
د. خالد الخفاجي
في زيارة من زياراتها الشهرية للوقوف على أملاكها من أطيان ومزارع وقطيع من البقر والخرفان والعجول، ومعامل الألبسة التي تقيمها في تلك المنطقة الريفية ومنها تصدر المنتوج إلى مدن الوطن وخارجه، ولتسترخي قليلا في قصرها الفخم الذي خصصته فقط للراحة من عناء ثقل المال والسفر، والذي اختارت هندسة خريطته وتأثيثه وإحاطته برقرقة الماء وخضرة الأشجار التي تسوّره واختيارأنواعها المثمرة، وأيضا الزهور المختارة بعنايةٍ، تلك التي تغمر المكان بعطرها الفواح، من خلال الاستعانة بذوي الخبرة والتخصصات كل حسب تخصصه، وعند هبوطها من مركبتها الفخمة بل قبل ذلك صار سكنة تلك القرية يهرولون ويتجمهرون حول موكبها الأميري بوجوه تتلاطم بها حشود العرق الذي يسيل من خلف تجاعيد الزمن، وعيونهم المتلهفة إلى رغيف خبز ووطن، وفي رمشة عين أصبحت أميرة المال في زفة عرس بدوي، وهي تتمايل مثل غزالة ثلجية في غنج ومشية تلهب القلوب من فرط سحر خطواتها، ولون وجهها الذهبي الذي يحفل بخدين من حبات رمان وقمر، وشعرها المنسوج من سنبلات الشمس وبهجة الدنيا، ملفوفٌ إلى الأعلى برسمة مكوّرة تلوح بأنامل سيدة مجتمع، وعينان يكاد بريق ضوئهما المائل إلى الأصفر يخترق النظارات التي تغطيهما من شر النهار، وفستان سندر للّي مشغول بأنامل محترفة من عناق لونين فقط فجر وسَحر، يكحل جسدها وقوامها الممشوق مثل غصن رشيق،كانت بين الفينة والأخرى تلتفت الأميرة من اليمين إلى الشمال فتشرق رقبتها اللؤلؤية الشامخة فوق قمة الجسد وكأنها نغمة عود، وحشود الفقراء تزفهامثل وطنٍ بجنحين من ماء، وتاريخ ونخل ونفط وكبرياء، حكامه سرقوه في وضح النهار، وعلى جسده المغدور اشتدَّ الشجار، وفي واحدة من لفتاتها لمحت فجأة واحدا يسمى رجلا يتكئُ على عود شجرة يداعب أفكاره غير آبهٍ بما يجري حوله من موكبٍ وأميرة وزفة فقراء، ودولار طالع وآخر نازل، وبلمحة البصر ذات النظرة الفاحصة استغربت وأدركت واندهشت من تردد هذا الرجل عن الاستقبال الفخم الذي احتفى به أهالي القرية جميعا شيوخا ونساء شبابا وأطفال لمقدمها الميمون، تساءلت الأميرة الذهبية في سرّها لماذا هذا الرجل لم يشارك في استقبالها؟ وحتى لم يشعر بوجودها أصلا؟ وبلا تردد اتجهت نحوه والجميع يجري خلفها، وتوقفت عنده تتفحصه بتجلي خاصة وهو لم يحرك ساكنا من مكانه، وحتى لم يرفع رأسه نحوها، مما تعاظمت دهشتها، حتى ارتبك الكلام في دواخلها، وفي خضم التساؤلات التي ازدحمت في رأسها، شعرت بأنها عاجزة عن الكلام وأن هذا العالم غريب، ما الذي يجعل هذا الشخص من طائفة الفقراء يختلف عنهم؟ بل ربما لا يحترم سلوكهم في العيش؟ وعدم قدرتهم على الدفاع عن حياتهم بطريقة لا تنقصها الكرامة؟ وفي لحظة مفاجئة أدارت وجهتها باتجاه القصر بين غاضبة ومسرعة، ومتلفتة نحوه ومتعثرة الخطوات، حتى ارتمت على مقعد جلوسها المفضل في غرفتها الموشحة بالحلُم، منذهلة من أمرِ ذلك الرجل المنزوي وحيدا عن ما حوله، متعالياَ على العظماء، تقصد ذاتها حتما لأنها تعدُّ نفسها واحدة منهم، انتابها الفضول وعلى الفور أرسلت بطلبه، وماهي إلاّ دقائق حتى شخص امامها، فانتصبت بقوامها المغري أمامه لتكتشف أنها في حرم هيبة هذا الرجل الملثم ببحر من الأسرار والأفكار والتداعيات، متناسيا بأنه من فصيلة الفقر دون أن يشغله كثيرا، وتلمح الكبرياء والتحدي والصبر في بريق عينيه الحزينتين، مسترجعة شعورها بالتفرد والسلطوية والثراء، متسائلة: لماذا لم تكن مع المستقبلين لي؟ ولم تنحنِ؟ أدار وجهه عنها، ونفث آه طويلة حرقتها في المكان، وقال: لا شأن لي بكِ سيدتي فلم أستقبلكِ؟ وهل ملكتِ المال من أجل انحناء الفقراء الجياع؟ إذن لا قيمة للمال إن وجِدَ من أجل الانحناء، فالمرء ينحني في اليوم عدة مرات من أجل أن يربط خيط حذائهِ، وهنا عصفت بها الأهوال وفقدت القدرة على التفوه ببعض كلمات، مستدركة على الفور بأنها أمام رجل من طراز آخر، وفي اللحظة ذاتها تسللت إلى روحها شذرات إعجاب وثقة عمياء به، مما ساعدتها هذه الشذرات على النطق من جديد قائلة: أريد أن أوكلك على ممتلكاتي كلها، وأُنصبك مديرا لإدارتها مقابل راتبا مجزيا إن كنت تبحث عن عمل، وليس عندي أي شروط، عندئذ رفع رأسه ليقرأ ما تيسر من آيات وجهها القمري، ويتفحص ما يدور في راسها، مجيبا: قبلت وسأكون بمستوى ضمير الوطن، وفي كل جلسة معها لمراجعة موازنة الإيرادات والصادرات دون أي عجز بل أرباح مضاعفة عن ما كانت عليه، تكتشف بأنه لم يستقطع راتبه الشرعي والقانوني، فهمَّت بعشقه جنونا، ونسيت من تكون وماذا تملك، وما يجري حولها من رياء ونفاق وسرقات، ونسيت بل نزعت زركشة حياتها السابقة، وركلت تهافت المرائين من الأثرياء والزعماء الذين يمضغون لعابهم تمنيا بنظرة من عينيها الذهبتين، وأدركت أن هذه الدنيا لن تستقم لا بالمال، ولا بالجاه، ولا بالجمال، ولا بالمنصب، دون قيمة سامية عليا هي الصدق، وحفظ ماء وجه الوطن الذي لم يبق منه سوايَ وهذا المنزوي الذي تفترش على وجهه النبوي آيات صدقٍ وعشقٍ، فذهبت إليه لاهثة وطلبت منه لتكون له وطن!!!



















