ذهاب إلى وهدة النسيان

ذهاب إلى وهدة النسيان

علـــي السباعي

 – أنا أكبرُ عاشق ٍ في الناصرية ِ …

وقعتُ في غرام ِ القصة ِ التي طَرَقَتْ بابَ قلبي ولم تغادرْهُ، فصِرتُ أُؤمِنُ بأنَ القصة َ هيَ : الحبُ !

… تعلَمتُ مِن مدرسةِ الحياةِ أنَ الموسيقى  والشعر َ هما أجملُ ما يمكن أنْ تعطيهِ الحياة ُ في هذه ِ الدنيا باستثناء الحبِ .لذا أحببتُ القصة َ .. ” لأن العلاقة َ بينَ الإنسان ِ واللغة ِ هي كالعلاقة ِ بينَ الرجل والمرأة ، إنها علاقة ُ حبٍ”.. أغرِمتُ بالقصةِ … نذرتُ نفسيَ لها . ويومَها قالت لي :-

-أنا حبيبةُ أكبرُ عاشقٍ في الناصريةِ .

*            *            *

ولدتُ في مدينةِ الناصريةِ التي يقسِمُها نهرُ الفراتِ الأسمر ِ نصفين ِ متساويين ِ ، وهذا الأسمرُ الفراتُ دائبُ الحضورِ في قصصي …إذ أنفقتْ أمي من عمرِها عذاباً وألماً ليومين ونصف اليوم في الطَلْق ِ ، وبمساعدة القابلةِ ” لندا بشاره” التي جاءَتْ إلى العراق ِ ممرضَة ً مع القواتِ البريطانيةِ التي احتلت العراقَ عامَ أربعة َ عشر وتسع مئةٍ بعدَ الألفِ ، وأحبتْ ضابطاً عراقياً من أهالي الناصريةِ ، وتزوجها بَعدَ أنْ أشهرتْ إسلامَها ، وبَنَتْ جامعا ً في الناصريةِ ، ولقد ولدتْ أغْلَبَ نسوة المدينةِ ، أظهَرتْنِي إلى النورِ يومَ الخميس ِ العاشرَ من شهرِ حزيرانَ عامَ سبعينَ وتسع مئة بعدَ الألف صباحاً عند الساعةِ التاسعةِ والنصف تماما ً . إذ خَرَجْت القابلةُ “لندا” لتقول لجدي لأُمي :-

–        يا حاج “جابت ” ابنتُكَ ولداً فماذا ستسميهُ ؟

–        علي … علي .. ” صارلنه يومين ونص نقول ياعلي ” .

كانَ جدي لأُمي صاحِبَ صوتٍ شجي ، كانَ رَحمهُ اللهُ أذا غنى يُفطِرُ

القلوبَ ، كانت عائلة ُ أمي عائلةً شيوعيةً ،وكانَ خالي الأكبرُ عضَو لجنةِ محليةِ الناصريةِ في سبعيناتِ القرنِ المنصرمِ ، وكانت عائلةُ أبي عائلة ً  متدينة ً ، وكانت كِلتَا العائلتين ِ تشتركانِ بحبِ العراق .. حباً جماً عجيباً    لا مثيلَ لهُ ، وأذكرُ هنا قولاً لأبي ( المهندس الزراعي ) :-

 – بُني عليْ . إنَ العراقَ مِثلُ شجرةٍ مثمرةٍ تُرَمى بحجرٍ، والعراقُ أنْفَقَ عُمْرَهُ على مدى الدهورِ نخلةً مباركة ً تُرمَى دائماً بحجرٍ ،والعراقُ يَرِدُ بأحلى الثمر .

