ذكرى على وسادة التكاسل – مقالات – ماجد الكعبي

ذكرى على وسادة التكاسل – مقالات – ماجد الكعبي

السلام عليك يا شهيد الصحافة العراقية .

 أبا ربيع : تمر الأيام سراعا يطوي ليلها النهار.. وننطوي نحن بينها فما يبقى لسعينا بين جناحيها إلا ما يبقى للطيب بعد فنائه أو للخبث بعد تلاشيه .. الأثر الصالح يبقى طيبا يعطر الألسنة والخبث يبقى خبثا تشمئز منه النفوس .

يا شيخ الصحافة : كلنا نتحول إلى ذكرى قد تكون طيبة بأفعالنا وقد تكون لعينة بها أيضا . فالباقيات الصالحات والعمل الطيب كالكلمة الطيبة تبقى ما عاش الإنسان بل وتعقبه بعد مماته ، والعيش نوم والمنية يقظة ، وترابا نعود كما صرنا بدءا من تراب ، فما كان الخلود نصيبا لنفس إنسانية . ومن باع دنياه  باخرته ربحهما معا ، ومن باع أخرته بدنياه خسرهما معا . وكلنا نعلم أن الدنيا غدارة قريبة العرس من المأتم ، وكل ما فيها  إلى زوال ، والفائز من  لجم شهواته واقتنع  بما لديه .

 يا أيتها النفس :  انظري أولا في ذنوبك الظاهرة ، ثم انظري في الموت وسكرته والقبر وضيقته ثم انظري إلى عذاب الأجداث وأهوال النداء يوم النشور ، يا نفس تصوري جهنم وأهوالها وسلاسلها وأغلالها .

أقول : خلق الإنسان وعلى عاتقه ألقى الله مسؤولية التبصر بالحياة ومعرفتها وتسخيرها فيما يخدم الإنسان نفسه . فالإنسان مسبقا يجب أن يعلم انه ممتحن مبتلى . والإنسان أمام هذا الامتحان الإلهي واحد من اثنين أما صابر محتسب ، وأما متهافت هش تكسره الريح لأول هزة . والأول هو الفائز مهما بلغت به الآلام ومهما لوته الأيام . الابتلاء مقدر على الإنسان ولكن الصبر يقرره الإنسان نفسه . من خلال معاشرتي للشهيد المظلوم شهاب التميمي وجدته صابرا واثقا مؤمنا بالقدر قوي ذابت أمامه المصاعب والمحن . ابتلي الشهيد التميمي بالفقر والفاقة والعوز وبالأشرار أصحاب الأرواح العدوانية الهجومية والمريضة فصبر عليهم صبر الكريم  ولم يشكو للمخلوقين معاناته وماساته ومحنته ومضايقاته لأنه يخاف ويخشى من أن يشكو الخالق الرحيم إلى الذي لا يرحم .. ولم يكتفي شهيد الصحافة  بعدم الشكوى لنا ، بل ذهب إلى أكثر من ذلك حيث غادر ورحل بصمت مطبق ولم يكشف لنا سرا وأغمض عينيه من دون وداع .

 الصحافة العراقية هي صحافة الشهداء الذين امتزجت  دمائهم مع دم نقيبهم الشهيد شهاب التميمي  لتصب في نهر العراق الخالد .  قُر عينا أيها الشهيد المظلوم  وكلنا ثقة سيتحقق حلمك الكبير رغم ضراوة الصراع ومرارة الأيام وشدة المعاناة وقساوة معركتنا مع الطارئين والأدعياء والفاسدين والسفلة والسراق . وستبقى الصحافة العراقية صحافة الإنسانية والوجدان والضمير والمهنية والصدق والإخلاص والوفاء للوطن والمواطن لأنها صحافة الرافدين منذ بزوغ فجرها ، ودماء شهدائها حية على جسد تاريخ الأسرة الصحفية وكل قطرة منها هي فخر للزملاء عامة  وللفقراء والمتعبين والمقهورين خاصة .

 بيضاء أيامك ولياليك يا أبا ربيع ..  أيها النقيب الشهيد الذي ضحى بروحه من اجل الصحافة ورفعة مجدها .. السلام لروحك أيها الصحفي الشهيد .. يا غرة على جبين الدهر .. نم قرير العين أيها المظلوم تحرسك العناية الإلهية .. وثق أن قطرات دمك ، ونزيف دماء شهداء أسرتنا تنمو أزهارا يتشكل منها مجد صحافتنا .

 أبا ربيع :  في يوم رحليك نقابة الصحفيين  تبرقعت بالسواد .. أسرتها حزينة .. صحفها  وقنواتها ومؤسساتها تئن مع أنين السامرين  .. روعة فجر بغداد تحولت إلى غصة يوم استشهادك .. على مآذنها يختنق النداء . فيا نقابتنا : أين شهاب التميمي .؟ أين بحة صوته الندية والعذبة .؟ أين .. أين  .؟  كيف استطاع الجلاد والذابح والمفسد والقاتل والمجرم  أن يغتال صاحب العصا وشيخ الصحفيين  .. أين الأطايب من الزملاء  .؟  أين علي  .. أين عمر .؟ أين حسين .؟ أين عثمان .؟ أين  رعد .؟ أين أطوار .؟ أين دلال .؟ وهكذا سفينة الصحافة العراقية تستمر في إبحارها لا تبالي بأمواج بحر الباطل المتلاطمة ،  حتى تصل بكل امن وسلام إلى شاطئ الإنسانية والتآخي والمحبة والخير والحرية والرسالة والعدالة والمساواة والعطاء الوجداني. وتبقى الشهادة هي طريق العراق إلى مستقبله وطريقه إلى خلوده ، وهي – الشهادة – المنى ، و وسامنا عند النبي الأعظم ، وشهداء العراق هم كنوز الأرض ونجوم السماء .. وكم كنز يضمه التراب روى بدمه ارض الأباة وتربة الإشراف ،  وجاهد بقلمه وبلسانه الفساد والمفسدين لينتهي بالعز باذلا عمره ودمه ليلتقي النبي محمدا ( ص ) دامي الجبين مخضبا بدمه . فسلام عليك يا أبا ربيع يوم استشهدت على يد زمرة أمست بغير عفاف .