دولة العشائر بديلاً عن دولة المواطنة – محمد جبار جدوع العبدلي

 mohamad jabar

دولة العشائر بديلاً عن دولة المواطنة – محمد جبار جدوع العبدلي

بعد القراءة الأولى لمشروع قانون القبائل والعشائر من قبل مجلس النواب العراقي، فإننا نقترب خطوة إضافية جديدة وفاعلة لإبتعاد العراق عن إقامة دولة مؤسسات قوامها المواطنة، ويزيد من الانقسامات الموجودة مسبقاً والمتجذرة في البلد إلى قوميات (أكراد وعرب) وديانات (مسيحيون ومسلمون وصابئة ويزيديون)، فالقانون يزيد ويعمق الإنقسامات المناطقية والعشائرية. وقد أشار مشروع قانون العشائر والقبائل إلى تأسيس ما يسمى بـ (مجلس قبائل وعشائر العراق) الذي منحه القانون شخصية معنوية واستقلالاً مالياً وإدارياً ليتمكن من أداء مهامه، وتُشكّل أيضاً مجالس للقبائل والعشائر محلية في كل محافظة، ويحق لكل مجلس محلي تشكيل مجالس اخرى في الأقضية والنواحي داخل المحافظة، لتضاف حلقة جديدة من حلقات الفساد من خلال خلق مؤسسة جديدة تكون لها موازنة مستقلة وتشكيلات ادارية مستقلة أي يمكنها التعاقد وتعيين اشخاص بشكل مستقل، وتحميل الدولة نفقات مالية إضافية لتأمين رواتب أعضاء مجالس القبائل والعشائر المركزي وفي المحافظات والأقضية والنواحي وتوفير حمايات خاصة بهم وسيارات ومقرات وأثاث ونثريات …الخ. ومن ثم يضيف مشروع القانون حلقة جديدة من حلقات الفساد المزدحمة في البلاد ويزيد من أعباء الدولة المالية في ظل تراجع الوضع الاقتصادي وما يتحمله المواطن نتيجة ذلك لمواجهة سياسة التقشف.

كما إن تشكيل تلك المجالس من شأنه أن يزيد المحسوبيات والواسطات وعمليات الإبتزاز نتيجة التدخل المحتم لأعضاء مجالس القبائل والعشائر المركزي والمحلية في أعمال مؤسسات الدولة.

فضلاً عن أن ارتباط شيوخ العشائر بالسلطة مقابل مرتبات شهرية لن يبقِ للعشائر ذات المكانة الاجتماعية والتأثير على الأفراد فضلاً عن زيادة المشاكل بين أفراد القبيلة الواحدة نتيجة التنافس على تمثيل العشيرة لما تضمنه القانون من رواتب وسلطات للشيوخ من أعضاء مجالس القبائل والعشائر المركزي وفي المحافظات والأقضية والنواحي. ونعتقد أيضاً أن إقرار هذا القانون سيساعد بشكل وبآخر على شرعنة انتشار الأسلحة وعسكرة المجتمع مما يزيد من احتمال وقوع نزاعات مسلحة جديدة بين الأفراد أو بين العشائر في المستقبل. وقد حدد مشروع القانون مهام المجلس المركزي بموجب المادة (5) في تقديم الاستشارات للحكومة ويشجع الناس على احترام الدستور والقوانين وتنفيذ قرارات القضاء، وهذه المهام تحتاج إلى مؤهلات واختصاصات معينة، في حين أن مشروع القانون حدد الشروط والمؤهلات المطلوبة في أعضاء مجلس العشائر وهيئاته بأن يجيدوا القراءة والكتابة وذلك بموجب  المادة (10) من المشروع،  ويرى المدافعون عن مشروع القانون تحت ذريعة أنه جاء مستنداً لنصوص دستور جمهورية العراق لسنة 2005 وتسقط هذه الحجة بالقول: أن المشرّع الدستوري لم يقرر تشريع قانون يكفل تنظيم شؤون العشائر وتعزيز أدوارها المتنوعة لأن المشرع الدستوري حين يرى ضرورة سن تشريع ينظم موضوعا معينا فإنه ينص على ذلك صراحة ولذا أورد الدستور في مواطن عدة عبارة (وينظم ذلك بقانون)، في حين لم ترد هذه العبارة في نص الفقرة (ثانياً) من المادة (45) من الدستور والخاص بالعشائر. ومن الجدير بالذكر، أن الاحتلال البريطاني قد أصدر عام 1916 قانون دعاوى العشائر العراقية أي قبل تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 وتم إلغاء هذا القانون عام 1958 خلال فترة حكم عبد الكريم قاسم بسبب قدرة الدولة على ممارسة سلطاتها بذاتها وقدرتها على فرض للقانون، ومن ثم ليس من المعقول بعد تلك الحقبة الزمنية الطويلة يشرّع قانون مجلس قبائل وعشائر العراق.