كان أخوالي يسحبُونَنيَ صوبَهم  ، ومِثَلهم يفعَلُ أعمامي، كلَ واحدٍ مِنْهم يُريُدني أنْ أنتمي إليهِ ، وكانَ جدي الثالث لأبي قد حاربَ مَع الشاعر الفقيه – محمد سعيد ألحبوبي – عامَ أربعة َ عشر وتسع مئةٍ بعد الألف ضِدَ البريطانيينَ ، بَعد استشهادِه أخَذَ الإنكليزُ رأسَهُ مَعَهمْ إلى بريطانيا بحسب أوامر الملكةِ فيكتوريا ، وكانَ جدي لبسالتهِ وشجاعتِهِ استطاع أنْ يُنْزِل َ عَلمَ الملكيةِ من على قصر “الزهور ” إبانَ قِيامَ الجمهوريةِ بعَد أنَ فَشَلَ كلُ أقرانهِ الجنودِ ، فَعلَها رغمَ غزارةِ  الرصاصِ ، وَكانَ أحدُ أعمامي خطاطاً ماهراً تلمذ َ على يدِ الخطاطِ المعروفِ ” هاشم محمد البغدادي ” أسرتني حروفه التي يصوَغُها من الحبر الصيني ، واستهواني الخطُ العربيُ وسحرتني ” القصبةُ ” وكيفية َ ” قَطها ” لأخطَ بَها حروفي ، كانتْ أغلبُ بيوتاتِ الناصريةِ من  القصبِ ، كانَ لنا جيرانُ منزلُهم من قصبٍ ، فكنتُ أذهبُ إليهم لأطلبَ منهم القصبَ ، فتستقبلُني أبنتُهم الزنجيةُ ” شهرزادُ” التي كلما ذهبتُ لأطلُبَ القصبَ كنتُ أجِدَها مُمسِكةً بكتابٍ تقرأُ فيه ومن حولِها أمُها وأخواتُها ، فسألتْني ذاتَ ضحىً : لماذا تحبُ الخطَ ؟

أجبتُها بما كنتُ أسمَعُهُ من عمي َ الخطاطِ :-

– الحرفُ كالمرأةِ الفاتنةِ ، فلو أخذْنَا حرفَ الألفِ في خطِ الثُلثُ ففيهِ صدرٌ وعجزٌ ، إِذِنْ هو كالمرأةِ .!

ضِحِكتْ لكلاميِ بملءِ روحِها البيضاءَ حتى أنَ عينَيها السوداويين الحراقتين لم تستطيعا أنْ تكتما فرحة َ روحِها ، وأمُها وأخواتُها

           يسألْنَ : ” ماذا يقولُ”  و ” لِمَ تَضحكِين ؟ ” ، تجاهَلْتهُم وقالت لي بحنوٍ وضحكتُها إلى ألآنَ تملأُ روحيَ محبة ً :-

– ابنُ عربي يقول : ” إنَ الحروفَ أمم ” .

لحظتَها صمتُ لأنَنَي لم أعِرفْ بماذا أجيبُ ، فمسدَتْ على فروةِ رأسيْ  ، وقادْتَني شهرزادُ من يدي اليمنى داخلَ ” الصريفةِ ” وأعارتني كتاباً قائلةً بحزم ٍ :

– يا علي انك خُلِقتَ لتكتُب .

كانَ الكتابُ ” السيد معالي الوزير ” لنوال السعداوي ، بعدها ، أعارتني رواية َ ” الصخب والعنف ” لوليم فوكنر ، أعدتُ لها فوكنر ، فأعارتْ إليَ فوكنر في ” نور في آب ” ، فصارت شهرزاد تشرحُ لي كلَ شيءٍ وعلى مرِ الأيامِ صِرتُ أقرأُ ، وأقرأ ُ بِنَهم دونَ أنْ أفْهمَ شيئاً مِما أقرَأُهُ ، ذاتَ  مَساءٍ جميلٍ مِثلَها سألتني شهرزادُ بعدَ أنْ أعدتُ لها الشيخَ والبَحرَ :-

– علي ما الأدبُ ؟

لحظتها خجِلتُ ولم أُجبْهَا ، وأطرقتُ باكيا ً ، لأنني ِ حقيقة ً لا أعرفُ ما هو الأدبُ ؟ !

مسحت شهرزادُ بيدِها السمراءَ على رأسي بحنانٍ وكأنَها تعتذرُ عن إحراجي ، وقالت :-

– يا علي سارتر يقول : (( إن الأدبَ تمظهرٌ لحريةِ الإنسان ِ . )) لَحظَتها أجهشَتُ ببكاءٍ مرٍ ، وهَربتُ من خَرِبَتِهمْ لأنَني لا أعرفُ ما تقولَهُ ولا أعرفُ من هو سارتر ؟

لقد أربكتني !!!

انقطعتُ عن زيارةِ شهرزادَ لأيامٍ ، زارتني شهرزادُ تسألُ عني ، وأهدتني

” ناظم حكمت ” ، ومن يومِها وأنا أتعذبُ !!!

جئتُها ذاتَ يوم فَرِحِاً بعد أنْ خرجتُ من المدرسةِ ، فقلتُ لها مسروراً والدنيا كُلها لا تسُعنَي :

– شهرزادُ . لقد قبلني المحافظ ُ .

