
رواية مزامير المدينة والمتخيّل التاريخاني
المضمر في إزدواج الشخصية
نجاح هادي كبة
مزامير المدينة رواية للروائي علي لفتة سعيد صدرت العام 2018م عن دار الفؤاد بحدود272 صفحة من القطع المتوسط عنونت فصولها بمقولات شاعرية مثل : التاريخ حكاية مبتورة بألسن عديدة / احتاج البلاد لأتنفس / مذ رأيت وجهك وأنا اصفق .. الخ والمقولات الشاعرية التي عنونت بها فصول الرواية مناص بلغة جانيت يتحقق من خلالها هدف المبنى الروائي ويتكامل الهدف بالعنوان الرئيس مزامير المدينة اي اغاني المدينة كما يحيل العنوان الرئيس الى مزامير داود والروائي يسخر بهذه المقولة من الخراب العراقي بخاصة بعد التغير 2003 م لأنه يعني بمزامير المدينة احزان بلده العراق وهو يحايث أو يحاور التاريخ المعاصر للخراب العراقي ليسجل هذا التاريخ بأسلوب فني على شكل مذكرات وسير لأفراد من الشعب العراقي بمثابة عينة تمثل هذا الخراب وليوضح نظرته الفلسفية (بالمعنى العام للكلمة) اتجاه ما يمر به بلده العراق من محنة وهو يعيش هذا الوضع المضطرب .
الرواية والتاريخ
ولابد من الاشارة الى ان التاريخ هو سرد بحسب الكثير من المنظرين ، كما ان الرواية هي سرد ايضاً ولكن ما يفرق بين الرواية والتاريخ هو البناء الفني للرواية وهو شرط غير متوافر بالسرد التاريخي ، لكن الرواية كالتاريخ حين تعكس التاريخ القريب والبعيد لحياة الشعوب وهي تصارع من اجل النهوض اتجاه جدلية الحياة .
استند الروائي الى بناء شخصيتين متخيلتين الاولى هي شخصية السارد الضمني الاول او السارد العليم وهو الروائي والثانية شخصية محسن (الروائي والشاعر) الذي يتلقى التوجيهات من السارد الضمني الاول ليكتب رواية عن الخراب العراقي الذي اضطره هذا الخراب ان يشتغل حفاراً للقبور وهي مهنة مُدِّرة على صاحبها ولاسيما بعد سلسلة الحروب بخاصة الحرب العراقية – الايرانية في الثمانينيات وحرب الكويت في التسعينيات ثم الخراب العراقي بعد التغيير العام 2003م . يصف الروائي محسن بأنه لا يملك إلاّ الذكريات وواقع في فخ اليوتوبيا في التفكير بحبيبته سلوى التي قضت الحرب على ذكورة زوجها واستشهاده . يخاطب السارد العليم (الروائي) محسن (كدت تسقط وطلبت منك امساك اعصابك امام هول ما تشاهده من نساء مفجوعات بالفقد والصبر لأشهر للعثور على رفاة الفلذات ، وكانت سبايكر عنوان مرحلة خطرة لا تقدر على وصفها في اوراقك ، فوضعت خطوطاً حمراً تحتها لتعيد صياغتها بعد اكمال المسوّدة النهائية للرواية / ص : 144 ولم يجد محسن تعويضاً عن ضياع حبيبته سلوى إلاّ ليمارس ضروباً من الخيال عن شابة وجدها تمارس الجنس مع شاب في المقبرة اسمها حمدية وبذلك فإن الروائي كان ذكياً في وصف تعطيل دور الاديب والروائي في مجتمعنا فهو عامل في حفر القبور ودفن الموتى لا تحيط به سوى الذكريات واذا مات فشأنه شأن اقرانه ترثيه قطعة سوداء في اتحاد الادباء سرعان ما تذروها الرياح ، يخاطب الروائي محسن بوصفه السارد العليم (مثل تائه يمشي ولا تعلم ماذا تفعل غير ان تقرأ ما يصادفك الصورة المعلقة على الجدران واعمدة الكهرباء واسيجة حدائق الجزرات الوسطية لشباب تركوا ارواحهم في جبال حمرين او اطراف الموصل .. دفاعاً كما تقول الكتابات عن الوطن والمقدسات ولا ترى بين الصور سوى الفقراء وحتى القادة الذين قتلوا هم فقراء صاروا حائط صدٍّ بدلاً من الذين ينفخون في الكلم فتولد العاطفة من سحنات الناس).