رسائل إعتزاز إلى بغداد – الرسالة السابعة والأربعون – إيه يا بغداد

يزهو شارع الرشيد، حين أبصرته لأول مرة في عام 1947، وكأنه متحف حضاري متحرك ليس له مثيل.

حين أقول انه كان يزهو في السنين الماضيات، فلأن النظافة عنوان واضح في كل خطوة يخطوها الإنسان على أديمه، وجوانبه تطل بوجه ضاحك بسام، لا أثر للغبار على واجهات المخازن، ولا وجود للتراب في الشارع العام الكبير.

أما حين أقول أنه متحف حضاري لا يقر له قرار، فأن الحركة دائبة فيه خلال النهار، والسابلة تزدحم على جانبيه الى ساعة متأخرة من الليل.

لم يتخلص تماماً من آثار الماضي العريق، فأن قباب الجوامع ومنائرها، ترتفع زاهية في أفق السماء، والمقاهي والمطاعم الشعبية تزدحم بالناس من كل صنف ولون.

في الوقت ذاته، فأن أوجه المخازن تبدو حديثة عصرية، من حيث المعروضات المتجددة، وفي طريقة إظهارها أمام المشترين.

لاشك انه كان السوق الوحيد الكبير، الذي يعد الشريان الأساس في بغداد، والذي يزود باقي محافظات ومدن العراق بما تحتاج من مواد.

في جانب الكرخ يوجد سوق (حمادة) الشعبي العريق، وفي موازاته يمتد السوق الجديد. في جانب الرصافة، يوجد شارع الكفاح (غازي)، وتنتشر فيه كثير الدكاكين والمقاهي، وفي شارع الشيخ عمر تكثر محلات تصليح السيارات.

كان شارع الرشيد هو الشارع الرئيس، على الرغم مما تتفرع عنه من أسواق، مثل سوق (الأمانة) الخاصة بالفواكه وسوق (هرج) وسوق البزازين وسوق السراي وسوق الشورجة، كما يقع بموازاته شارع النهر الخاص بدكاكين الصاغة وبيع ملابس النساء.

ربما أن السبب الذي جعل كل هذه الأهمية لهذا الشارع الأساس في بغداد، لأنه أكبر شارع في العاصمة.

ومحور أساس لدوائر الدولة والمصارف والمتاجر والدكاكين، إضافة الى وجود المقاهي والملاهي والسينمات.

وقد كثرت يا بغداد، في النصف الثاني من القرن العشرين الأسواق العصرية، بعد أن توسعت خارطة بغداد، وكثرت البنايات العصرية في كل مكان.

لقد خفت بريق شارع الرشيد، سنة بعد أخرى، حين ازدهرت الأسواق الحديثة في كثير من مناطق العاصمة، وفقاً لمتطلبات السكان في كل مكان.

وآسف اذا ما أزعجك أو أبعث الأسى في كيانك، حين أخبرك الخبر اليقين، ونحن الآن في السنة الثالثة عشرة من القرن الجديد.

شارع الرشيد الآن يرثى له، بعد ان تحولت بناياته الى أشبه بخرائب، تذكر أيام عزها، وتندب حظها الآن، لما آل اليه المصير.

الشارع العريق هذا، يغطي أرضه التراب، والحفر تكثر في قاعه، وأرصفته قد تآكلت حافاتها من الجانبين.

كان البغدادي يزهو حين يسير في هذا الشارع مشياً على الأقدام، أما الآن فيعجز إنسان أن يسير فيه على قدميه، أما خلال الليل، فلا يجرؤ أحد أن يخترقه من الشمال الى الجنوب، أو ربما مجرد أن يمر فيه.

اذا انتشرت الأسواق العصرية في كثير من محلات بغداد، فليس من الحكمة في شيء، أن يهمل هذا السوق التاريخي، الذي يعبق سجله بالأحداث الكبيرة المشرفة، والذي ما زال صداها يخفق في الآفاق.

ناجي التكريتي