فقبلتني هي بدورها فرِحة ً وطلبَتْ مِني أنْ أروي لها ما حدثَ ، فرويتُ :  ” جاءَنا المحافظ ُ ، وزارَ صفَنا ، وطلبَ منا أنْ نُعرفَ الاشتراكية َ ؟ ، فملأتُ الصفَ صراخاً : أستاذ .. أستاذ.. لأنَ زملائي لم يعرفُوها ، وكانَ مديرُ مدرستنا ينظرُ الي متوعداً ومرشدُنا يؤشرُ بيدهِ أن أصمتَ وهو يعضُ بأسنانه على شفته السفلى بعصبية أنْ أجلس ، فطِلبَ مِنْي المحافظ ُ أنْ أعرِفَها ، فعرفتُها له مثلما عرفها خالي عضُو لجةِ محليةِ الناصريةِ لأحدِ رفاقه ، فتقدم المحافظ ُ إلى رحلتي التي كُتِبَ عليها بطلاءٍ أحمرَ فاقع

كالدم ِ : جيلُ الثورة ِ . وانحنى عليَ وحملني بينَ ذراعيهِ وقبلَني ، أقفلَ راجعاً وهو يخاطبُ حاشيَتهُ : أتعرفونَ أنَ لي رِفاقاً لا يعرفونَ الاشتراكية َ

وغادرَ …

كانت شهرزادُ تنظرُ إلي بفرح ٍ وهي تبكي ، فأخذتَني من يديَ اليمنى داخلَ

” الصريفةِ” ، وأعطتني دعوةً لحضور عرض ٍ مسرحي هيَ بطلُتُه يُقامُ على بهوِ ألإدارةِ المحليةِ في الناصريةِ

ذهبْتُ أنا ووالدي لحضور المسرحيةِ ، شاهدُتها تطيرُ على خشبةِ المسرح ِ كفراشةٍ سوداءَ ببدلَه حمراءَ زاهيةٍ ، ترِددُ :

” نهايَة الترتيل “

  (( يأتي الميلادُ دونَ أنْ يفهَمهُ أحدٌ ، ويأتي الموتُ دونَ أنْ يفهَمهُ أحدٌ ، وبينُهما تُدرِكُ الكائناتُ كلَ شيءٍ … )) . في اليومِ الذي أعقبَ العرضَ المسرحي ذهبتُ كعادتي إلى خَربِتَهم فوجدتُ شرطةِ الخيالةِ يملأونَ الزقاقَ ، نهروني بعنفٍ ، ولم أتزحزح ، فعلمتُ بأن أحدَ أخوالِها قد ذَبَحها ! ذبحَ شهرزادَ ، لأنها جلبتْ العارَ لهم كونَها تُمَثلُ، فحزِنتُ ، ولم أبك لأنني علِمتُ بأن الزهورَ عمرَها قصيرٌ ، انتهى بي الأمر إلى الخيبة التي غمرتْ حياتي ، حياتي صارت كلُها باهتة ً. بلا طعم ٍ

مِثلَ فيلم باهت ، صارت حياتي تطبعُها العزلة ُ والقراءة ُ والفشَلُ المتواصلَ ، كان حزني شديداً على شهرزادَ الذبيحةِ التي ما انفكت ترددُ دوما ً على مسمعي ما قالَهُ جوادُ سليم : ” لا يمكنُ لكَ أن تأتي . بجديد ما لم ترتكزْ على القديم ” . ترى هل ذبْحُها هو الجديدُ الذي أتت به الحياةُ إلي . آهٍ؟! كنتُ ذاهباً لأخبرَها أنها في العرض ِ المسرحي كانتْ جميلة ً بالبدلة الحمراء.

