ذكريات معتقة باليوريا.. جمل مضغوطة عن مطبات اللف والدوران

 ذكريات معتقة باليوريا.. جمل مضغوطة عن مطبات اللف والدوران

حمدي مخلف الحديثي

 الصعوبة التي يجدها الروائي المتميز وكيف يجتازها هي الطريقة التي توصله إلى بناء عمل سردي.. والطريقة معتمدة على مخطط أولي أولي يتضمن المكان والزمان والشخوص، إلى جانب الحبكة وغير هذا من أجل الوصول إلى سرد الحكاية دون انفلات الشخصيات ودقة المكان والزمان، والشيء الآخر المهم هو اللغة الشفافة السهلة المفردات اللغوية ذات الجمل المضغوطة لبعيدة عن مطبات اللف والدوران التي وقع فيها كثير من الساردين العراقيين في الآونة الأخيرة. وما مرّ بنا انتبه إليه القاص الروائي علي الحديثي بذكاء عبر روايته الأولى (ذكريات معتقة باليوريا) التي صدرت عام 2015 عن دار فضاءات/ عمان، ولكننا نجد في الصفحة الثانية إشارة إلى أن الإصدار عام 2016، وهذا نهج سلكته دور النشر الأردنية بسبب أن الجامعات الأردنية وبعض مؤسسات دولتها تشتري بعض النسخ التي تصدر بداية كل عام، وبما أن الرواية صدرت في أشهر متأخرة من عام 2015 فقد جاء العام 2016 من أجل بيع النسخ…..  وهذا لا علاقة لصاحب الدار به.. جاءت الرواية بصفحات عددها (218) من الحجم المتوسط، بفصول قصيرة لم تحمل كلمة فصل، إنما ذات عناوين توخز القارئ أول الأمر أنها أشبه بالمذكرات، لكن العكس هو اللعبة الفنية المتداخلة الأحداث والأزمنة والأماكن. والعناوين واضحة، لا تدعو القارئ إلى أن يكون معها في حالة تأويل، وهي (الوجوه السوداء/ ضاغط ومضغوط/ حبال الظلام/ سارتر وإليوت/ أبو جمال/ أرى بأذني/ نحن لسنا نحن/ حبر على ورق/ أصحاب الكيا/ الغرفة الجديدة/ الحركة المفر/ عمر الحريري/ التجريد/ الغبي / النوم الذليل/ الأمر لا يحتاج/ نقطة سيزيف/ الراديو/ قلّ نظيرها/ في غير موعده/ ثلاث حمامات/ قل كلمتك وتحطم/ فراغات/ في انتظار الطائرة/ سأقول لكم ما هناك/ حدود الباب/ وسط المعمعة/ يوم من هناك/ حوار/ مرايا عاكسة/ أحد عشر يوما/ ناعور الأيام.. 2 ويجب التنويه أولاً إلى أن علي الحديثي قاص استغرق زمنا لا بأس به في كتابة القصة، وأثبت  قدرته في بنائه القصصي ونسج تجربته التي تجلت في مجموعته القصصية الأولى (المعبث) التي صدرت عام 2013، وأحدثت مفاجأة قصصية متميزة جعلت من النقاد والقصاصين الوقوف عندها برؤيا صادقة رافعة قبعة الإبداع القصصي أمام هذا القاص ذي الضوء المشع الخاص جدا، والذي أضاء بعد عتمة القصة العراقية التي كتبها بعضهم ما بعد  9/4/2004. 3 وهذا القاص وعن أهمية كتابة الرواية في زمننا الراهن وضعنا في القول: نادرا ما نجد -بامتياز- في مسيرة السرد العراقي قاصا ومن مجموعة أولى يفتح باب الرواية، ويدخل عالمها بقوة، وبمفتاح بعيد عن الصدأ، ليكون قد أخذ مقعده المتميز بين مقاعد الرواية العراقية التي لا تُنسى، كما أنه لم يفكر في أن يسمع من الآخر كلمة (روائي)، لأن الرواية التي كتبها تدفع بالقارئ لقول هذه الكلمة العالية الأهمية. 4 لا يحتاج القارئ إلى عناء ليعرف أهمية ضمير المتكلم في رواية “ذكريات معتقة باليوريا”..  