زمـام الـقـيـادة – نصوص – مـؤيـد الصالحي
كانت تعبث بسلسلة المفاتيح بين أصابعها ، قبل أن تقف منتصبة عند حافة المنضدة تلملم أوراقها وحاجياتها وتحشرها في حقيبتها اليدوية ، وهي في أقصى حالات التلهف و التأهب لترك مكانها ، ترنو بقلق شديد بين الحين والآخر إلى ساعة يدها الذهبية التي تزين معصمها ، تترقب انتهاء ساعات العمل اليومي بفارغ الصبر ، كل ذلك كان يجري أمامي بعجالة على نحو مفاجئ لم أعهده فيها من قبل طوال السنوات التي قضيتها معها في الوظيفة الحكومية .
وكـم كان بودي أن أتوجه لها بالسؤال عما يشغلها لكني كنت اعـدل عن الفكرة ، فانا بطبعي لا أميل إلى اقتحام عزلة الآخرين ، كما أنوء بنفسي عـن التدخل في خصوصياتهم ، واعتبر ذلك أشبه ما يكون بالاعتداء الصارخ على الحريات الشخصية للآخرين ، لاسيما إذا كانت مثل ( ليلى ) امرأة لا تمت لي بأي صلة قرابة ، فهي مجرد زميلة في العمل كالأخريات ، يغلب على صفاتها الثقة العالية بالنفس ، هكذا تبدو لي ، أيضا تفرض احترامها على جميع الزملاء ، فلا يجمعني بها غير تفاصيل العمل اليومي التقليدي في غـرفة تحت الأرض بائسة جدرانها كالحة ، إذ لم يسبق أن تحاورت أو تقاطعت معها في أي شيء ، فانا شديد الصمت و الهدوء ، واعرض كثيرا عن اللغو في الحديث ، اردد في سري على الدوام ( إذا كان الكلام من فضة ، فالسكوت من ذهب ) ، واحرص كثيرا على عـدم زج نفسي في مسالك و متاهات لا تعنيني بالمرة كي أتجنب ما لا أهـوى و لا أرضى ، إضافة إلى ذلك فانا على يقين تام بأنها سوف تتجاهل سؤالي ولا تصغي إليه إطلاقا ، لأنها لا تريد الإفصاح عن مكنونات نفسها وما يدور بخلدها و يعتمل بداخلها ، كما اعـتـقـد ، فهذه طبيعتها التي جبلت عليها منذ أن شاءت الصدف أو حينما تطلب العمل أن نكون معا في مكان واحـد ، و لكن لأول مرة يدفعني الفضول لتعقب خطاها و تستهلكني الظنون ، رغم تمسكي بقناعاتي الثابتة تجاهها .
فلا اعلم كيف استجمعت قواي و سمحت لنفسي بالنهوض من مكاني و الجري خلفها بخفة شيطان مارد يأمرني فامتثل لأمره طائعا صاغرا متخليا عن المبادئ التي آمنت بها بقناعة بالغة ، أتخفى وراء نظارتي الشمسية القاتمة على مضض ، أتعقب خطاها فلا ادعها تغيب عن نظري تاركا مساحة مناسبة بيننا ، فما أن اجتازت البوابة الرئيسية للبناية ، حتى أطلقت ساقيها للريح باتجاه مرآب السيارات في الجهة المقابلة ، وحين صارت داخل المرآب ، تسمرت في مكاني أطيل التحديق نحوها متواريا تماما خلف جذع شجرة عملاقة ، حتى خرجت وهي تجلس خلف مقود سيارة بيضاء حديثة الصنع بلا لوحات أرقام تسير ببطء و زهـو لا مثيل لهما ، فلم تتنبه لوجودي قريبا منها ، فـقـد كانت في أقصى درجات الحذر والتركــــــيز على الطريق الذي تسلكه .
قال لي عامل المرآب لما راني مستغرقا بالنظر إليها : – واضح انك تحب التطلع إلى الفتيات و إحداهن تقود السيارة بنفسها . ثم تابع قوله : – إنها زبونة جديدة عندنا . .
و قبل أن يكمل كلامه ، تركته و انصرفت لشأني ، ابحث عن واسطة نقل تـقـلـني إلى منزلي وسـط بغداد ، لاادري حينها كيف خطر ببالي أني لو كنت في وضعها ، لدعوتها بمودة و احترام أن أوصلها في طريقي إلى بيتها وسوف أكون في غاية السـرور و الامتنان ، لكن هـي لماذا لم تفعل معي الشيء ذاته ؟ ، مع ذلك سوف أتمسك بالاعتذار عـن قبول دعـوتها ، لأظهر أمامها بان كبريائي يمنعني من الجلـوس معها في سيارة هـي من تمتلك زمام الـقيادة فيها و ليس أنـا .


