*            *            *

إبانَ حربِ ألثمان ِسنوات عِشتُ حَدثاً مروعاً فَتَح في قلبي جرحاً سوفَ يظلُ مفتوحاً ما حييتُ . أنني مازلتُ أرى ، رأي العين ِ والقلب ِ ، ذلكَ اليومَ

القاتمَ من تاريخ ِ بلدي  الأكثرَ عنفاً ودموية ً وحزناً، حيث وقفتُ مهموماً

وسط َ شارع الحبوبي في الناصرية ، بعد خروجي مَن المدرسةِ وبرفقتي زميلٌ لي ، عندما وصلنا ساحة الحبوبي التي يتوسطُها تمثالُ الشاعرِ المجاهدِ ( محمد سعيد الحبوبي) ، مر رتل عسكري من : (( اللاندكروزات والوازات  والأيفات والفوانات تحمل الدباباتِ وناقلاتِ الجنود ، والجنود يلوحونَ لطلابِ المدارس ِ والمارةِ المتعبين بعلامةِ النصر ِ)) . شاهدَ زميلي مثلما شاهدتُ أمَهُ الشابة الجميلة َ زوجة َ الشهيدِ ، وقد وقفتْ أمامَها سيارةً نوع تويوتا “سوبر” حمراءُ اللون يقودُها ضابطٌ يضعُ على متنهِ ثلاثة َ نجوم ٍ ذهبيةٍ، راودَها ، فصعدتْ إلى سيارتهِ ونحن نتطلع مبهوتين بعيون سومرية سودٍ تلتهبُ دما ً، في أثناءِ مرورِ السيارةِ من أمامنا رمى الضابط ُ عُقبَ سيجارتهِ بوجوهِنا وراحَ عُقبُ سيجارتهِ يعربدُ في الهواءِ حتى تلقفتَهُ الأرضُ . أرضُ العراق ِ، وحماةُ البوابةِ الشرقيةِ يلوحونَ بعلامةِ النصرِ لنا. سألتُ نفسي أنذاك :

– كيفَ أنحازُ وبشكلٍ مطلقٍ لمحنةِ الإنسان ِ أياً كانَ موقُعهُ ؟

فكانَ هذا السؤالُ ثيمة ًجوهرية ً في كتاباتي … يومها حاولتُ أنْ تكونَ حياتي مِثلَ حياةِ (ناظم حكمت) ، من بدايتها حتى نهايتِها كِفاحاً مستميتاً دفاعاً عن المظلومينَ والمقهورينَ والمضطهدينَ ، فكتبتُ أولَ قصةٍ قصيرةٍ في حياتي وذلكَ في الرابعِ والعشرينَ من نيسان عام أربعة وثمانين وتسعمائة بعد الألفَ ، وقد وسْمتُها بعنوان ِ :” عربدة عقب سيجارة الضابط العراقي ” . بهذهِ القصةِ أكون قد انتميتُ إلى الإنسانيةِ بدلَ أنْ أنتمي لأعمامي وأخوالي ، ساعة َ الانتهاءِ من إنجازِها لم تكُ شهرزادُ حية ً لأعرضَها عليها ، فعرضتُها على أبي  ، بعدَ أن فَرِغ َ من قراءتِها ،

قالَ لي :-

– بُنيَ . لقد اخترتَ المهنة َ التي تجلِبُ الفقرَ !!!

فبادرتهُ فَرِحاً :-

– لقد اخترتُ المهنة َ التي تُغيرُ العالمَ .

عقبَ أبي  بحنو :

– ستبقى طَوالَ حياتِكَ تطاردُ خيطَ دخان ٍ .

فبكيتُ في سِري ، وقدْ لاحظَ حُزني وثباتي ، فأوصاني مُرغماً :-

– بُني . هنالكَ كونٌ بديعٌ من نور ٍ خالُقُهُ اللهُ ، وإنَ أرضَ العراق … أرضُ الأنبياءِ والأولياءِ والأوصياءِ ، إنها ” أرضُ عَبقر” ، أرضُ نور ٍ ، واعلمْ جيداً أنَ الظلمة َ دائماً ضِدَ النورِ ، والشرَ دائماً ضد أرض ِ النور أرض الخيرِ ، أرض العراق ِ وإياكَ وأنتَ تكتبُ أنْ تُدِيرَ ظهركَ للإنسانية ِ .

لحظَتَها عرِفتُ كيفَ أكونُ نوراً . لكنْ ! حتى الآنَ لم أعرفْ لماذا الآخرونَ يُصرِونَ على أنْ يكونوا شراً في أرض ِ النور ، وأقول إن ما يحدث من ويلات على هذه الأرض ، أرض ِ العراق ِ هو بسببِ النورِ الذي يشع فيها .

وهكذا يستمرُ انطفائي ، انطفاءَ عُمرِي قصة َ بأثرِ قصة *            *            *

كِبرتُ ، كبُرَ همي ، وأنا أقرأُ ، وأقرأُ ، وأكتبُ ، فكانت الكتابة ُ صمامَ

أمان ٍ يفرغ ُألمي وحزني وغضبي وجعلتني الكتابةُ أقفُ على قَدمي .

