رؤية واقعية جديدة.. لا بديل سلطوياً – خالد محسن الروضان

رؤية واقعية جديدة.. لا بديل سلطوياً – خالد محسن الروضان

نشأ الفكر العربي الثوري بوصفه صوتًا للوحدة العربية، والتحرر، والمساواة، وحلمًا كبيرًا ببناء إنسان عربي حرّ وعادل. غير أن هذا الفكر، مع مرور الزمن، دخل في حالة من التكرار اللغوي والجمود المفاهيمي، حتى فقد كثيرًا من قدرته على التأثير، ولم تعد شعاراته تحمل المعنى الذي وُلدت من أجله. المشكلة لم تكن في القمع المزمن وحده، على شدّته واستمراره، بل في عجز هذا الفكر عن تجديد أدواته، وعن مخاطبة مجتمعات تغيّرت جذريًا من حوله. وهكذا تحوّل من حركة تحريضية حية إلى مشهد سياسي متكلّس، في زمن لم يعد موجودًا إلا في الذاكرة. اليوم، نحن أمام مرحلة جديدة تحتاج إلى الفكر العربي الثوري، ولكن ليس بصيغته القديمة، بل كفكر قادر على صياغة رؤية واقعية جديدة، تعيد لقيم الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية بريقها، بعيدًا عن الأدلجة والانغلاق العقائدي. رؤية لا تكون بديلًا سلطويًا، بل تعبيرًا عن الضمير الاجتماعي، وصاحبة مشروع إنساني يتجاوز منطق الخصوصية الأيديولوجية إلى تيار انفتاحي غير مؤدلج.

إن الفكر العربي الجديد ليس ذاك الذي يعيش في الماضي ويتغذى على ذكرياته العزيزة، بل هو فكر يستلهم التجارب الناجحة لصالح الحاضر والمستقبل. وهذا يتطلب قراءة الواقع بمنظور مختلف، وامتلاك الشجاعة لتقديم نقد ذاتي حقيقي، ومراجعة الأخطاء على المستويات الفكرية والتنظيمية والأخلاقية، والتخلّي عن ادعاء امتلاك الحقيقة أو التفوق الأخلاقي المطلق.

هذا الفكر مطالب بأن يبدأ من الإنسان وكرامته، ومن حاجاته الواقعية، وقدرته على التفكير والمشاركة والمساءلة، في مجتمع يُعاد فيه الاعتبار للعقل النقدي، ويُستعاد فيه معنى الفكر العربي الثوري، لا كأداة سياسية حزبية، بل كفكرة للعدالة والمساواة والكرامة الإنسانية.

لقد كان الفكر العربي في مراحل سابقة جسرًا جامعًا بين القوميات والأديان والطوائف، ومصدرًا لرؤية وطنية جامعة، بعيدة عن الانحيازات الضيقة. وحين كان كذلك، نظر إليه الناس بوصفه مرجعية وجدانية وأخلاقية، حتى عندما أخطأ.

إن أخطاء الأحزاب أو مثالية بعض تجاربها لا تلغي الحاجة إلى هذا الفكر اليوم، بل على العكس، فإن الحاجة إليه تتضاعف في ظل تفشّي الطائفية، والعشائرية، والاصطفافات القومية والقبلية، وهي أمراض تدفع بالبلدان نحو الاحتقان والعراك السياسي والنفعي، وتحول النظام السياسي إلى منظومة من التجاذبات المهيمنة على الحياة العامة.

في زمن اختلطت فيه الشعارات بالمصالح، وتكاثرت محاولات تهديم البنية الاجتماعية وسلب الثروات، يبقى الفكر العربي الثوري، إذا جدد نفسه، قادرًا على أن يكون مشروعًا إنسانيًا جامعًا، لا أداة سلطة، ولا خطابًا إقصائيًا، بل رؤية واقعية أخلاقية لمستقبل أكثر عدلًا وكرامة.