ص: 166لقد عطل الروائي دور الاديب والروائي في اصلاح المجتمع والدلو بدلوه في تغييره سوى ما يوحي اليه وما يشاهده من احداث ليكتب مآسي وطنه عن طريق استخدام القرين او القناع المزدوج هما الروائي السارد العليم أو السارد الضمني الاول (والسارد الضمني الآخر ” محسن ” بطل الروائية بامتياز) والروائي في هذا الاسلوب يستبدل الضمائر احدهما بالآخر فينتقل من المتكلم الى المخاطب والى الغائب وبالعكس في لعبة فنية تكسر طوق سرد التاريخ الحقيقي ، كما يشارك الشخص الثالث إذ يجري اسلوبه بالتداعي الحر والمنولوغات الداخلية بأسلوب درامي غير مباشر فيه تأثير من اسلوب طه حسين في الأيام حين يمارس لعبة استبدال الضمائر لكي يبعد سأم القارئ وهو يعكس تاريخ الخراب العراقي لاستناده في كتابة الرواية الى اسلوب المذكرات والســــيرة Biography .
يخاطب السارد العليم (الروائي) محسن حين كان يناقش علي الدفان (كان فاغر الفم في الكثير من الاحيان يشبه فاقداً لعزيز ، وحين تقول له ان الادب خلق جديد لا يختلف عن خلق الموت ، تراه يحني رأسه متصوّراً انك تنعته وان العمل فيها لا يؤدي الى الخلق ، فأجبته براحةٍ لتنفرج اسارير طفل ، وقد نوّهت لك عن هذا حين اردت تشكيل كلمات لادخالها في روايتك عن علي الدفان) ص 199 لقد استطاع الروائي بهذا الاسلوب الذي كتبت فيه الرواية ان يطور اسلوب الدايلوج والمنولوج ليصنع منهما اسلوباً فنياً في تحبيك الاحداث خاص به حين اشرك نفسه كسارد عليم او القارئ الضمني الاول وهو يوجه دفة احداث روايته على لسان محسن معلناً غضبه على ما يواجه او يواجه شعبه من صراعات مختاراً شرائح من المجتمع اتخذها كعينة للتعبير عن تاريخ الخراب العراقي (ويمكن القول ان علاقة الرواية بالتاريخ قد شهدت تغيّراً جذرياً بعد ان فقد التاريخ قداسته واصبح مجرد خطاب فاسحاً المجال امام تواريخ فرعية هي الاخرى قد يكون مخترعة او ملفقّة او تخيلية وبهذا يمنح الحرية لكل روائي بأن يخلق تاريخه الخاص ما دامت المتعاليات التاريخية والوثوقية لم تعد قائمة) ” التاريخي والسردي ، فاضل ثامر ، ص: 29 والروائي يستبطن شخصية محسن من خلال شخصيته كقرين او قناع مزدوج مبتعداً بهذا الاسلوب عن مشكلات السارد العليم ولكي تكون روايته من الروايات البوليفونية إذ تعددت الشخصيات فيها وهي تصارع احداث الخراب العراقي مركزاُ على شخصيات عابثة ومتمردة واخرى وديعة تناقش موضوعات الساعة في السياسة والاحداث الاجتماعية أمثال شخصيات شاكر ومحمود وجمعة الشاربي الخمرة وحتى مجتبى ابن رجل الدين الملقب بـ (الاطلساني) وغيرهم من المنافقين امثال ناهض ومهند (كانا يجلسان امامك مباشرة ، ودائرة نصف قطرها مترين من جلوس الاصدقاء : انا اكتب بصدق عن الواقع ، وحينما كنتما اصدقاء ونعيش محنة الحصار ، كنتما بطلي الرواية ولكنكما الآن شخصيتان هامشيتان فيها … تبادلاً النظرات وبلع ناهض ريقه ولم يتكلم عادة ما تجد في الرد الهادئ والتذكير بالماضي افضل وسيلة للجم الأفواه والتحدث بأمور قد لا يفهمها الآخرون على انها وسيلة اخرى لقمع الصدق والحقيقة . سارع مهند الى القول : نعم كنا شخصيات الرواية لاننا كنا واقعين تحت ظلم النظام والحصار ولم يكن امامنا متسع لكي نحكي عن حقيقتنا وتبادلت النظر مع محمود ويوسف فيما لو كان مجتبى منشغلاً مع صفحة الفيسبوك : فقد لا تقل لي ان حقيقتك كانت دينية انت وناهض وانكما من المناهضين للنظام السابق على الرغم من انكما حصلتما على هوية مؤسسة السجناء السياسيين … فاستفز القول مهنداً وعالجك بالقول : وهل ترانا كافرين؟ نحن لسنا من شاربي الخمرة لا سابقاً ولا لاحقاً ولسنا من العابثين بالدين … انتبه مجتبى الى جملة شاربو الخمر وقال : ها شنو الموضوع ؟ ما بهم شاربي الخمر؟ هل هم
كفرة؟) ص: 196-197والروائي يستبطن شخصية محسن بأسلوب السارد العليم اما بقية الشخصيات فيصفها مشهدياً مطعماً اسلوبه بمفردات عامية كثيرة وعبارات محكية قصيرة وهو لا يألو جهداً من الافادة من تقنيات السينما ” ص: 162 واسلوب الاسترجاع وكسر افق توقع القارئ واللقطات السريعة ” Flash Back وجاءت النهاية ملتحمة مع واقع تاريخ الخراب العراقي اذ عاش محسن يوتوبيا الخيال مع حمدية التي مارست الجنس مع شاب في المقبرة اما سلوى فكانت كمثيلاتها من النساء العراقيات ضحية للخراب العراقي وبذلك جعل القاص المرأة في خضم الصراعات مجرد محطة راحة (لكن حمدية العارفة بدروب الحزن والضيم .. صرت ضالاً في مسعاك امام هذا الاغراء الانثوي … وبجرأة كبيرة تقول لك وهي ترفع الثوب عن فخذيها . استاذ الّي عندي الآن أجمل من اللّي عند سلوى فقد احرقتها الشمس وتفتح عينيك هلعاً : قلت لك ضع في اذنيك وقراً وانتبه) ص: 268 وبما ان محسن يشتغل بحفر القبور وهو الاديب الروائي ما جعل الروائي (السارد الضمني الاول والعليم) يقول على لسان محسن وهو يخاطبه مجتبى ان يحفر قبر ابيه (الاطلساني) . لكن المشكلة هل هي بموت رجل الدين الاطلساني اشارة الى ان سينتهي الخراب العراقي ؟ ام ذلك يعني ان المتسلطين على رقاب الناس بالظلم والباطل لا يكون مصيرهم على رأي الروائي الا الموت .
ازدواجية الشخصية
لقد حلل الروائي شخصياته وهي تمارس الطيبة او التمرد بحسب ما هو مضمر في شخصياتهم مستفيداً من موضوع ازدواجية الشخصية العراقية الذي طرحه الدكتور علي الوردي وجاعلاً من الصراعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية سبباً للخراب العراقي الذي وظف الروائي تاريخه بأسلوب فني جاعلاً من اسماء الاعلام في روايته علامات دالة عليهم فمحسن فعلاً هو محسن لأنه شاعر وروائي ومجتبى فعلاً هو غير مجتبى ابن رجل الدين الاطلساني وسلوى صارت وتراً حزيناً في حياة محسن وهكذا يستخدم الروائي اسماء اعلام روايته لتدل على الضد من معانيها او تؤدي معناها اللغــوي.

