إن استخدام هذا الضمير الذي يقوم بوظيفة السارد يؤدي إلى أن الروائي علي الحديثي تحمل على عاتقه الشخصية الساردة التي كشفت الكثير عن الذات الموصلة إلى السيرة، والصعوبة هنا.. الصعوبة في كيفية أن يكون القارئ مقتنعا بأن السرد الواقعي يوحي بخيال واسع يسكون بين الواقعية والمتخيل ومزجهما برؤية واحدة.. والمتخيل عند هذا الروائي من الواقع الذي كان في زمن مضى، المتخيل الماضي الذي يعادل الفلاش باك، والروائي أقنع القارئ بهذا، وأصبح القارئ مترددا ما بين الميل إلى السرد الواقعي السيري، أو الميل نحو السرد المتخيل/ الماضي.. ومن نافلة القول إن الروائي علي الحديثي جذب القارئ إلى منطقة، حساسة صلبة، مؤكدا على أن العمل الفني الروائي ليس مجرد سرد مزخرف ومصفوف أمام الأحداث. وما أن ينتهي القارئ من هذا العمل السردي الجميل الذي امتلك الحداثة وابتعد عن الرواية العراقية الواقعية الجافة التي ظهرت في العقد الخمسيني، إلى جانب بروز هذا العمل بقوة من بين الزخم الروائي الذي حصل بعد 9/4، وكأن الروائي _عند بعضهم_ نزهة كتابة بين الورق والقلم.. هذا القارئ بعد النهاية يجد نفسه مطوقا بأسئلة وتأويلات شتى، برغم أن المضمون مكشوف كشمس الصيف… لكن هناك ما هو خلف المضمون وعبر الحوارات الجانبية لقليلة جدا.. 5 مضمون الرواية طازج، ومازال صداه عاليا، ولكن من يستطيع أن يرمي الشبك ويصطاد السمكة الكبيرة حتما يمتلك القوة ومعرفة مكان تواجد هذه السمكة.. الكثير من الساردين تطرقوا إلى هذا المضمون، لكن بشكل هامشي، ولم نجد من امتلك القدرة الفنية لمعالجته.. لكن علي الحديثي خلق منها عالما روائيا بامتياز، ويعود هذا إلى كونه: أولا: عاش تجربة هذا المضمون.. وثانيا: قدرته اللغوية السلسة الشفافة التي فيها نوع من الشاعرية.. المضمون باختصار هو أن تُؤخذ الشخصية من قبل قوات الاحتلال الأمريكي في ليلة كانت الشخصية وحدها في البيت، وكانت تتسامر مع حبيبته (المكتبة)، يحدثها وتحدثه، وصوت أم كلثوم في الجو أعطى شاعرية.. أخذوه معصوب العينين، ووجد نفسه بعد حين في سجن من سجون الأمريكان ألتي أوجدوها بعد 9/4، وبعد مروره بأماكن وتحقيقات وهو بريء من كل التهم التي أُلصقت به يجد نفسه في آخر مكان، استقر به الحال بين صراعات فكرية متطرفة متمثلة بسجناء من الطائفتين المسلمتين وحتى من المسيحيين وأفكار حزبية، فضلاً عن التعذيب النفسي والجسدي. فمن هذا رصد الروائي ما رآه بدقة وما حصل له بدقة، لاقطا مجريات الأحداث ببانوراما نفسية صلبة لا تميل إلى هذه الجهة أو تلك..، مما جعلنا الوصول إلى أن الروائي شاهد إثبات ومدوّن لحقبة زمنية وسخة أمريكية الملامح زرعت الفتنة والقتل بين أفراد الوطن الواحد. 6 المكان جزء مهم، ويكاد يكون شخصية توازي الشخصية الساردة، والروائي عالجه بوعي فني، وجعل من القارئ يحص أنه في المكان نفسه.. المكان القاسي.. الضيف الأفق.. القذر.. البارد.. الحار.. ومن الصعوبة وصفه لولا وجود الوعي الروائي الوصفي الذي تعامل مع المكان بعيدا عن السرد الممل.. وأينما وجد السارد وجد المكان ملازما له 7 ومن خلال تداخل الأزمنة والأمكنة أخذ الساردُ الروائي القارئَ إلى أزمنة مختلفة بأماكنها الطفولية، والشبابية، حتى زمن الزواج.. ليصل إلى لحظة إلقاء القبض….. الماضي _كما قلنا_ حاضر متجدد. 8 الرواية خالية من الحوار إلا ما ندر، وهي نقطة إيجابية تُحسَب للروائي، فكثرة الحوار في أي عمل روائي لا يجدي نفعا إذا كان خاليا من الوعي الفكري، ووعى هذا الروائي علي الحديثي، فضعف حواره القليل. 9 الرواية ذات الصوت الواحد.. صوت السارد.. برغم وجود أصوات هامشية، والصوت الأمريكي السجّان ضاع بين أصوات الحقيقة التي علت بقوة وحقيقة وكلها عبر الصوت السارد الذي لازم الصمت في بعض المواقف، لكن صوته داخليا ذو شحنة من صبر وأمل بالحياة.. أوصلا الشخصية إلى يوم الإفراج الذي يعد نقطة تحول في حياته، ولم يفكر بأي شيء سوى لقاء الوالدة، فركض إلى داخل البيت ليلتقي بها ويُقبِّل قدميها، ماسحا الدموع التي سكبتها زمن اعتقاله.. ليكون بعد زمن مع الورق والقلم مسطرا روايته الشعرية اللغة، ذات الأفق الواسع الفكري.