زمن لا يشبه سابقه – عبد المنعم الاعسم

زمن لا يشبه سابقه – عبد المنعم الاعسم

نكرر القول ان «ما مضى هو الايام الجميلة» فنأخذ جرعة من الوهم كوننا ضحايا مؤامرة اعدتها اشباح وأقدار وبشر من جنس الوحوش، والنتيجة، لا مفر من ان نُبقي شيئا ثمينا في ذاكرتنا: البغضاء لبرك الدم التي خوضنا فيها، وفي ذات الوقت الحذر من الاستغراق فيها واعادة استذكارها بمناسبة وبدون مناسبة،  وفي انتباهة لرسول حمزاتوف، يقول، ان أبناء قريته في اقاصي داغستان كانوا قد هجروا نبعا من الماء كان قد شهد مذبحة لعشرين من نسائهم، وكان الجيل الثالث من ابنائهم يرتعبون ذعرا كلما مروا بالنبع، وكثير منهم يضطرون للمشي يومين بدل ان يسلكوا الطريق عبر النبع مخافة ان يتذكروا بشاعة المجزرة.

المشكلة ان الكثير من الكتاب، وانا منهم، ملّوا الكتابة في «المفاجآت» وبعضنا، وانا منهم، لا يكتبون حين يجدون انفسم وسط الفاجعة، كما لو انهم يتنقلون بين ثلاجات الجثث في المستشفيات بحثا عن امرأة أو اخ أو صديق أو عزيز القت به مصادفات الزمن النذل الى سيارات الاسعاف.. اقول، اننا (وأنا حصرا) نعجز، للوهلة الاولى، عن تحويل الفاجعة الى نص، لكن كتابا آخرين تمكنوا من ليّ الاقدار وكبح السقوط في العويل وكتبوا عن فجيعتهم وهي ساخنة. ايزابيل الليندي، الروائية وابنة البطل الوطني التشيلي سلفادور الليندي، يئست وهي في المستشفى تتابع احتظار ابنتها، عندما فاجأها الناشر بالقول «انت كاتبة، والطريقة الوحيدة التي يمكنك بها مواجهة هذه المأساة بكتابتها» فوافقت، لكن كم من المبدعات تستطيع الشروع في الكتابة في موقف مثل هذا؟ بل كم من الامهات يمكنها ذلك؟

بناء المستقبل

حسنا عم نكتب إن لم نكتب عن فواجعنا؟ بمعنى الكتابة عن امل يزيح الكوابيس، اعادة ملغزة لمأثرة البُناة الافتراضيين للمستقبل لبشرية تتقاتل بشراسة وتكيد لنفسها، فلم نزل نحتفي بتلك المأثر، نجددها، ونتجدد فيها، بوصفها العلامة الدالة على اننا مخلوقات مسالمة، او على وجه الدقة، اننا ولدنا مسالمين قبل ان نتوزع الى اقدار متناحرة: ملائكة وشريرون، مثلما توزع اصحاب يسوع الى قديسين وغادرين، وما دمنا في لحظة حرجة من التاريخ، تهددنا الانواء المضطربة من كل جانب، فان الامنيات تتخذ شكل الحياة بمواجهة الموت، إذ نقف بين الموت والحياة، بين ان نستأنف مشوارنا على الخارطة، او ان نستقيل منها، اننا الآن وجها لوجه مع بعضنا. متعددون في الانتماء والعقائد والاديان والملل، وموحدون في الجغرافيا وفصيلة الدم وحنفيات الماء.

اننا نعيش في عصر استثنائي، والاهم، علينا ان نعاين ما يجري من حولنا. البشرية تركض في كل الاتجاهات،  فمن كان يصدق ان مقياس الترانزستر سيصل الى 50 نانومتر، أي ما يقل بالفي مرة عن سُمك شعرة واحدة من راس الانسان؟ آنذاك، قبل سبعين سنة، بُني أول حاسوب إلكتروني في العالم بلغ وزنه 27 طناً وضم في جوفه عشرات الآلاف من الصمامات وعدة كيلومترات من أسلاك النحاس وبلغت تكاليفه عدة ملايين من الدولارات، وكان للمليون الواحد شأن.

ثم شهد العالم سلسلة من الثورات التكنولوجية في مجال الالكترونيات قبل التوصل الى ماسمي بالدوائر المتكاملة والذكاء الاصطناعي حيث استطاع العلماء تركيب مجموعة من العناصر الإلكترونية، شديدة التعقيد، على شريحة صغيرة من أنصاف النواقل وشــــــــاء هذا التحول ان يدخل كل بضائع الحياة من معلومات في تلك الشريحة العجيبة، بل انه فـــــــــــتح الطريق لسباق “مجنون” نحو المزيد من الاختراعات، التي بدت للمتابعين انها تتحقق على مدار الساعة.

قبل خمسين سنة لم يكن احد ليصدق بان تلك الشريحة السحرية ستقود العالم الى اعادة تنظيم فانتازية بحيث ستدار العديد من الدول من قبل «حكومات الكترونية» فالموظفون والمراجعون لن ينتقلوا من منازلهم، والمشكلة، كما كان يقول العالم الفرنسي اندريه ماري امبير قبل مايزيد على قرن ونصف من الزمان ان ثمة بشر لا يعرفون هذه الانباء ذات الصلة بحياتهم، وقد طور برناردشو فكرة امبير بالقول بان بعض البشر لا يريدون ان يعرفوا.