دوامة ضياع مستمر- خالد عبد الكريم
سوف يتساءل الجميع هل نحنُ ضائعون فعلاً ؟ وما هذا الشيء الذي إذا فقدناهُ ضعنا؟ أنا نفسي سألتها ذات الأسئلة مراراً وتكراراً !. وكنتُ دائماً أبحثُ وأبحثُ عن الإجابة التي لطالما لم ينتبه لها الكثيرون منا!! لا بل أكادُ أجزم جميعنا لم ننتبه جيداً إلى هذا الشيء أو هذا الجزء المفقود!! الذي بفقدانهِ رضيع الإنسان ويصبحُ بلا قيمة في كلِ المستويات!. نعم وأشددُ وأُكد كلامي هذا وأقول: (بضياعِ هذا الشيء أو هذا العنصر الإنسان يَضيعُ تماماً على جميع الصعد وكل المستويات)!.
فيضيعُ نهائياً في المستوى الديني والأخلاقي والعلمي والثقافي والإجتماعي والصناعي وحتى الفكري،
بل سوف يكون بلا قيمة وبلا أي فائدة تُذكر!. “وممكن أن يتحول من إنسان إلى حيوان ناطق همهُ الوحيد هو الأكل والشرب والتزاوج فقط”!. ولا يتعدى تفكيرهُ هذه الدائرة الضيقة التي أسميتها في بحثي هذا (بدائرةِ التفكر المحدود) وأعطيتها تعريفاً : وهي المساحة الضيقة من التفكير التي يَغرقُ فيها الإنسان العربي ولا يستطيع تجاوزها أو الخروج منها لعدة أسباب، البعض منها هين ويمكن تجاوزهُ والآخر هو مستحيل لأنهُ متوارث ولايمكن التغلب عليه إلا بمعجزةٍ أو ثورة تحطم الحواجز المتوارثة وتبدأ بوضعِ الأسس الحديثة لبناءِ الفرد من جديد..
فهل عرفتم الآن ماهذا العنصر المفقود؟؟ ولماذا بفقدانهِ يحدث كل هذا الضياع وكل هذه الأضرار؟!
فالجواب الصادم لهذه التساؤلات هو هذا العنصر الحيوي الذي من خلالهِ يحسب كل شيء في الحياة وبعد الممات ألا وهو (الوقت).
فبضياعِ هذا الجزء وهذا العنصر المهم من الحياة يضيعُ الإنسان في أغلب المستويات. ومن أهم تلكَ المستويات التي يفقدها الإنسان بسبب “عدم إهتمامهِ بالوقت” هي كالتالي:
1- هدر الوقت يسبب التدني في المستوى الديني وعلاقة المخلوق بالخالق، فعندما يكون الإنسان هنا غير مهتم بالوقت ولا يحترمهُ أصلاً سوف يكون مقصراً مئة بالمئة في حقوق الخالق من أداء الفرائض اليومية كالصلاة بأوقاتها والدعاء وقراءة القرآن الكريم وصلة الأرحام وغيرها في الكثير من الواجبات..
2- عدم الإلتزام بالوقت يفقدك الصدق والأمانة ، فمن لم يلتزم بالوقت وبدقة المواعيد المحددة في إنجاز العمل أو الأمور الأخرى سوف يكون إنسان كاذب وبهذا سوف لن يأتمنهُ المقابل على مايملك أو يرغب بهِ من مهام ..
3- عدم إحترام الوقت يتسبب في هدم العلاقات الزوجية. فعدما يكون الرجل مشغولاً دائماً مابين العمل والأصدقاء ويهمل زوجتهِ وأطفالهِ سوف يدمر بيتهُ شيئاً فشيئاً!. كذلك هي الزوجة عندما تتعمد إضاعة الوقت في وسائل التواصل الإجتماعي مثلاً ، أو لدى الأهل والجيران والأصحاب وتهمل زوجها وأولادها سوف تهدم حياتها الزوجية بلا شك وهذا يحدث الآن في مجتمعنا بشكل كبير وخطير جداً ..
4- ضياع الوقت يحطم في نفوسنا الطموح للوصول إلى حياةٍ أفضل مما نحنُ عليه اليوم. فمن منا اليوم لم يندم على أيام شبابهِ التي ذهبت سدى ولم تستغل وتوظف بالشكل المطلوب للوصول إلى أعلى المستويات في زمن قصير..
5-عدم الإهتمام بالوقت يشعرك بأنكَ تعيش في روتين قاتل. لايمكنك التحكم فيه هو دائماً من يتحكم فيك ويُجبركَ على أداء هذا وذاك بدون أي مقاومة منك فبهذا الشكل سوف تشعر بالملل ولا يمكنك أن تتقدم في الأداء أو العمل وسوف تتراجع ذاتياً ولا إرادياً نحو الأسوء..