دَخلنا الكويتَ بحجةِ أنْ الماجدةَ العراقية َ صارتْ بعشرة دنانير ،

*            *            *

إبانَ الحصارِ كنتُ أنظرُ إلى الحمارِ وأحسدُهُ ، وكانَ الحمارُ ينظرُ إلي ويشيحُ بوجههِ عني يزدريني .، أليسَ هذا بكافٍ بأن يجعلني أكتبُ ؟

كنتُ أكتبُ واقرأُ من أجل ِ ذاتي ، الآنَ صرتُ أقرأُ وأكتبُ من أجل ِ الآخرينَ . حاولتُ الكتابة َعن قناعاتي دونَ خوفٍ فالعمرُ واحدٌ ، والعمر قصير. كنت أُحسُ الحياةَ ، حياةَ الآخرين وأحققُ ذاتي في الكتابةِ ، نشرتُ أولَ قصةٍ قصيرةٍ ليَ في مجلةِ ” الإتحاف ” التونسية َ عام سبعة وتسعين وتسع مئة بعد الألف ، والموسومةُ بعنوان : ” عرس في مقبرة ” ، وموضُوعُها مستلٌ من الحِصِارِ، أذ باع َ رجلٌ بناتهُ لبيتِ دعارةٍ كونهُ لا يستطيع أعالتَهنَ ، فأصيبت أمهُن بالجنون ِ . إنَ طولَ الحياةِ يعتمدُ على ثراءِ لحظاتِها لا على طولها ، ويستمرُ انطفاءُ عمري قصة ً بأثر قصةٍ ، حاولتُ بكتابتي أنْ أجُسدَ أحداثا ً تجرحُ الإنسانَ العراقيَ في الصميم ، في كرامتهِ ، أحداثا ً حطمتْ إنسانية العراقي ، وجردْتْهُ من أبسطِ حقوقهِ في وطن ٍ يعتريهِ الظلمُ والعنفُ والفوضى والعقمُ.فصدرتْ مجموعتي القصصية البكر ” إيقاعات الزمن الراقص ” عام ألفين وأثنين عن اتحاد الكتاب والأدباء العرب .

 التي كتبتُها بصدق ٍ عن نبض ِ واقعِنا العراقي البائس وإنسانهِ المسحوق إبان فترةِ الحصارِ، الذي يشكلُ أغلبية ً جائعة ً ، مريضة ً ، جاهلة ً ، مظلومة ً تتفرجُ على همومِها ليلَ نهارَ ، وتنظرُ إلى الغدِ بعيون ٍ متشائمةٍ ونفوس ٍ سوداويةٍ لإنسانهِ الذي أضناه القهرَ . استطعتُ التعبيرَ عمن يعيشونَ على حافة الحياةِ في قاعها العراقي الساخن ِ … استطعتُ منذ ُ البدايةِ أن أنتبهَ لخطورةِ وأهميةِ القصةِ

هذا هوَ التحدي .

القصة ُ كائنٌ بدائي متوحشٌ مِثلَ الشعرِ إلى حد كبير ٍ ، الشعرُ والقصة أجدهُما يمثلان طهرَ الإنسان. لأنهما متمردان ِ على الأعرافِ كونَهما محبان ِ للحريةِ ، فجاءت ولادةُ أبنتي الثانية :” زليخات يوسف ” بعدَ سقوطِ من كتبَ على رحلاتِ دراستنا وبالصبغ ِ الأحمرِ الفاقع : ” جيل الثورة ” عام ألفين وخمسة عن ( دار الشؤون الثقافية العامة ) ببغدادَ .

*            *            *

أجدُني لاأعيشُ إلا من أجل القصةِ ، أعيشُ حياتي بكلِ تفاصيلها ولكنني لا أغفلُ عن القصةِ أبداً . كلُ تفصيلٍ في حياتي مضمخٌ بالقصة ، وأنا اليومَ أكثرُ ثباتاً على أن القصة َ هيَ خلاصي الأولَ في هذه الحياةِ لأني أجدُ فيها  ذخيرةَ عمري كلَهُ ، وينطفئُ عمري قصة ً بأثر قِصةٍ .. ومازلتُ إلى الآنَ أُطاردُ خيطَ دخان ِ … وأنا الآنَ أسقط ُ في النسيان ِ.