دموع تغسل الجسر الطويل – مقالات – ثامر مراد
هبة – شابة لازالت في عمر الزهور تراقب المستقبل بحذر وحب شديد للحياة. قاست الشيء الكثير كي تصل الى الدرجة العلمية التي تفتخر بها على مدار الساعات..
وتحقق الحلم وصارت مدرسة جامعية تغذي تلاميذ ألأرض الطيبة بحب الوطن وشعارات الطموح لمستقبل لايعرف الحدود. مما زاد في سعادتها إرتباطها بشاب مهندس وسيم وسامة قطرات الندى المتجمعةعلى قمم أشجار النخيل السامقة كل صباح. سارت ألأمور في السنة ألأولى في إنسيابية رائعة .
كانت تسير بين الحقول الخضر الممتدة على مدى البصر من بيتها المتواضع الى المدرسة ألأبدائية التي راحت تعشقها بقدر عشقها لزوجها ورائحة التراب في كل زاوية من زوايا ألأرض الخصبة. على حين غرة – في السنة التالية – تلبدت السماء بغيومٍ سود قادمة من أجزاء مختلفة من زوايا العالم.
أجناس بشرية من جنسيات مختلفة وقامات طويلة وأسلحة لم تشاهد مثلها حتى في أفلام السهرة .
راح الرصاص يتطاير في كل ألأتجاهات. وصاح مدير المدرسة يطلب من الجميع ألأختباء أو الهروب الى مكان آمن. الرصاص لايعرف كراريس ألأطفال من البنين والبنات وتمزقت عشرات الصفحات الملونة وغطتها الدماء من كل حدبٍ وصوب.
تناثرت الجموع البشرية في كل مكان وراحت العوائل البائسة تنشد طريقاً آمناً للهروب نحو الحياة. لم تكن تعرف الى أي جهةٍ تهرب؟ كل عائلة تصرخ نحوها أن تستقل أي سيارة تسير نحو الحياة المجهولة. لم يكن أمامها إلا الجسر الطويل جدا الذي يربط قريتها بالعاصمة على صفحة مياة الفرات.
ركضت بأقصى سرعة متاحة لها وهي تحمل طفلها الرضيع في يدها اليمنى وحقيبة ملابسها في اليد اليسرى. إعترضها الجندي الشاب المكلف بحراسة مدخل الجسر.
لايمكن أن تمري من فوق الجسر الى الجهة ألأخرى..الرصاص في كل ألأتجاهات ستموتين فوق الجسر..بالله عليكِ إذهبي الى أي مكان عدا الجسر.
كان يتوسل إليها كشقيق يعرف أن شقيقته على وشك الموت. راحت هبة تصرخ في وجهه.
لا أستطيع العودة الى أي مكان آخر..أمي وأبي ينتظرانني في الجهة ألأخرى من الجسر. ليس لدي أحد في هذه القرية سوى زوجي وهو ألآن في البصرة. أين اذهب؟
الجميع فروا من القرية. أفضل الموت فوق الجسر وحيدة على أن اعود للخلف. راح الجندي الشاب يشرح لها ألأوامر الصادرة له من قبل الجهات العليا. لم تهتم لأي كلام . كانت كمجنون لايفقه شيئاً مما يُقال لها. قالت .. سأذهب وأقتلني أنت من الخلف حينما أبتعد..أخاف من صوت البنادق.. سأذهب مهما حدث.
راحت تركض في وسط الجسر الطويل . سمعت صوت أطلاقات شديدة تصم آلآذان. توقفت بلا حراك . أغمضت عينيها. صاح الجندي أركضي بسرعة وسأحاول إشغال أي شخص يطلق عليك الرصاص. كانت تركض في وسط الجسر كالمجنونة وتبكي بلا توقف. شعرت بألأرهاق. تخلصت من حقيبتها .
تركتها على الجسر وظلت تركض برضيعها الذي لايعرف ماذا يجري هنا في جمهورية الخوف. ظل الجندي يطلق الرصاص في كل ألأتجاهات لأشغال ألآخرين وهبة تركض ودموعها تغسل كل زاوية من زوايا الجسر الطويل. وصلت نهاية الجسر حيث كان والدها ينتظرها على أحرٍ من الجمر.
أخذت والدتها الطفل الرضيع وألقت هبة بجسدها المنهك في المقعد الخلفي وأنطلقوا جميعا نحو القرية البعيدة من الجهة ألأخرى لنهر الفرات.



