6- إن ضياع الوقت يتسبب بفقدان الكثير من الجوانب المهمة في الحياة. وهذه حقيقية نعيشها في أرض الواقع ومثالاً عليها: لو كان الإنسان طفلاً صغيراً فعندما يتعود على ضياعِ الوقت وعدم الإلتزام بالأعمال المنزلية والواجبات المدرسية، سوف ينشأ بشكل مُتخلف ويكون بالمستقبل عنصر غير ناجح أو غير فاعل تماماً في المجتمع، لأنهُ توارث هذا الضياع من أقرانهِ والأفراد المحيطين بهِ فأصبح بهذا الشكل المُتخلف الذي سوف يكون مصيرهُ محسوم مستقبلاً بدخولهِ المُجبر إلى (دائرة التفكير المحدود)!فلن يتجاوز فكرهُ ثلاثة أو أربعة محاور فقط وهي: “الأكل والشرب ، وجمع المال ، والتزاوج”!.ولو عملنا الآن إستبيانا بسيطا جداً في طبقة الشباب أو الطلاب الجامعيين وطلبنا منهم الجواب عن هذا السؤال القائل: ماهو طموحكَ بعد التخرج من الجامعة؟ كان الجواب صادماً لكنه متوقع حيث أكد الجميع إنهم يطمحون إلى ((الحصول على فرصة عمل ، ثم الزواج من فتاة الأحلام فقط))!. وبهذا الجواب تأكدت تماماً من سقوط الجميع أو الغالبية العظمى في “نفق ودائرة التفكير المحدود”!!.بهذا الشكل أكون قد أوجزت لكم لفصل المشكلة التي نعاني منها اليوم في جميع مجتمعاتنا العربية التي سَقطَ مُعظم أبنائها بنفق (التفكير المحدود)!.وتحول الكثير الكثير منا إلى الحيوان الناطق>! الذي لايختلفُ تماماً بفكرهِ وعملهِ عن الحيوان العادي !!
فقط مجرد النطق هو الفارق
وكما في قولهِ تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم
(أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ? إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ? بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) صدق الله العلي العظيم – الفرقان – الآية 44.
فالحيوان العادي هو أيضاً كائن حي ويحب الأكل والشرب والتزاوج، وهو أيضاً يجيد عبادة الله الخالق ! كما في قولهِ تعالى
بسم الله الرحمن الرحيم
(يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ? لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ? وَهُوَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِير) التغابن – الآية1- صدق الله العلي العظيم
فمن هنا تساوى الطرفان فالحيوان العادي بهذه النقاط لا يختلف جذرياً عن عمل الإنسان بمجتمعنا اليوم!.
لكن لو كان الإنسان مستثمراً لعقلهِ ووقتهِ وما يملك من إمكانيات لخرج من دائرة التفكير المحدود وتغلب على الحيوان الناطق! كأن يفكر في صناعة مركبة فضائية يصل بها إلى القمر ،أو إختراع علمي يحدث طفرة في عالم التكنولوجيا والعلوم التقنية!. أو أن يلتزم على الأقل بما يفرقه عن الحيوان كأن يأكل ولا يرمي المخلفات في الشوارع والأماكن العامة، وليحترم قوانين الإنسانية وعدم التعدي أو المضايقة لآخرين من حوله!. لكن للأسف الشديد كل هذا غير متواجد اليوم في مجتمعنا الذي أصبح أعظم إنجاز ممكن أن يحققه هو القيام بحملة تنظيف للحي والشارع الذي يسكن فيه!. غير هذا لا يفكر في أي إنجاز أو عمل آخر!..وفي الختام أتمنى أن لا يستمر فينا الضياع للعنصر الأهم بالحياة والذي يتم إستغلالهُ اليوم أفضل إستغلال بالنسبة لشعوب العالم الغربي الذي وصل المريخ وشيد منزلاً على القمر!. وكل ما نملك نحنُ الآن من صناعة وتكنولوجيا بل وحتى الملابس التي نرتديها من فكر وصناعة عقولهم التي وصلت إلى “الإنسان القمة” بإحترام الوقت وعدم هدرهِ ، عكس ما نفعل نحنُ اليوم فالإنسان الحقيقي لا يصر على ضياعِ الوقت بالتفاهاتِ والتخلف وإلا فهو أقرب من “الحيوان الناطق”!.
فعلينا أن ننتبه جيداً لما يجري الآن وهذا المرض الذي يستشري في مجتمعنا العربي وهو مرض “السقوط في نفق التفكير المغلق وتحول الكثير منا إلى الحيوانات الناطقة”!.
فمتى يمكن أن نلتفت إلى هذا المرض الخطير ونعمل على محاربتهِ؟
أم سوف نبقى في دوامة هذا الضياع المستمر وبئس المصير ..




















