع باقي رفاقي نحو الساتر الترابي الفاصل بين قواتنا المتجحفلة هناك في ذلك الوادي وبالجانب الأخر يقف (غربان الشر داعش) يحاولون الولوج إلى ذلك الموقع الذي ارسلنا لتعزيزه بعد أن تعرضت قواتنا هناك لمعركة استنزاف بكل ما تعنيه الكلمة لخمسة أيام بلياليها خاضتها القوه التي وجدناهم وهم يصارعون الوهن الذي أعياهم والذي كان بادياً على محياهم بعيون حمر من طول السهر ووجوه صفر مغبرة بلا ملامح كالحة من شدة التعب , مرتدياً بدله عسكرية فضفاضة علي لا تناسب مقاسي جهزوني بها قبل يوم واحد , بيدي بندقية روسية صدئة والتي تكبرني على ما اضن عمراً متنكباً على صدري (صف الرصاص) الثقيل وتعلو رأسي خوذة زيتونية وهي تتمايل مع خطواتي وأزيز الرصاص ليس ينقطع فوق رؤوسنا كالمطر . مع إن المسافة بين مكان نزولنا من الشاحنات والساتر ليست بالمسافة الطويلة والتي مع إني هرولتها هرولة والتي لم تستغرق سوى بضع ثواني إلا إني شعرت بأنها مرت كالدهر من هول المشهد !
جثث الشهداء وهي مرمية هنا وهناك خلف الساتر , وجوهها شاحبة والعيون جاحظة والدماء التي سالت منها أصبحت يابسة بعد أن روت تلك الأرض الجرداء العطشى سوى من بعض الأشواك المتناثرة هنا وهناك في ذلك الساتر الذي حمل اسماً على مسمى . ثلة من الجرحى يتلوون من شدة الألم لم يتلقون العلاج أو العناية بهم سوى ضماد اولي , فوارغ الرصاص في كل مكان تغطي الأرض بالآلاف.
ارتميت نحو الساتر الترابي وأسندت ظهري إليه محتمياً من ذلك الوابل من رصاص (الغربان) الذي منًفك ينهمر ! الخوف كاد أن يقتلني بدل الرصاص فأنا لم أخض حرباً من قبل أو بالأحرى لم التحق بالجيش من قبل أطلاقاً , فأنا تطوعت للدفاع عن وطني بعد أن دنسه هؤلاء الحثالة المرتزقه القادمون من وراء الحدود . تعالت من ثلة الجنود الذين صمدوا قبل وصولنا صرخات الترحيب بنا فرحاً بقدومنا بعد أن أحسوا بقدومنا لدعمهم , حتى أنهم بكوا فرحاً . فهم خاضوا معركة شرسة لأيام عده وبلا توقف وأوشكت ذخيرتهم أن تنفذ وهم بلا طعام سوى القليل من الخبز اليابس الذي كاد هو الأخر أن ينفذ حتى إني رأيت احدهم يلوك لقيمات من رغيف يابس يحمله داخل صف رصاصه الخاوي من الذخيرة وهو يقاتل , كان شاباً أسمر في مقتبل العمر لم تكد ملامحه الرجولية إن تكتمل بعد . انتبه إلى وجودي قربه على الساتر فصاح بصوت عال خيل لي انه اسكت صوت الرصاص الهادر في أرجاء المكان , صيحة هادرة هزت وجداني وأقشعر لها بدني لن أنساها ( عاش العراق….. نهضت من مكاني الذي كنت ألوذ به وسحبت أقسام البندقية وكشرت برأسها من فوق الساتر وأخذت ارمي وابل من الرصاص نحو الأعداء وأنا اصرخ (عاش العراق…..
التعزيزات التي قدمت لمؤازرة القوة المحاصرة قلبت الموازين , فبعد أن كانت الغلبة لهم صارت الغلبة لنا , (الغربان ) بدأوا ينكسرون .
بعد إن أشرقت الشمس تحركت مجموعة منا بعد إن تلقت أمراً بالالتفاف عليهم من جهة اليمين وأخرى تبعتها من جهة اليسار ونحن أخذنا نتقدم من الوسط وأطبقنا عليهم وما هي إلا ساعة حتى انكسروا تحت وابل نيراننا والابتسامة علت وجوهنا فرحين , لقد قتل منهم من قتل وأسرنا منهم من أسرنا وهرب شرذمة منهم وهم يتباكون تاركين أسلحتهم ومعداتهم خلفهم مذعورين .
وقفت إنا بعد إن انتهت المعركة بالنصر ابحث عن ذلك الشاب الذي صرخ تلك الصرخة المدوية والتي شدت أزري وعزيمتي بل وشدت أزر الجميع وكانت سبب من أسباب النصر لأهنئه بالنصر ولكني لم أره بين الجنود الفرحين ! تساءلت أين قد يكون ؟ رغبت إن أعانقه بشده ,إنا لا اعرف اسمه وحتى إني من شدة القتال لم اكلمه ولو كلمة ! وبعد إن صرخ تلك الصرخة غاب عن ناظري ولم أره بعدها . بحثت عنه كالمجنون بين الجنود ولم أجده بينهم .
لو إني أراه سوف أتذكره فملامح وجهه الطفولي الأسمر لاتكاد تفارق مخيلتي مذ رأيته على الساتر يلوك لقيمات الخبز اليابس وهو يقارع العدو . ما هي إلا دقائق حتى شاهدت مجموعة من الجنود وهم يحملون جثة شهيد جاءوا بها من مكان القوة التي التفت على العدو من جهة اليمين وأنا أتمعن بملامح الشهيد وهم يقتربون به شيئاً فشيئاً حتى تبين لي انه هو ذلك الشاب الذي ابحث عنه ووضعوها على الأرض وهم يبكون عليه . فركضت نحوه كالمجنون فارتميت عليه أطالع وجهه من قريب , لازال ما تبقى من رغيف الخبز اليابس مطوياً تحت صف الرصاص وشاربه الغض يحمل من بقايا كسيرات الخبز النزر اليسير . سألت عن اسمه فأخبروني إن اسمه (عراق) بندقيتي رميتها من يدي وضممته إلى صدري بقوه وصحت بأعلى صوتي :
عاش العراق ..عاش العراق….عاش العراق ….
حسام خوام – ديالى

















